
أذن وعين
هل ينجح ترامب في تغيير العالم؟ – عبد اللطيف السعدون
يجتهد باحثون وكتاب في محاولة تأصيل خطوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإشعاله الحرب في منطقة الشرق الأوسط باعتبارها تؤسس لمنهج جديد في العلاقات الدولية يقوم على قاعدة «القوة والصدام»، وتعيد تعريف قواعد اللعبة من خلال وضع حركة العالم في يد دولة قوية تفرض سلطتها على الدول الأخرى، وعلى تلك الدول القبول بذلك إذا شاءت أن تحافظ على استقرارها وأمنها، وبالطبع فإن الدولة التي يرى دعاة هذا المنهج أنها المؤهلة للقيام بهذا الدور هي الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها «الدولة الأعظم» في العالم.
ويطرح هؤلاء ما يعتبرونه الخلفية التي أوصلت العالم الى هذا المنحنى مشيرين الى أن الأزمة التي يعيشها عالم اليوم ليست وليدة مصادفة محضة، أو نتاج لمجريات الحرب المشتعلة، إنما هي حصيلة سياسات خاطئة اتبعتها القوى المهيمنة مما سمح للاضطراب والتداخل أن يصبح هو القاعدة، وينحو الباحث الأميركي (من أصل كوبي) خورخي ليون باللائمة على «الديمقراطيات الغربية» بالذات التي يقول انها السبب في ظهور تيارات هجينة أوصلت العالم إلى ما هو عليه إذ كانت تلك الدول ضبابية في تمسكها بمفاهيم الحرية والعدالة داخل مجتمعاتها، وقد تخطت في سياساتها الخارجية قواعد القانون الدولي التي درج عليها العالم منذ صلح وستفاليا عام 1648 الذي فتح الطريق أمام تأسيس الدول القومية، ونظم العلاقات فيما بينها.
وفي ظل هذا الاضطراب والتداخل ظهر تيار «اليقظة wokeism» على يد الأميركيين السود الرافضين لسياسة التمييز العنصري، وتطور ليشمل نقد سياسات الهوية والعدالة الاجتماعية وحقوق النساء وليروج مسألة «الجندر» التي تنكر البيولوجيا، وكان رأي ترامب أن هذا التيار يسعى للتحلل من القيم الأخلاقية، وينشر الفوضى، ويعمل على تآكل استقرار المجتمعات وشرذمتها.
توليد بؤس
ويناصب ترامب العداء أيضا للتيارات اليسارية التي يصفها بالشيوعية التي يقول إنها تعمل على توليد البؤس والقمع في المجتمع، وهي التهمة التي يوجهها إلى خصومه الديمقراطيين في الداخل، كذلك يعبر ترامب دائما عن كرهه الشديد لتيار الإسلام الراديكالي الذي تمثله «دولة ولاية الفقيه» التي، على حد قوله، تهدد حضارة الغرب وتعمل على نشر الإرهاب في العالم.
وهكذا ظهر ترامب ليس لإدارة الفوضى فحسب، انما ليقود حملة «مقدسة» لمواجهة هذه التيارات التي تحوي من التناقض في ما بينها أكثر مما تحويه من نقاط الاتفاق، وليشرع في قيادة لعبة شطرنج جيوسياسية لا تتوافق مع النظام الدولي وإنما تعيد إنتاجه على نحو مختلف، وشرع بكسر قوانين السياسة التقليدية، ومارس الضغط على دول بهدف الحصول على منافع اقتصادية لبلاده، وفرض رسوما على منتجات دول أخرى دون التفاوض معها، وأعاد تحديد شراكات بلاده مع دول العالم، وأحكم خططه للسيطرة على مراكز القوة الاقتصادية في العالم، وحاول الاستحواذ على جزيرة غرينلاند، وهدد كولومبيا والمكسيك، ووعد بتغيير النظام في كوبا، وخلق نوعا من التوتر بين بلاده ودول أوروبا، وبخاصة مع فرنسا، ومارس «سلاطة لسان» مع رئيسها ماكرون، وفي واحدة من «»شطحاته» قفز الى فنزويلا، واختطف رئيسها نيكولاس مادورو، واقتاده إلى السجن ليحاكمه بزعم رعايته لشركة مخدرات ودعمه للإرهاب، وانتقل بعد شعوره بنشوة نجاحه الى الشرق الأوسط برفقة بنيامين نتنياهو ليغتال مرشد الجمهورية الإسلامية وقادة آخرين، ويشعل حربا لا يزال أوارها يتصاعد، رغم أن البعض وضع أمله في جولة التفاوض الأخيرةعلها تفتح الطرق الى السلام حتى لو كان سلاما هشالكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه.
ووسط كل ماجرى ويجري يشهد العالم اصرارا من الرئيس ترامب نفسه على محاولة كسرالهياكل التقليدية للنظام الدولي متيحا المجال لنظام جديد مختلف يقوم على قاعدة «القوة والصدام»، القوة لفرض ما يريده على العالم، والصدام إذا لم يتحقق ما يطمع فيه، ومن المؤكد أن نظاما جديدا كالذي يريده سيواجه اعتراضا ومقاومة من جانب الصين وروسيا، وحتى من كوريا الشمالية، وربما من قوى اقليمية في طريقها الى الصعود في هذه القارة أو تلك لكن ما سوف يكتشفه العالم لاحقا ظهور مفهوم قاصر يربط العلاقات الدولية بمركز «الدولة الأعظم»، وهو ما أراده ترامب في السابق من»اختراعه» مجلسا للسلام العالمي نصب نفسه عليه رئيسا مدى الحياة، ليكون، على ما يبدو، بديلا لمنظمة الأمم المتحدة.
وبغض النظر عن نتيجة الحرب المهددة بالاشتعال من جديد فان هذا المسار الهجين إذا ما قدر له أن ينجح فسوف يكون العالم قد دخل في حقبة أخرى مليئة بالاضطراب والفوضى، وربما بالتوحش أيضا لأن النظام العالمي لا يتحول بسلاسة، وانما بفعل ضربات جذرية ومتلاحقة، ودونالد ترامب هو بالتأكيد أحد الرجال الذين يدفعون باتجاه ذلك، وهذا ما يقوله أنصاره أيضا.
















