كلمة في الراحل نضال الليثي .. حقاً كنتَ من كربلاء

فاتح عبدالسلام
كنت أشعر أن غيابك عن مكتبك في ذلك الشارع اللندني الصغير ، في شهر كانون الأول2014 هو بداية الرحيل .
كنت أراوغ كل يوم ذلك الشعور المخيف المحزن بإغماض عيني واستعادة ذكريات تاريخ طويل قضيناه معاً في هذه القلعة الصحفية العنيدة العصية منذ عرفتك فيها صحفياً فارساً نهاية التسعينات من القرن الماضي حتى ترجلك عن الصهوة العالية اليوم.
علمت هذه المرة أنك في منازلة شديدة الضراوة مع وعكة صحية ، كنتَ نفسك حائراً بها غيرَ مصدق ما تسمع من الأطباء الذين لم يجدوا سبباً واحداً لتلك الوعكة التي أوهنت عظمك فجأة . وبقيت معك أتابع الانتظار حتى بدأ الأطباء يحصرون احتمالاتهم في ذلك الخيار الاخير . تحدثنا في الهاتف كعادتنا لتخبرني بأن المرض الخبيث نال منك ، كان همك عظيماً ، كيف ستخبر ابنتك الوحيدة . أية مساحة من الحزن ألقيتني فيها يانضال وأنا أحاول التملص من سماع ما هو أشد بسرد قصص كثير من المرضى الذين نجوا.
كنا نتحادث معاً بالهاتف متحاشين ألم اللحظة نافرين الى حلم العودة الى الساعات الطويلة المضنية بالتعب الذي كان مثل ضوء يتلألأ في روحك مع كل يوم صحفي جديد . بعد نهوضك من جولة العلاج الأولى قلت لي :أرسل إلي ما يتيسر لديك من روايات وكتب ، أستمتع بالقراءة في حيز المستشفى الكئيب.

قلت في نفسي: طالما قرأت أفكار مئات الشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية والعامة وأنت تحاورها وتستنطقها أحياناً ، لاسيما حين كان يحشرنا الوقت في الزاوية الضيقة قبل صدور العدد بساعة وأنت تكابد اللحظة لتقنص من هنا أو هناك تصريح اللحظة الاخيرة.
طالما تحاشيتُ النظر الى كرسيك الخالي وأنا أنجز اصدار العدد كل يوم حيث كان لحظورك لمسة الحرص والتفاني في ظهور عدد جديد من الجريدة صباح كل يوم.
كنت أنتظرك لأنك مدمن المواعيد الصادقة، لعلّي انتظرتك في مكتبي وحيداً ، توقعت أن تفاجئني في أي يوم لتطوي شهور غياب وتفتح صفحة حياة. لم تكن صحبتنا ،أنا وأنت ، الأقدم زمناً بين زملائنا لكنها كانت الأطول في أروقة الصحيفة . عرفتك كما لم يعرفك أخرون سحقتهم أنانية السياسة ووهج المناصب في العقد الأخير ، كنت انساناً نزيهاً حافظت على اسمك ولم تتاجر بقلمك يوماً في زمن متقلب كنت تضيق ذرعاً بدناءة شخوصه وزيفهم.
عزيز النفس رحلت، كبير النفس ترجلت، حاملاً صولجان التضحية في باب أسرتك الصغيرة التي أحببتها بتفان، أو في رواق الصحافة التي ذابت روحك فيها.
مضحياً كنت ليس كالمضحين وأنت تحكي لي عن لحظة معاناة في جو أسرتك أو تروي لي معاناة عراقيين اتصلوا بك من أرض الأوجاع فألمح في عينيك دمعة لم تجف. برغم المنافي ،لعلك لم تتنفس غير هواء العراق .
حقاً كنتَ من كربلاء يانضال.

 

رئيس التحرير 

لندن