

رواية الفقيد العائد لأمير الموسوي
ظل متعب بعد الحرب – حميد الحريزي
(الحرب تنتهي حين يعود الجنود ، لاكنها لاتغادر ارواحهم أبدا) رص62
(الفقيد العائد) رواية قصيرة جدا للروائي الشاب أمير الموسوي ، وهي الرواية القصيرة جدا الفائزة بالمرتبة الثالثة في المسابقة الوطنية العراقية الاولى للرواية القصيرةجدا ، والتي أقيمت من قبل رابطة كتاب الرواية القصيرة جدا ، ودار رؤى للطباعة والنشرعام 2025، تقع في 50 صفحة تقريبا وتضم (5770) كلمة .
يقول المؤلف الاستاذ أمير في مقدمته للرواية :-
(( الفقيد العائد ليست رواية عن الخسارة في معناها السطحي، بل هي تأمل في مابعد الخسارة ، في تلك المنطقة الرمادية حيث لايسمى الألم حزنا، ولاتسمى النجاة خلاصا)) رص18.
تدور احداث الرواية حول قصة جندي من جنوب العراق ، أثناء اجتياح الدواعش للعديد من المحافظات العراقية وعلى وجه الخصوص اجتيحهم لمحافظة صلاح الدين ، وموجة الصراع الطائفي المقيت الذي زرعه الاحتلال وحواشيه في العراق ليكون مطحنة دموية شرسة وحشية قطفت الاف من رؤوس الشباب والشيوخ والنساء والاطفال في العراق …
شابة كردية
بطل الرواية يدعى حسن أبن مريم وشقيق فاطمة وحيدر وابن عمتة مهدي ، وحبيب نجاة الشابة القروية جارة العائلة .
بعد التحاقه بوحدته العسكرية في صلاح الدين ،مودعا اهله وقريته وحبيبته ، وهناك يتعرض هو ورفاقه الجنود الى القتل والاسر من قبل الدواعش ، فيكون هو أحد الاسرى بعد اصابة غير قاتلة ، ارى انه يحكي قصة واحداث مجزرة سبايكر الوحشية ، التي حدثت بسبب سوء القيادة العسكرية ، ووحشية القوى الظلامية الداعشية الطائفية المتطرفة .
بعد مرور فترة في الاسر تمكن (حسن) من الفرار من السجن اثر غفلة الحرس المسؤول عن السجن ،ثم يسرد بضمير المتكلم مراحل اختفائه وتشرده في مغامرة مخيفة كي لايقع في ايدي الدواعش ومسانديهم فيكون مصيره القتل المؤكد باعتباره (جنوبي شيعي رافضي)، يلجأ الى بيت أحدهم ويتعرف الى شخص دون ان يعرفه بحقيقته فيعمل له هوية مزورة باسم(بكر) وهو اسم يتلائم مع تلك المنطقة واعتقادها، يتنقل من مكان الى اخر وسط الخوف من ان يكشف امره ، يعمل في غسل السيارات ووو، ينجو اكثر من مرة من نقاط التفتيش بهويته المزورة أثناء سفره الى بغداد ، ثم يواصل السير ليصل مساء احد الايام الى قريته ليدخل الى دار اهله في مفاجأة كبيرة للام والاخ والاخت والصغير حسن عبر توصيف مؤلم تسيل فيه الدموع على ورق الرواية لمشهد حميمية لقاء الام لولدها ، والشقيقة لشقيقها الغائب ووو.(( الغياب موت مؤجل .. والموت غياب لاينتهي)) رص40.
المكان في الرواية :-
أتقن الروائي بلغة شعرية مختزلة معبرة اماكن الاحداث ، واماكن تنقلاته ، توصيف قريته ودارهم في القرية وما جاورها ، غرفته ، مكان اسره ، واماكن اختفائه في الحفر والمستنقعات ، اماكن عمله ، ثم عودته ، مما اضاف واقعية كبيرة على الاحداث وتحولاتها .
فقدان الاب:-
بواقعية مرة مؤلمة يسرد الروائي حالة الاب الذي يكبت في صدره خوفه على ولده ، وذهابه الى جبهة الموت واللاعوده ، مشجعا ، محفزا ، على الصمود وعدم الانكسار ، كما يصف حاله بعد غيابه الطويل ، وترقبه للطريق ليلا ونهار ا منتظرا عودته ، حاملا صورته دائما، ولكن الموت يداهمه والهم يطبق على انفاسه فيفارق الحياة دون ان يرى ولده …
انتظار العودة
حال الام :-
مريم الام التي لاتريد ان تقتنع ان ولدها لم يعد بعد (كل جمعه اطبخ له طبق بامية … لا احد ياكله))ر37
تغسل ملابسه كل مرة وتنشرها على حبل الغسيل انتظارا لعودته ، ترتب فراشه وسريره لعله يعود وو . المشهد المؤلم حينما لمحته قادما من باب الدار (( وقعت مريم فجأة ، كما لو أن روحا عبرت باب الدار ، نظرات الى الباب نصف المفتوح ، ثم تسمرت عيناها في وجه مالوف ولكنه متغير )) رص56.
وكذلك مشاهد عناق الشقيق والشقيقة والطفل الصغير حسن .
هذه مشاهد غاية في الالم والوجع الذي عاشته اغلب الامهات والاباء والاخوان والاخوات والزوجات والحبيبات في العراق نتيجة الحروب القذرة والوحشية التي عاشها الشعب العرقي وفي مختلف العصور والاوقات ومازالت اثارها باقية يعيشها الأيتام والأرامل والحبيبات ووو.
فقدان الحبيبة :-
(( لم تكن نجاة جميلة كما ترسم النساء في القصص، لكنها كانت تملك شيئا لايمكن شرحه . عيناها رماديتان ، لارماد فيهما، بل لون الحطام بعد ااشتعال طويل، نظرتها لم تكن حالمة ، بل مخيفة ، كانها تقرأ كل ما لم يقال ، وجهها دائري، ملامح حادة لاتعرف الطفولة ، انفها مستقيم ، وفمها صغير، لكنه يعرف كيف يبتسم ويقسو في اللحظة ذاتها.)) رص41.
بايجاز كبير يصف نجاة الفتاة التي كانت رفيقة صبى حسن ومن ثم حبيبته ، ابنت الجيران في القرية الوادعة ، حب عذري نقي طاهر صادق .
تتمة الموضوع نجاة التي اهدت صورة الامام علي عليه السلام لحبيبها عند الوداع ليكون مخلصه وحارسه عند الشدائد ، هذه الصورة التي ظلت ترافق حسن على الرغم من كل ما جرى له ومايمكن ان يجري له لو عثروا عليها عنده الدواعش … بعد طول انتظار ، ويباس شجرة الرمان التي كانوا يستظلون تحتها عند اللقاء ، خيم اليأس على الجميع ، وتحت اصرار الاهل والمعارف قبلت الزوج من الشاب المدرس ، فكان الثغر يبتسم والقلب يقطر دما والما ،تحيا جسديا مع عريسها ، وروحها هائمة مع الحبيب حسن الغائب الميئوس من عودته ، وكما قالت فاطمة شقيقة حسن (( كلنا موتى فقط نختلف في شكل القبر)) ص45.
الموت تحت ظل شجرة الرمان التي ازهرت من جديد:-
في ظل هذا الواقع المؤلم ، والمتغيرات التي حصلت في حياة حسن ، مشاهد الموت والقتل لرفاق السلاح في الجبهة ، عذابات التشرد والخوف والمعاناة ، ثم موت الاب المتكا الذي لايعوض ، فقدان الحبيبة الغالية و قصة الحب التي لاتنسى ، سلبت روح وقوى جسد حسن يوما بعد يوم ، الاحساس بالغربة والضياع والالم وفقدان الامل وكما قال في الرواية (( الذي يعود بعد الحرب لايعود هو نفسه ، بل ظله المتعب)) رص69.
فقد همدت انفاس الظل المتعب تحت ظلال شجرة الرمان ، التي ازهرت ثانية بانفاس ابن الشقيق الطفل (حسن الصغير) الذي حاول ايقاظ عمه (حسن الكبير) ولكن دون جدوى ، فقد ودع حسن الحياة وأتمن شجرة الرمان الذكريات ورسائل الحب ، وحكايات العذابات ،الاحلام الموؤدة ، وتوسد تربة الوطن ونام نومته الابدية .
الختام :-
تمكن الاستاذ امير الموسوي من كتابة رواية قصيرة جدا ملتزما بكل اشتراطات الرواية، وفي قواعد تجنيسها كرواية قصيرة جدا ، من حيث عدد الكلمات ، ومن حيث السرد الدال والمكثف ، وتعدد الشخصيات والأمكنة ، وتعدد الحوارات خفيفة الظل ، لم يحاول توصيف الموصوف كاشكال الشخصيات ومواصفاتهم الشخصية العادية المعروفة ، ولم يطنب في توصيف الأماكن ، ترك الكثير من الخيال المضمر للمتلقي في تصور حالت المقاتل ، حاله في الاسر ، وتوصيفات القتله ووحشيتهم ، مايدور داخل كل شخصية من الشخصيات ، وحسب ما تفرزه احداث الرواية على تجربة المتلقي الخاصة في الحياة ، كتجربة الحرب ، والأسر ، والفراق ، وفقدان الأب أو الأم والحبيبة ووو كل هذا الذي ربما يحتاج الى مئات الصفحات ليسرد كما في الروايات الطويلة والقصيرة .
فكانت رواية( الفقيد الغائب ) رواية قصيرة جدا ناضجة ومستوفية لكل الشروط ، نبارك له هذا الابداع راجين له المزيد من العطاء والتالق
















