ما تبقّى من أمل – سعد العبيدي

ما تبقّى من أمل – سعد العبيدي

في اللحظة التي تطرق فيها القابلة المأذونة الباب، تلهث فرحًا، يفتح سلمان بعينين جامدتين.

تقول: مبارك… بنتٌ جميلة، وأمٌّ أضحت بخير. تتلبد لحظة الصمت، ثم يضيق وجهه كنافذةٍ تُغلق على عتمةٍ قديمة. يطرد بشارتها كما لو كانت خطيئة، ويتركها واقفةً بين دهشتها وانكسارها.

يدخل الغرفة، حيث تستلقي الزوجة، وتعب الولادة ما يزال عالقًا بأنفاسها، وابتسامةٌ باهتة ترتجف على شفتيها. لا يرى التعب، ولا الولادة، ولا النجاة؛ يمضي ببصره كمن يفتّش عن ولدٍ غائب.

بنت؟ يقولها كأنها تهمة.

تخفض عينيها. يتقدّم خطوةً، ثم أخرى، كأنه يُحمّلها وزر ما لم تختره: أردتُ ولدًا… بكرًا يحمل اسمي. تبتلع دموعها. يلقي إليها الاسم كما يُلقى عبء: سمّيها أنتِ. تتمتم بصوتٍ مكسور: أمل، كأنها تستدعي ما لا يريده.

تكبر أمل، حاملةً اسمًا لا يشبه عيشها. تلمع في المدرسة؛ عيناها السوداوان تلتقطان الحروف كأنها نجوم، وذهنها يسبق المعلمات بخطوة. تعود بشهادة إتمامها الابتدائية، الأولى على المدرسة، تمدّها نحوه، فلا تجد عينًا تستقبلها. فالمدرسة عنده ليست مكانًا للبنات.

يقول: اجلسي… كفى تعليمًا. تنظر إليه، لا تفهم… ستتزوجين. ترتجف: ما زلتُ صغيرة. يردّ ببرود:

لقد تجاوزتِ الثانية عشرة، وأنتِ، بحسب الشرع، جاهزة منذ ثلاث سنين. والسيد جاسم رجلٌ ثري.

تهمس، كأنها تدافع عن آخر ما تبقّى منها: لكنه متزوج… وابنته تكبرني بسنة. تهزّ رأسها بالرفض؛ كآخر ما تبقّى لها.

تلمع عيناه. تمتدّ يده إلى شعرها، تقبضه بعنف، وتجرّها إلى الأرض. تهوي العصا الخيزرانية… ضربةً، ثم أخرى، ثم تتلاحق كأنها تصبّ غضبًا أعمى لا ينتهي. ينكمش جسدها تحت الضرب، ويتقلّص العالم من حولها إلى ألمٍ خالص، لا صوت فيه إلا وقع العصا وأنفاسٍ تتقطّع. ثم يتركها على الفراش، كشيءٍ انكسر ولم يعد يعنيه.

تصعد إلى السطح، تمضي الساعات هناك صامتة، منفصلة عن البيت- عن الأم، وعن نفسها أحيانًا.

يظهر حازم، ابن الجيران؛ ظلٌّ من الماضي، طفلٌ كان يشاركها اللعب قبل أن يسرقهم الكبار من طفولتهم. يسألها: لماذا لا تذهبين إلى المدرسة؟ فتنهار الكلمات من داخلها. تبكي، تتكلم، وتفتح جروحها دفعةً واحدة.

يقترب. ويصير القرب عادةً تتكرّر، حتى في الليل والأهل نيام. تنمو بينهما علاقة لا تفهمها اللغة، تجد طريقها في الصمت والحرمان. يألف هو السطح، وهي تتشبّث به كما يتشبّث الغريق بأيّ شيء.

تتأخر عن الظهور. يقف حازم عند باب السلم، يصغي. صوت العصا. أزيزها يشقّ الهواء… ثم يرتطم بالجسد. صرخات مكتومة. وجملة تتكرّر، كأنها آخر ما تبقّى من إرادة: لا أتزوجه، مهما حصل.

يغلي الدم في عروق الفتى. يندفع لحمايتها. يراها ممزّقة الثياب، منكمشة، والضرب ما يزال ينهال عليها كالمطر الأسود. يحاول إيقافه، لكن العصا تنقلب نحوه. ضربةٌ وأخرى. يتراجع، يقبض غضبه.

يعود بقوة، يدفعه بعنف، فيسقط الرجل على حافة الطاولة الحديدية دون حراك…

صمتٌ خاطف. ينفجر كلّ شيء. ينظران إلى بعضهما، بلا كلام، يسحبانه إلى الحمّام. يصبّان عليه النفط، ويشعلان النار. ينتظران حتى تخفت. يجمعان ما تبقّى من الجسد المتفحّم في كيسٍ من قماشٍ مشمّع.

يحمله حازم إلى نهاية الشارع، إلى مكبّ النفايات، حيث تختلط الأشياء المنسيّة بما لا يُراد له أن يُذكر.

يعودان إلى السطح، يعلنان زواجهما. ترفع بصرها إلى السماء، لتقول بأعلى الصوت: يا رب  هل بقيَّ من الأمل شيء.