لماذا نهرب إلى الهويات الفرعية ؟ – منتصر صباح الحسناوي

لماذا نهرب إلى الهويات الفرعية ؟ – منتصر صباح الحسناوي

كلما اطلعتُ على كتابٍ يتناول المواطنة والهويات الفرعية، أجد نفسي مدفوعاً إلى مقاربته مع ما يجري في العراق.

أقرأ، ثم أحاول أن أعكس الفكرة على الواقع، بحثاً عن معنى يمكن أن يُستفاد منه أو خطوة يمكن أن نفهم بها أنفسنا بوضوح أكبر.

في العراق، لا تبدو المواطنة فكرة غائبة أبداً ، لكنها تبدو مرتبكة تتبع المواقف والأحداث.

موزعة في الوعي بين ما نريده أن يكون، وما نعيشه فعلاً.

الهويات الفرعية ليست طارئة على المجتمع، لكنها تتحول في لحظات كثيرة إلى بديل عن الدولة، لا إلى جزء منها.

وهنا تبدأ الأسئلة بالظهور:

هل المشكلة في تعدد الانتماءات أم في الإطار الذي يفترض أن يجمعها؟

وهل يمكن بناء مواطنة مستقرة في بيئة يشعر فيها الإنسان أن حقوقه غير مضمونة بشكل متساوٍ؟

كتاب Citizenship, Identity and Social History لعالم الاجتماع Charles Tilly. فيه محاولة لفهم، أقرب إلى تأمل هادئ، بحثًا عن مفاتيح يمكن أن تفسر هذا التداخل المعقد بين المواطنة والهوية.

في أحد المجالس، دار حديث بسيط عن معنى أن يكون الإنسان “مواطناً”.

تقدّم أحدهم بكلمة مختصرة: “حقوق”، فردّ آخر: “انتماء”.

وبين الكلمتين، مساحة غير مرئية،

هذه المساحة هي التي ناقشها تيلي، لمحاولة فهم المواطنة خارج حدود النصوص، داخل حركة المجتمع نفسها.

فالمواطنة، في هذا التصور مسار يتشكل عبر الزمن، تُصاغ ملامحه مع كل لحظة احتكاك بين الناس والسلطة.

هي نتيجة تراكم طويل من المطالبة، والتفاوض، والقدرة على تحويل الحاجة إلى حق.

تاريخ من القلق

وكل حق يبدو اليوم بديهياً، يحمل خلفه تاريخاً من القلق، والسعي، ومحاولات متكررة للوصول إليه. عند تتبع هذا المسار، يظهر أن المواطنة وُلدت محدودة، محاطة بقيود طبقية أو اجتماعية أو جغرافية.

ثم أخذت تتوسع تدريجياً، مع كل تحوّل اجتماعي، وكل ضغط شعبي، وكل لحظة أدرك فيها الناس أن ما يُمنح يمكن أن يُعاد تعريفه.

بهذا المعنى، لم تكن الحقوق هبة، وإنما حصيلة وعي يتراكم وقدرة على فرض الحضور.

داخل هذا السياق، تتشكل العلاقة بين المواطنة والهوية بطريقة دقيقة.

الإنسان يحمل انتماءات متعددة، تبدأ من دائرته الأقرب العائلة، العشيرة، القومية، الدين ، المذهب … ، وتتمدد نحو الأوسع.

وما يحدد اتجاه هذا الامتداد ليس الرغبة وحدها، وإنما طبيعة الحقوق التي يعيشها.

الحقوق هنا هي الواقع اليومي الذي يُختبر في تفاصيل الحياة.

في الأمان الذي يشعر به الفرد، في فرص العمل المتاحة، في قدرته على التعبير، في عدالة القانون حين يُطبق، وفي الكرامة التي يلمسها في تعامل مؤسسات الدولة معه.

هذه العناصر، تتكامل، تعيد تشكيل إحساس الإنسان بموقعه داخل المجتمع.

أما عندما تضيق الحقوق أو تختل، يميل الإنسان إلى البحث عن إطار أقرب يوفر له الحد الأدنى من الطمأنينة.

تتقدم حينها الهويات الضيقة بوصفها ملاذاً عملياً، يجيب عن حاجة مباشرة.

أما عند ممارسة الحقوق بعدالة، يبدأ الشعور بالانتماء بالتحول تدريجياً، ويتجه نحو فضاء أوسع، يجد فيه الفرد نفسه جزءاً من بنية أكبر لا تناقض وجوده، بقدر ما تنظمها. هذا التحول يتراكم بهدوء، مع كل تجربة إيجابية تعزز الثقة ومع كل لحظة يشعر فيها الإنسان أن الدولة ليست بعيدة عنه.

عندها، يتغير معنى الانتماء، من بحث عن حماية، إلى مشاركة في بناء.

وفي امتداد لهذه الفكرة، يلفت تيلي إلى بعد اجتماعي يتعلق بمواقع الناس داخل السلم الاقتصادي، فالهويات تتأثر بظروف العيش اليومية.

الطبقات الوسطى والبسيطة، بما تواجهه من ضغوط مباشرة وتقلبات مستمرة، تكون أكثر حساسية تجاه أي خلل في الاستقرار.

تجربتها اليومية تجعلها أقرب إلى القلق وأكثر ميلاً إلى البحث عن ضمانات سريعة، حتى لو كانت داخل أطر ضيقة.

في مثل هذه الظروف، تتقدم الهويات القريبة بوصفها مساحة أمان يمكن الوثوق بها.

في المقابل، يمنح الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي مساحة أوسع للنظر، ويقلل من الحاجة إلى الاحتماء بالدوائر الصغيرة.

حقوق مصونة

الإنسان الذي يشعر أن حقوقه مصونة، وأن مستقبله أقل عرضة للاهتزاز، يكون أكثر استعداداً للانخراط في هوية أوسع، يرى فيها امتداداً طبيعياً لحياته.

بهذا المعنى، تتحول الهوية إلى انعكاس مباشر لظروف الواقع، لا إلى خيار مجرد.

وعند اختلال معادلة العدالة أو تراجع فرص الاستقرار، يعيد المجتمع ترتيب نفسه تلقائياً داخل دوائر أكثر ضيقاً، بحثاً عن توازن مفقود.

تعدد الهويات جزء من تكوين المجتمعات، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الإطار الذي ينظم هذا التعدد.

المواطنة، عندما تترسخ، تقدم هذا الإطار كمساحة جامعة، تتيح لكل فرد أن يحتفظ بخصوصيته من دون أن يفقد علاقته بالكل.

ضمن هذا الفهم، يأخذ الصراع الاجتماعي معنى مختلفاً.

الاحتجاج والمطالبة تعبير عن حيوية المجتمع وقدرته على إعادة تعريف نفسه.

الدولة التي تستوعب هذا الحراك تتطور، وتعيد صياغة علاقتها بمواطنيها، بينما يؤدي تجاهله إلى تعميق الفجوات وتوسيع مساحات الانغلاق.

في العراق، تتجلى هذه المعادلة بوضوح.

المواطنة ما تزال مشروعاً يتكامل والانتماءات تتحرك بحسب قوة الإطار الذي يجمعها.

كلما اقتربت الدولة من تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، اتسع شعور الناس بالانتماء إليها.

وكلما ابتعدت عن ذلك، عاد الإنسان إلى دوائره الأولى، حيث يجد إجابة أسرع لحاجته.

المواطنة تجربة تُبنى يومياً، في تفاصيل العلاقة بين الدولة والمجتمع.

وهي لا تُصنع من جهة واحدة، وإنما تتشكل من تفاعل مستمر، تتقاطع فيه الإرادة السياسية مع وعي الناس.

هناك يبدأ التحول الحقيقي، حين يدرك الإنسان أنه لا يعيش داخل حدود مكان فقط، وإنما داخل معنى أوسع، يشارك في صياغته، ويمنحه من حضوره ما يجعله قابلاً للاستمرار.