
في وطني يموت المثقف أمَّا برصاصة؛ وأمَّا من المرض؛ وأمَّا من الحرمان؛ هذه هي الحقيقة المؤلمة التي يعرفها الجميع؛ بل العالم بأسره. في زمن النظام السابق؛ كان المثقفون الذين لا يحرقون البخور للرئيس؛ يموتون من الجوع؛ أو يغيبون في السجون؛ أو يضيعون على الأرصفة. وفي هذا الزمن صار المثقف يموت اغتيالاً لأنه يقول الحقيقة؛ أو يموت من الكمد لأنَّه بلا حول وبلا قوَّة؛ أو لأنَّ كبرياءه يدعه معزولاً في بيته المظلم. أذكر خلال الحرب مع إيران؛ كنتُ أنشر قصائدي في جريدة العراق؛ ولمَّا تحين إجازتي، كانت مكافأة القصيدة تكفيني للاستمتاع على مدى أيام الإجازة السبعة في حانات بغداد؛ في حين كان راتبي المجزي كجندي أهديه إلى أمي حتَّى أسعدها؛ ربما بسبب عطائي ذلك إلى أمي؛ منحني الله هذا المهجر الذي أعيش به مع عائلتي بعيش رغيد؛ غير أني لست سعيداً؛ ولم أشعر بالسعادة ذات يوم مع نفسي؛ أجل أنا مبتهجٌ حين أرى أبنائي يعيشون بلا قلق وبلا حرمان؛ لكني خسرت نفسي وحياتي وملذَّاتي؛ ومع ذلك لست نادماً على ذلك؛ ذلك أنَّ الحرمان الذي رأيتهُ في حياتي؛ دعاني أن أكافح بكل جنوني وصعلكتي حتى لا يراهُ أبنائي؛ لم أخبرهم عمَّا فعلته الحرب بوجودي وما أرغمني عليه الحصار؛ وكيف كنت أعيشُ مشرَّداً في شوارع بغداد؛ أهجعُ على أرصفتها العارية حين يجنُّ الليل؛ وحين يحاصرني الجوع، أقطع عشب حديقة الأمَّة لأشبع معدتي؛ أجل أكلتُ الحشيش من الجوع؛ وشربتُ قطرات عرق جبيني من الظمأ؛ لكني كنت أشعر كما لو أني مثل ملك بلا ثروة، يعيش على كبريائه وصبره وعذاباته؛ لم أركع إلى مسؤول؛ لكني كنت استدين ربع دينار من متسوِّلة في نفق الباب الشرقي؛ حتى أفطر بوجبة حساء عدس عند الصباح؛ لم أتمكَّنْ من غسل قميصي الذي تراكم عليه تراب الطرقات؛ لأني كنتُ أبقى عارياً؛ فلا أمتلك سواهُ. ولم استبدل بنطلوني على مدى سنوات الحصار؛ كنتُ أبيع البيض بالدهن في ساحة الطيران بعد منتصف الليل حتى طلوع الشمس؛ وكان كل ما أحصل عليه؛ أصرفه على خمر الظهيرة وشراء جريدة وتدخين سجائر رديئة؛ بينما كان صاحب الفندق يهددني بالطرد في كل يوم؛ كنتُ أكتب قصائدي على موائد الحانات؛ ومصاطب حدائق أبو نؤاس؛ في الباص؛ وفي المقهى؛ وعلى الرصيف؛ وحتى في المطعم الذي كنت أعمل فيه نادلاً. شغفي بالحياة جعلني أتحدَّى كل شيء؛ فأنت لا تعرف ماذا تعني الحياة؛ للجندي الذي خرج سالماً من الحرب. في جبهات الحرب خلال جلوسنا تحت الشمس لسماع محاضرة عن الهجوم المقابل؛ لا أسمع ما يقوله آمر الكتيبة؛ فلقد كنتُ منشغلاً بتجميع عشب الأدغال التي تحيط بي؛ لأبني عُشَّا إلى حمامة ربما ستضع بيضها في داخله ذات يوم؛ أو أعيد صياغة قصيدة تشتعل في رأسي؛ أبقى أردِّدها في سري؛ حتى لا أنساها؛ لأكتبها في دفتري حين أعود إلى الملجأ. نعم كنتُ أراهن أنَّ حياتي ستبقى برغم جحيم الحرب؛ ما دمت أفكر بالشعر؟ صار الألم صديقي والحرمان رفيقي والأحلام المستحيلة حبيباتي؛ والعذابات خليلاتي. عشتُ الأوجاع والضياع والصراع وعسر الحال والتشرَّد والانسحاق والابتذال والإهمال والإهانات وسحق رأسي تحت أحذية المارقين والجبناء في حديقة اتحاد الأدباء. نشف دمي؛ وجفَّ ريقي؛ وانسلخ جلدي من الجرب؛ ومشيتُ كل الدروب والأزقة والشوارع بحذاء مثقوب؛ وقميص ممزقٌ يذرف دمعاً؛ وبنطلون يكاد ينصهر كمداً من أساه؛ لكني كنتُ أواصل درب العوسج حتى وصلت إلى مهجري البعيد. لا أحب الرفاهية؛ لأنها غريبة عني؛ ولا أحب النقود لأنها أذلتني في الحصار؛ ولا أحب الجاه؛ لأن أجدادي ملوك؛ فماذا تراني سأفعل؟ حين تصلني رسالة من صديق صحفي يشكو عسر حالته المزرية؛ وأنَّ عائلته تنام في الشارع بعد أن طردوه من منزل شيَّدهُ بعرق حبر قلمه وشرف صبره وضميره؛ ماذا تراني سأقول لهُ؟ وهو الذي أخبرني ذات يوم بحكاية أراها أعظم درس للإنسان الحقيقي والشريف؛ أخبرني صديقي الصحفي قائلاً: بعد سقوط الطاغية بأيام؛ جاء المحررون الإسلاميون إلى منزلي المؤجر؛ وعرضوا عليَّ أنْ أكون مديراً لمركز شرطة؛ بصفتي كنتُ سجيناً ومضطهدا؛ قلتُ لهم لكني لم أدخل كلية الشرطة؛ قالوا يكفي أنك كنت مظلوماً في زمن النظام السابق؛ قلت لهم وماذا سأقول لو جاءوا لي بمجرم زوَّر شهادته أو ورقة عقار؟ وماذا سيكون موقفي أمامه؛ أنا مدير الشرطة الذي أجلس على الكرسي بلا وجه حق؟ صفنوا بوجهي مستغربين؛ وهزَّوا أكفهم وانصرفوا؛ يقول هذا الصحفي النبيل؛ هم صاروا من الأثرياء ومن صلب هذه الحكومة؛ وأنا طردوني من بيتي الهزيل قبل أيام؛ الذي شيَّدته من دمعي والتراب؛ بحجة أنَّ الأرض التي أسكن فيها عائدة للدولة؛ يقول ليتني أصبحتُ مدير شرطة مثلما أرادوا بعد الاحتلال؛ لما آلت حياتي إلى التشرَّد مع عائلتي الآن؛ لكن يا صديقي كيف يستريح ضميري على البهتان؟ هذا الصحفي النبيل الذي نشر أكثر من كتاب ومئات القصائد والمقالات؛ وناشد جميع الجهات الحكومية لإنقاذه من التشرَّد؛ ولم يسمع استغاثته أي منهم؛ ومازال يعيش مع عائلته في بيت مؤجر على كف عفريت؛ قطعوا الكهرباء عنهُ قبل أيام؛ لأنه لا يملك أجور تسديد الفاتورة، فما أشقى حياته وما أتعس موقفه أمام العائلة. رفقاً بالمبدعين أيتها الحكومة.
حسن النواب















