
ماذا لو كان شارع المتنبي في الجادرية؟ – حسن الحيدري
يعد شارع المتنبي واحدا من ابرز الرموز الثقافية في بغداد ليس فقط بوصفه سوقا للكتب بل كفضاء حي تتلاقى فيه التيارات الفكرية المتباينة من اليساريين الى المتدينين ومن القراء العابرين الى النخب الثقافية التي وجدت فيه متنفسا حرا للنقاش والجدل هو شارع لا يقاس بمساحته الجغرافية بل بما يحمله من ذاكرة وثراء انساني تراكم عبر عقود بغدادية لكن هذا الفضاء الذي كان يوما مقصد كل من يتعطش للسطور ورائحة الصفحات المطبوعة في زمن الحزن بدا يشهد تحولات ملحوظة في طبيعته الاجتماعية والثقافية حد الضرورة للاسراع من انهياره حيث لم يعد الحضور فيه مقتصرا على المهتمين بالكتاب والمعرفة بل اتسع ليشمل فئات تبحث عن التجربة الشكلية والصور اكثر من الجوهر و اصبح التصوير والتجوال السريع جزءا من المشهد احيانا على حساب العمق الثقافي الذي ميز المكان
وتتجلى هذه التحولات في امثلة صادمة مثل تحول بعض المكتبات العريقة الى محال تجارية لا تمت بصلة للثقافة في اشارة واضحة الى ضغط الواقع الاقتصادي وتغير اولويات السوق هذا التبدل لا يعكس فقط ازمة شارع بل ازمة علاقة مجتمع باكمله مع الثقافةمن هنا يبرز التساول ماذا لو كان شارع المتنبي في الجادرية او حي الجامعة
هل كانت البيئة االارقى ستوفر حماية افضل لهويته الثقافية ربما من حيث التنظيم او البنية التحتية وربما كانت ستحد من بعض المظاهر التي تفرغ المكان من مضمونه لكن في المقابل قد يفقد الشارع جزءا من روحه الشعبية التي جعلت منه فضاءا مفتوحا للجميع لا حكرا على طبقة دون اخرى كما يرى الرأى الاخر والموفور
بان القيمة الحقيقية لشارع المتنبي لا تكمن في موقعه بل في الوعي الجمعي الذي يحافظ عليه فالثقافة لا تصان بنقلها الى احياء اكثر اناقة بل بترسيخ احترامها في سلوك الافراد وبحماية فضاءاتها من التآكل التدريجي تحت ضغط الاستهلاك السريع
ان الحفاظ على هوية بغداد الثقافية لا يتطلب تغيير الجغرافيا بل اعادة الاعتبار للمعنى ان يعود الشارع مكانا للكتاب اولا وللصورة ثانيا وان تبقى القنادر خارج حدود الذاكرة التي خطها الحبر،ط لا ان تحل محلها فضلا عن الدولمة والفرارات وملاعيب الاطفال التي يمكن ان تتحول لشارع الرشيد المحاذي
في النهاية يبقى شارع المتنبي اختبارا حيا لمدى قدرتنا على التوازن بين الانفتاح والتفريط بين الهامش والحفاظ على الجذور فاما ان نحافظ عليه كرمز حي للثقافة او نتركه ينزلق بشكل مرعب نحو نمط استهلاكي يفقده روحه ويجعل من الحذاء بديلا عن الكتاب..
















