سي آي إيه والأثر العراقي يكسر المبادئ – عبد الحسين شعبان

متاهة المخابرات

سي آي إيه  والأثر العراقي يكسر المبادئ – عبد الحسين شعبان

يقول ييرجي روجاك مؤلف كتاب “متاهة المخابرات”: حاول ممثلو المخابرات الأمريكية استجواب بعض مصادرنا لتأكيد صحة مصادرهم بحثًا عن الأثر العراقي الذي استحوذ على اهتمام الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش الابن، وقد زار السفير الأمريكي في براغ، كريج ستابلتون، مقر المخابرات التشيكية، وذلك اقتفاءً للأثر العراقي الذي كان قد تقرّر سلفّا لشن الحرب على العراق، وكان العنوان “جدوا كل ما يُثبت تورط العراق في التحضير لأعمال ارهابية ضدّ الولايات المتحدة”.

جملة اعتراضية

وكجملة اعتراضية أقول إنه غاب الحديث عن أسلحة الدمار الشامل، مثلما اختفى الحديث عن الديمقراطية المزعومة والرفاه المنشود، في حين كان الحصار يطحن عظام العراقيين وكرامتهم، أما النظام ورأسه فلم يكن حينذاك يهمه شيء، ولم يتأثّر بما أصاب العراقيين، حتى جاء الغزو في العام 2003 فمحق الدولة العراقية وليس النظام، وفكّك قواتها المسلحة وأجهزتها الأمنية وبعض المفاصل الحيوية فيها، وفتح الباب على مصراعيه للإرهابيين والقوى الطامعة بإبقاء العراق ضعيفًا ومفككًا.

شكوى الـ CIA

يقول المؤلف أن الأمريكيين حاولوا الاتصال من وراء ظهري ببعض العاملين في جهاز المخابرات خارج البروتوكول، فأصدرت أمرًا بمنع تسليم أية معلومات إلى المخابرات الأمريكية إلّا عبري، خشية من التضليل الإعلامي.

وقد اشتكى السفير الأمريكي إلى رئيس الوزراء التشيكي زيمان بأنني لا أتعاون معهم، وتم تكليف نائب الرئيس شبيدلا لمتابعة الموضوع معي، وقلت له ثمة قصة مختلفة تمامًا، وأن الأمريكيين يضغطون علينا لإيجاد سبب للحرب، وسألته: هل تتحمّل أنت ورئيس الوزراء مسؤولية ذلك؟ صحيح ألّا أحد يحاكم المنتصرون، ولكنني بصراحة سوف لا أوقع على ما يشير إلى تبرير ذلك.

يقول المؤلف: أجانبي نائب الرئيس لكننا في مثل هذا الوضع الدولي لا نريد أن نقف بالخلف، صحيح أننا لا ينبغي أن نختلق الذريعة للحرب، ولكن لا ينبغي أيضًا أن نعطي انطباعًا بأننا نُعيق التحقيق في أحداث ١١ سبتمبر، وختم قوله بما يلي: افعلوا كل ما في وسعكم حتى نتمكن من إثبات أننا لم نتغاضَ عن شيء ولن نترك الأمر يمرّ مرور الكرام، وضع ييرجي روجيك كل شي تحت السيطرة كما يقول، وكان يرسل محاضر الجلسات إلى نائب الرئيس شبیدلا.

تحذير ألماني

ينقل المؤلف الواقعة التالية: في تشرين الثاني / نوفمبر 2001، أنهى فورستر مدير المكتب البافاري مهماته، وأقيم له حفل وداع في قلعة بوخنفالد بحضور رئيس الحكومة البافارية إدموند ستوير، وكان ممثلون عن هنغاريا والنمسا وتشيكيا، إضافة إلى ألمانيا يحضرون الفعالية، وهناك كما يقول فاجأني رجل قصير يرتدي نظارات قدّم نفسه قائلًا “ أنا آدم “، فأشار إلى أن سفير تشيكيا أخبره أنني رجل عاقل، فابتسمتُ وانتظرتُ ما سيأتي، وإذا به يفاجئني بالقول: سمعت عن التقارير التي تقدمونها إلى الأمريكيين، أودّ القول أنكم تلعبون بالنار، الأمريكيون يبحثون عن ذريعة لغزو العراق، واذا قدمتموها لهم فستكون تلك مسؤوليتكم، وأضاف قائلاً : أقول لكم بصراحة، أمريكا تريد الحرب ونحن سننجرّ إليها، فسألته، كما يقول ييرجي روجيك: هل أنت متأكد سيد آدم فأجاب: لدينا نحن أيضًا مصادرنا، قال ذلك بابتسامة وانصرف.لم نُلبّ التوقّعات المطلوبة منّا وتوتّرت علاقتي مع مدير محطة المخابرات الأمريكية، حيث بدأ الأخير بممارسة النميمة ضدّي مع معارضين لي معروفين للبعض.

 شيك على بياض

يقول ييرجي روجيك لم تفلح محاولات منحهم شيك على بياض (بخصوص الأثر العراقي)، على الرغم من الضغوط التي تعرضنا لها، إذْ من غير المعقول قلب الموقف وتغيير الحقائق، ويُضيف: وهي محاولات لم تتوقف.وصُدم حينذاك يوم واجهه الصحفيون بأن رئيس الوزراء زيمان صرّح في واشنطن أن محمد عطا والأمين خططا في براغ لهجوم على مقر إذاعة أوروبا الحرّة؟ لكنه كخبير أمني ضليع يقول: وقد بحثت عن إجابة دبلوماسية بالقول: حسنًا لسنا متأكدين من أنهما التقيا فعليًا ومنطقيًا، ولذلك لا يمكننا أن نقول يقينًا ما الذي ناقشاه معًا.

يقول روجيك: وبعد عودة رئيس الوزراء سألته عن التصريح، فقال: يا سيادة المدير، لقد ضغطوا عليّ لأقول إن عطا والأمين نظّما في براغ الهجوم على مركز التجارة العالمي، لذلك أخبرتهم إذا كانا قد خططا لشيء معًا، فقد كان هجومًا على إذاعة أوروبا الحرّة.وبسبب ذلك ساءت العلاقات مع واشنطن، واستمرّت الاستعدادات للحرب على العراق، حيث وُجد مصدر آخر أقسم أن العراق يجهّز قنبلة قذرة (نووية مصحوبة باستخدام أسلحة كيميائية وبكتريولوجية)، ولم تنفع تنازلات صدام بقبول المفتشين الدوليين، فقد كان قرار الحرب قد اتُّخذ من قبل الأمريكيين وحلفائهم البريطانيين، وفي مارس 2003، تحرّكت الآلة الحربية، فماذا يهم، سواء أكانت المعلومات مفبركة أم كاذبة، فمن يحاكم المنتصرون؟ ومن يكترث لصدام حسين؟

الأحمق المفيد

يقول ييرجي روجيك وهو يختتم حكاية الأثر العراقي – التشيكي من منظور جهاز مخابرات أوروبي صغير وغير معروف: لقد أظهر الأمريكيون أن بإمكانهم كسر كلّ شيء بما فيه القواعد التي علّمونا إياها بأنفسهم.

 لقد كانوا يريدونا أن نلعب دور “الأحمق المفيد”، الذي ينبثق عن معلوماته صراع حربي، وعلى رأسه ينهال النقد حين يتبيّن لاحقًا أنه لا وجود لأثر عراقي في أحداث 11 سبتمبر، ويخلص إلى القول: إن الأمريكيين هم من وقع في المصيدة العراقية والأفغانية، وهو استنتاج يؤيده الواقع.

 ويضيف المؤلف إبراءً لذمّته قائلًا: أنا سعيد لأنني حافظت على نزاهتي ولم أسمح بجرّي إلى لعبة لم أكن أنا طرف فيها ولا جهاز مخابرات الجمهورية التشيكية، ولم يكن ثمة شيء نربحه، بل كنّا سنخسر بالتأكيد.

تلك هي حكاية الأثر العراقي في أحداث 11 أيلول / سبتمبر، فماذا عن الأثر الإيراني في الحرب الدائرة اليوم؟ وما موقع السلاح النووي؟ ومثلما أُريد توظيف التشيك في حرب واشنطن على بغداد، فإنه يُراد توظيف آخرين بالحرب على طهران، ليس فقط بحجة السلاح النووي، بل الزعم بتخليص الشعب الإيراني من نظام الملالي الديكتاتوري.

ربما نحن بحاجة إلى عقد من الزمن لتتّضح الحكاية.