
يوميات الحرب في بيروت
طيور تعبر مباني مدمرة – غفران حداد
لم أحاول ان أكتب مجدداً يوميات بيروت في زمن الحرب حين تجددت وهذه المرة لم يتدخل حزب الله لأجل إسناد غزة بل لأجل إسناد طهران ، لا أرفض المقاومة ابدا ولكن رفضي بإدخال لبنان بحروب وصراعات المنطقة ،رفضي نابعٌ من رفض لبنان حكومة وشعباً ، والجميع لا يريد الحرب ولماذا أصبحت الأخيرة جزء دائم من يومياتنا ، للأسف لقد تعودنا ان تُدخلنا بعض الأطراف بحروب لا ناقة لنا فيها ولا جمل ، ونحن نعيش معاناة يومية لعل أبرزها الغلاء الفاحش الذي يتضاعف بشكل مخيف عند كل حرب يُجر إليها لبنان. كنت ولازلت أحاول أن أمثّل على الأقل أمام ابنتي الصغيرة ان الوضع
بخير ، صوت الغارات ما هو الا مفرقعات عرسٌ لزفاف عروسين في حيّنا ، ومع شدة صوت انفلاقات الصواريخ ازغرد واصفق لها لكي ترقص وتغني وتصدق ما أقول ، أما اجابتي عن سؤالها المتكرر متى أعود إلى مقاعد المدرسة، فأقول لها إنها في مرحلة بناء وترميم وسترينها بألوان جميلة حين العودة، تقتنع تارة في كلامي وتارة أخرى تشك إنني أكذب عليها. أحاول ان انفصل عن الواقع في قراءة كتاب، أو مشاهدة فيلما سينمائياًاو مسرحية يبث هنا وهناك عبر المحطات الفضائية العربية ، وابالغ في صدى قهقهاتي لكي تضحك معي طفلتي، لكن أجزم من الصعب التمثيل بشعور السعادة طويلا في بيروت ،من الصعب جدا ان تمنح من حولك شعوراً زائفا بالطمأنينة وقلبك يملأه الخوف والرعب. في ساعات العصر لنهار الأربعاء الثامن من نيسان الجاري بدأت بقراءة رواية للكاتب المغرب محمد شكري تحمل عنوان «الخبز الحافي»
ولازلت أقرأ في أول صفحة من الكتاب حين يقول في كلمته:
(صباح الخير أيها الليليون،صباح الخير أيها النهاريون،صباح الخير يا طنجة المنغرسة في زمن زئبقي، ها أنذا أعود لأجوس، كالسائر نائماً، عبر الأزقة والذكريات، عبر مَا خَطَطْتُه عن «حياتي» الماضية – الحاضرة … كلمات واستيهامات ونُدُوب لا يُلْئِمُها القَوْل .
أين عمري من هذا النسج الكلامي؟)
حتى هزت بيروت والمنطقة التي اسكنها كورنيش المزرعة أنفجارات قوية
دخان اسود
جدا قريبة من سكني ، تطاير معها زجاج النوافذ ،امتزج الهواء بدخان اسود كثيف ، ابنتي تصرخ، وانا بحالة رعب احتضنها أحاول الخروج مسرعين من الشقة ، حملت معي على عجل حقيبة حضرتها مسبقاً فيها مستمسكاتنا الرسمية ، والأدوية لأمراضي المزمنة ، وعند الخروج تقول لي ابنتي «ماما وبيلا شو ما رح ناخدها معنا» لأعود وأفتش عن قطة ابنتي وهي تختبئ خائفة تحت السرير، ابنتي معها حق فهي روح كيف نتركها وحيدة.هبطنا سلالم العمارة على عجل، لنرى النساء والأطفال يصرخون ويبكون ،الدخان الأسود كثيف في حيّنا جرّاء الغارات ، اواسي جارتي المنهارة حين علمت بوفاة أمها وشقيقها ، بدأت ابنتي تبكي وهي ترى الاطفال يبكون،لم تعد تستجيب للطاقة الإيجابية التي امثّل انني اتحلى بها في المنزل،أين نذهب لقد تهنا وضعنا في شوارع المدينة التي نسكنها منذ سنوات،لا يوجد مكانٌ آمن في بيروت أو ضواحيها.الهاتف المحمول لا يهدأ الأصدقاء والأهل وزملاء جلالة السلطة الرابعة من العراق يتصلون بي للإطمئنان، نحن أحياء حتى الآن ، إجابة تختزل من يعيش في لبنان فلا نعلم في الساعات او الايام المقبلة هل سنكون ارقاماً إضافية تُذكر على لسان وزارة الصحة في عدد الجرحى المئات والجرحى تتجاوز الألف.
تغيّرت ملامح عمران بيروت جرّاء الغارات الإسرائيلية، بعض المباني السكنية الشاهقة أصبحت ركاماً تحيط بها الجرافات و سيارات فرق
الإنقاذ والدفاع المدني والصليب الأحمر، على أمل العثور على ناجين، بعض الجدران المدمرة لهذه المباني توحي اليك انه كانت هنالك حياة فيها قبل ساعات فقط ،هنا تبدو ، خزانة الملابس صامدة ،تظهر بين الركام والحديد المتآكل جراء الغارة ،وهناك طفلة عالقة في مبنى مجاور مدمر جزئيا لحطام مباني كاملة سقطت ورجال الدفاع المدني ترفع الياتها محاولة إنقاذها ، هل يوجد مشهد إنساني حزين أكثر من ذلك!!
السيارات المدنية متفحّمة وأخرى مشتعلة وسط الأحياء والنيران تلتهمها بشهية مفتوحة … ولا صوت سوى صوت سيارات الإطفاء
والإسعاف وطيورٍ تعبر فوق مبانٍ شاهدة على غارات عنيفة يومية.
أسير مع الناس في حركة نزوح مهيبة ،ومخيفة، نزوح لم اشهده منذ عملية» طوفان الأقصى « ،نبحث عن شارع آمن نقف فيه بشكلٍ مؤقت ، تسير قربي ارملة جنوبية شابة مع أطفالها الثلاث نزحت من الجنوب نحو بيروت بحثاً عن الأمان لكن حتى في بيروت ست الدنيا وشاغلة الناس، لا يوجد فيها امان.
وقت واحد
تسألني وهي تبكي، كيف يمكن أن يكون المرء في مكانين في وقتٍ واحد؟ حين نزحت اول مرة في الشتاء كان القرميد المكسوّ بالثلج… ، ويلفنا دفء المواقد… فجأة أصبح الكثيرون من جيراننا جثامين تحت الركام…لا أعرف كيف اجيبها، نبكي.. ثم نضحك ونغني سوية اغنية عبد الحليم « وفي عز الأمان ضاع مني الأمان « تضحك بحزن وتقول لي صوتك حلو بتعرفي، فاضحك معها .
كيف لنا ان نعيش نازحون في اوطاننا، نفترش الأرض ، نتابع الأخبار عبر
المواقع الإلكترونية، على أمل انتهاء موجة الغارات التي تضرب ارجاء بيروت ، حلّ المساء عدت إلى بيتي ونشرات الأخبار لا تسُّر أحداً.
أسئلة كثيرة تتزاحم في رؤسنا ،لما هذه الحرب؟ومتى ستنتهي ؟ وكيف سنعيش ان بقينا أحياءً وسط كل هذا الخوف؟، نريد العيش بسلام، هذه أقصى أمانينا.
















