الثقافة في زمن التحوّلات – نوري جاسم

الثقافة في زمن التحوّلات – نوري جاسم

لم تعد الثقافة في زمننا الراهن ترفًا فكريًا يُمارَس على هامش الحياة، بل غدت ضرورة وجودية تمسّ صميم الإنسان، وتعيد تشكيل وعيه في مواجهة عالم متسارع التحولات. وبين النص بوصفه حاضنةً للمعنى، والواقع بما يحمله من تعقيدات وضغوط، تقف الثقافة في مفترق طرق حاسم، تتنازعها أسئلة المعنى والهوية والدور. ولقد كان النص، عبر التاريخ، مرآةً تعكس تطلعات الإنسان، وتُعيد صياغة أسئلته الكبرى حول الوجود والمعرفة والقيم. غير أن هذا النص، في زمن التحولات الرقمية والانفجارات المعرفية، لم يعد يحتفظ بالمكانة ذاتها؛ إذ بات مهددًا بالتهميش أمام سطوة الصورة وسرعة المعلومة، مما أفرز حالة من التلقي السريع الذي يفتقر إلى العمق، ويُضعف القدرة على التأمل والتحليل. وفي المقابل، يتسم الواقع المعاصر بدرجة عالية من التعقيد والتشابك، حيث تتداخل الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لتنتج مشهدًا مضطربًا يفتقر أحيانًا إلى البوصلة القيمية. وهنا، يبرز السؤال الجوهري: هل استطاعت الثقافة أن تواكب هذه التحولات، أم أنها ما زالت أسيرة قوالب تقليدية عاجزة عن فهم اللحظة الراهنة؟ إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الثقافة اليوم لا يكمن في قلة الإنتاج، بل في طبيعة هذا الإنتاج، ومدى قدرته على النفاذ إلى عمق الإنسان. فالثقافة التي تكتفي بإعادة إنتاج المألوف، أو تكرار الخطاب السائد، تفقد وظيفتها النقدية، وتتحول إلى مجرد صدى باهت لواقع مأزوم. أما الثقافة الحيّة، فهي تلك التي تمتلك جرأة السؤال، وصدق الرؤية، وقدرة التأثير. ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار للنص بوصفه أداة وعي، لا تعني العودة إلى الماضي بقدر ما تعني إعادة قراءته في ضوء الحاضر. فالنص الحقيقي ليس جامدًا، بل كائن حي يتجدد بتجدد قرّائه، ويكتسب معانيه من تفاعله مع الواقع. وكلما كان هذا التفاعل عميقًا، كانت الثقافة أكثر قدرة على الإسهام في بناء إنسان متوازن، واعٍ، وقادر على الفعل. وإن موقع الثقافة في زمن التحولات يجب أن يُعاد تعريفه بوصفها قوة فاعلة، لا مجرد انعكاس. فهي ليست تابعًا للواقع، بل شريك في صناعته. وإذا كان الواقع يفرض إيقاعه السريع، فإن الثقافة مطالبة بأن تمنحه المعنى، وأن تعيد ترتيب أولوياته وفق منظومة قيمية تضع الإنسان في مركز الاهتمام. وفي خضم هذا التحول، تبرز الحاجة إلى مشروع ثقافي عربي جديد، ينطلق من خصوصيتنا الحضارية، وينفتح في الوقت ذاته على العالم، دون ذوبان أو انغلاق. مشروع يعيد للثقافة دورها التنويري، ويجعل منها أداة لإعادة بناء الوعي الجمعي، في مواجهة التحديات المتزايدة. وختامًا، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع الثقافة أن تستعيد موقعها بين النص والواقع، لتكون جسرًا يربط بين الفكر والحياة؟ أم أنها ستظل حبيسة النخبة، بعيدة عن نبض المجتمع؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتوقف على المثقف وحده، بل هي مسؤولية مشتركة، تبدأ من الوعي، ولا تنتهي بالفعل. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم.