أمل الشرقي ضمير الترجمة وذاكرة الثقافة –  ياس خضير البياتي

اضاءه مهنية لا دراسة نقدية

أمل الشرقي ضمير الترجمة وذاكرة الثقافة –  ياس خضير البياتي

يعد اسم أمل الشرقي أكثر من مجرد إدخال في سجلات الصحافة والترجمة في العراق، فهو موسيقى تعزفها بغداد وذاكرة مرتبطة بالنجف، وامرأة استخدمت الكتابة كثمرة لتجوب بها العوالم.

وُلِدت في عام 1941 في عائلة تغمرها الفنون والقضاء والسياسة، حيث كان والدها، علي الشرقي، واحدًا من أبرز الشخصيات العراقية في النصف الأول من القرن العشرين.

ومنذ بداية حياتها، تحملت أمل الشرقي وزرًا ثقيلًا حولته إلى مصدر للمعرفة ينير مستقبل الآخرين.

بدأت مشوارها في عالم الصحافة والإعلام من خلال وكالة الأنباء العراقية، حيث عملت كمترجمة من عام 1963 حتى عام 1967، ثم انتقلت إلى صحيفة بغداد أوبزرفر بالإنجليزية كمديرة تحرير بين عامي 1972 و1978. وكانت بداياتها تجسد الطموح والشغف، وعكست شخصية مثابرة تسعى لبناء مكانتها في الوعي الثقافي للعراق.

في عام 1978، أسست دار ثقافة الأطفال وأدارتها حتى عام 1982، مقدمة فرصة للأجيال الجديدة لاستكشاف المعرفة والأحلام.

كان مشروعها خطوة هامة في مسار الثقافة العراقية، حيث مزجت بين الإبداع والقيادة، بين الخيال والواقع، لتشدد على أهمية الطفولة في أي حركة تنموية.

لم يكن هذا المشروع مجرد عمل، بل كان أسلوب حياة. كانت تعتبر الطفولة عنصراً جوهريًا للنهضة، والكتاب نافذة إلى العالم، لذا صممت دار الثقافة لتكون فضاءً للإبداع والأحلام، ومكتبة تسع لأفقٍ واسع.

ثقافة الطفل

تجاوزت أمل الشرقي مجرد إدارة مؤسسة، بل شكلت نظرة جديدة حول الثقافة الخاصة بالطفل، عبر مزج الأدب بالفنون والدراما لتخلق عالماً يتماشى مع براءة الصغار.

كانت تؤمن بأن الطفل العراقي، في أوقات القسوة والحروب، يحتاج إلى كلمة تنير طريقه، وقصة تمنحه الأمل، وصورة ترسم له أمل المستقبل.

وهكذا، أصبحت دار ثقافة الأطفال في عصرها ملاذًا جميلاً يتلاقى فيه حلم الطفولة مع حكمة الأدب، حيث يصبح الكتاب أداة لبناء الإنسان منذ البداية.

لم تكن مجرد موظفة عابرة في مؤسسات الدولة، بل كانت رمزًا ثقافيًا ينير كل مكان تطأه أقدامها. عضويتها في مجلس نقابة الصحفيين، وإدارتها لمجلة المرأة، ومشاركاتها في مؤتمرات دولية، كلها تعكس أن صوتها تخطى الحدود الجغرافية.

ومن خلال عملها في جريدة العرب اليوم في عمّان بين عامي 1997 و2009، استمرت في تناول موضوع العراق كأنه لم يبرح ذاكرتها.

بعد حصولها على ماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة بغداد عام 1984، قامت بتدريس الأدب الإنجليزي في الجامعة المستنصرية من 1986 حتى 1987.

وفي عام 1987، أطلقت دار نشرها الخاصة «دار الشمس»، التي تركزت على ترجمة الكتب، مما أعطى بعدًا إضافيًا لحركة الترجمة العربية، إلا أن ظروف الحصار الاقتصادي أحبطت هذا المشروع، مخلفةً ذكريات لطموحاتٍ اصطدمت بحدود الممكن.

غادرت أمل الشرقي العراق قبيل الاحتلال، واستقرت في عمّان حيث واصلت نشاطها الثقافي والإعلامي بين عامي 1997 و2009، لكن ظلت روح العراق تسكنها وكلماتها تحمل عبق بغداد وذكريات النجف. كما شغلت عضوية مجلس نقابة الصحفيين العراقيين لمدتين (1979-1982)، وترأست تحرير مجلة المرأة العراقية، وشاركت في مؤتمرات دولية متعددة، مما يدل على أن تأثيرها يفوق الحدود الجغرافية.

قامت بترجمة ثلاثة عشر كتابًا، ونشرت العديد من الدراسات والمقالات في الصحف العراقية والعربية، تاركةً إرثًا معرفيًا يثري المكتبة العربية.مما أضاف مصدرًا جديدًا للمعرفة إلى المكتبة العربية. لم تكن ترجماتها مجرد نقل حرفي، بل كانت عبر إعادة تخيل النصوص، مما منحها حياة جديدة في لغات مختلفة.

من هذا المنظور، تجاوزت أمل كونها مترجمة، فكانت جسرًا يربط بين الثقافات وذاكرة تحمي المعرفة من النسيان.

كانت مشاريعها الثقافية، سواء في دار ثقافة الأطفال أو دار الشمس، تجسيدًا لجهود حقيقية لفتح آفاق جديدة أمام القراء في العراق. أكدت من خلالها على أن الثقافة تمثل فعلًا مقاومًا، وأن الكلمات تمتلك القدرة على التحدي أمام الانعزال والطوق.

لم تقتصر على كونها كاتبة ومترجمة، بل كانت تُشكل علاقات قائمة على الثقة والمودة. حيثما عملت، تركت خلفها أثرًا عميقًا من الاحترام المتبادل، وساهمت في بناء جسور التواصل الصادق مع زملائها وقراءها.

آمنت بأن الثقافة لا تزدهر إلا بالحوار، وأن الكلمات لا تكتمل إلا إذا وجدت صدى لها في نفوس الآخرين.

دفء الشخصية

لذلك، كانت علاقاتها تحمل طابعًا إنسانيًا عميقًا، يتمازج فيه التواضع مع الاعتزاز، والاحتراف مع الدفء الشخصي.

وفي كل من دار ثقافة الأطفال ودار الشمس، وفي الإعلام الذي ساهمت فيه، كانت تشدد على أن العمل الثقافي ينبغي أن يكون جماعيًا، مع التركيز على أهمية القيم الإنسانية.

تمتلك أمل موهبة فريدة لمزج الجدية المهنية بالحنان الإنساني. حيث كانت علاقاتها تتعدى مجرد الاتصالات الوظيفية لتصبح جسورًا من الثقة والاحترام، ترتكز على النزاهة والولاء.

كانت تعاملها مع زملائها في الصحافة والمثقفين الذين قابلتهم في المؤتمرات، وطلابها في الجامعة، يستند على جعل الكلمات وسيلة للتواصل وتعزيز العلاقات، وأن يكون الحوار مساحة للاتصال بدلاً من الفرقة.

كانت تنصت أكثر مما تتحدث، مما يبعث شعوراً بالأمان الفكري والإنساني حولها، وكأنها تؤكد لهم أن الثقافة ليست مجموعة من النصوص الثابتة، بل هي حياة متشاركة، وذاكرة جماعية، ودفء إنساني شامل.

وهكذا، أصبحت علاقاتها الإنسانية تتمة لرسالتها الثقافية، ومرآة لروحها التي آمنت بأن للثقافة عمقًا لا يُكتمل إلا بوجود الآخرين.

أمل الشرقي هي امرأة حظيت بعراقها في قلبها، وفتحت الأبواب إلى العالم من خلال الكلمات والترجمات. تمثل نافذة الروح على الأدب العالمي، وتحتفظ بذاكرة الثقافة العراقية في زمن كان المثقف فيه يواجه العزلة بالأحلام، والاحتباس بالأمل.

إنها ليست مجرد سيرة ذاتية، بل قصيدة نثرية طويلة نسجتها الحياة عبر صفحات العراق، لتظل شاهدًا على قدرة المرأة العراقية على أن تكون صوتًا ذا صدى، وذاكرةً حية، ونورًا يضيء الدرب. ولتمثل الضمير الحي للترجمة وذاكرة الثقافة، واسم سيبقى محفورًا في تاريخ الإعلام والأدب العراقي، سواء بقائها في عمّان أو عودتها إلى بغداد. فهي في النهاية جزء من روح العراق وقصته المستمرة.