رفقاً‭ ‬بالمبدعين-حسن النواب

في‭ ‬وطني‭ ‬يموت‭ ‬المثقف‭ ‬أمَّا‭ ‬برصاصة؛‭ ‬وأمَّا‭ ‬من‭ ‬المرض؛‭ ‬وأمَّا‭ ‬من‭ ‬الحرمان؛‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الحقيقة‭ ‬المؤلمة‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬الجميع؛‭ ‬بل‭ ‬العالم‭ ‬بأسره‭. ‬في‭ ‬زمن‭ ‬النظام‭ ‬السابق؛‭ ‬كان‭ ‬المثقفون‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يحرقون‭ ‬البخور‭ ‬للرئيس؛‭ ‬يموتون‭ ‬من‭ ‬الجوع؛‭ ‬أو‭ ‬يغيبون‭ ‬في‭ ‬السجون؛‭ ‬أو‭ ‬يضيعون‭ ‬على‭ ‬الأرصفة‭.‬‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭ ‬صار‭ ‬المثقف‭ ‬يموت‭ ‬اغتيالاً‭ ‬لأنه‭ ‬يقول‭ ‬الحقيقة؛‭ ‬أو‭ ‬يموت‭ ‬من‭ ‬الكمد‭ ‬لأنَّه‭ ‬بلا‭ ‬حول‭ ‬وبلا‭ ‬قوَّة؛‭ ‬أو‭ ‬لأنَّ‭ ‬كبرياءه‭ ‬يدعه‭ ‬معزولاً‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬المظلم‭. ‬أذكر‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران؛‭ ‬كنتُ‭ ‬أنشر‭ ‬قصائدي‭ ‬في‭ ‬جريدة‭ ‬العراق؛‭ ‬ولمَّا‭ ‬تحين‭ ‬إجازتي،‭ ‬كانت‭ ‬مكافأة‭ ‬القصيدة‭ ‬تكفيني‭ ‬للاستمتاع‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أيام‭ ‬الإجازة‭ ‬السبعة‭ ‬في‭ ‬حانات‭ ‬بغداد؛‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬راتبي‭ ‬المجزي‭ ‬كجندي‭ ‬أهديه‭ ‬إلى‭ ‬أمي‭ ‬حتَّى‭ ‬أسعدها؛‭ ‬ربما‭ ‬بسبب‭ ‬عطائي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أمي؛‭ ‬منحني‭ ‬الله‭ ‬هذا‭ ‬المهجر‭ ‬الذي‭ ‬أعيش‭ ‬به‭ ‬مع‭ ‬عائلتي‭ ‬بعيش‭ ‬رغيد؛‭ ‬غير‭ ‬أني‭ ‬لست‭ ‬سعيداً؛‭ ‬ولم‭ ‬أشعر‭ ‬بالسعادة‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬مع‭ ‬نفسي؛‭ ‬أجل‭ ‬‭ ‬أنا‭ ‬مبتهجٌ‭ ‬حين‭ ‬أرى‭ ‬أبنائي‭ ‬يعيشون‭ ‬بلا‭ ‬قلق‭ ‬وبلا‭ ‬حرمان؛‭ ‬لكني‭ ‬خسرت‭ ‬نفسي‭ ‬وحياتي‭ ‬وملذَّاتي؛‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لست‭ ‬نادماً‭ ‬على‭ ‬ذلك؛‭ ‬ذلك‭ ‬أنَّ‭ ‬الحرمان‭ ‬الذي‭ ‬رأيتهُ‭ ‬في‭ ‬حياتي؛‭ ‬دعاني‭ ‬أن‭ ‬أكافح‭ ‬بكل‭ ‬جنوني‭ ‬وصعلكتي‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يراهُ‭ ‬أبنائي؛‭ ‬لم‭ ‬أخبرهم‭ ‬عمَّا‭ ‬فعلته‭ ‬الحرب‭ ‬بوجودي‭ ‬وما‭ ‬أرغمني‭ ‬عليه‭ ‬الحصار؛‭ ‬وكيف‭ ‬كنت‭ ‬أعيشُ‭ ‬مشرَّداً‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬بغداد؛‭ ‬أهجعُ‭ ‬على‭ ‬أرصفتها‭ ‬العارية‭ ‬حين‭ ‬يجنُّ‭ ‬الليل؛‭ ‬وحين‭ ‬يحاصرني‭ ‬الجوع،‭ ‬أقطع‭ ‬عشب‭ ‬حديقة‭ ‬الأمَّة‭ ‬لأشبع‭ ‬معدتي؛‭ ‬أجل‭ ‬أكلتُ‭ ‬الحشيش‭ ‬من‭ ‬الجوع؛‭ ‬وشربتُ‭ ‬قطرات‭ ‬عرق‭ ‬جبيني‭ ‬من‭ ‬الظمأ؛‭ ‬لكني‭ ‬كنت‭ ‬أشعر‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أني‭ ‬مثل‭ ‬ملك‭ ‬بلا‭ ‬ثروة،‭ ‬يعيش‭ ‬على‭ ‬كبريائه‭ ‬وصبره‭ ‬وعذاباته؛‭ ‬لم‭ ‬أركع‭ ‬إلى‭ ‬مسؤول؛‭ ‬لكني‭ ‬كنت‭ ‬استدين‭ ‬ربع‭ ‬دينار‭ ‬من‭ ‬متسوِّلة‭ ‬في‭ ‬نفق‭ ‬الباب‭ ‬الشرقي؛‭ ‬حتى‭ ‬أفطر‭ ‬بوجبة‭ ‬حساء‭ ‬عدس‭ ‬عند‭ ‬الصباح؛‭ ‬لم‭ ‬أتمكَّنْ‭ ‬من‭ ‬غسل‭ ‬قميصي‭ ‬الذي‭ ‬تراكم‭ ‬عليه‭ ‬تراب‭ ‬الطرقات؛‭ ‬لأني‭ ‬كنتُ‭ ‬أبقى‭ ‬عارياً؛‭ ‬فلا‭ ‬أمتلك‭ ‬سواهُ‭. ‬ولم‭ ‬استبدل‭ ‬بنطلوني‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬الحصار؛‭ ‬كنتُ‭ ‬أبيع‭ ‬البيض‭ ‬بالدهن‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬الطيران‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭ ‬حتى‭ ‬طلوع‭ ‬الشمس؛‭ ‬وكان‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أحصل‭ ‬عليه؛‭ ‬أصرفه‭ ‬على‭ ‬خمر‭ ‬الظهيرة‭ ‬وشراء‭ ‬جريدة‭ ‬وتدخين‭ ‬سجائر‭ ‬رديئة؛‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬صاحب‭ ‬الفندق‭ ‬يهددني‭ ‬بالطرد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬يوم؛‭ ‬كنتُ‭ ‬أكتب‭ ‬قصائدي‭ ‬على‭ ‬موائد‭ ‬الحانات؛‭ ‬ومصاطب‭ ‬حدائق‭ ‬أبو‭ ‬نؤاس؛‭ ‬في‭ ‬الباص؛‭ ‬وفي‭ ‬المقهى؛‭ ‬وعلى‭ ‬الرصيف؛‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬المطعم‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬أعمل‭ ‬فيه‭ ‬نادلاً‭. ‬شغفي‭ ‬بالحياة‭ ‬جعلني‭ ‬أتحدَّى‭ ‬كل‭ ‬شيء؛‭ ‬فأنت‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬ماذا‭ ‬تعني‭ ‬الحياة؛‭ ‬للجندي‭ ‬الذي‭ ‬خرج‭ ‬سالماً‭ ‬من‭ ‬الحرب‭. ‬في‭ ‬جبهات‭ ‬الحرب‭ ‬خلال‭ ‬جلوسنا‭ ‬تحت‭ ‬الشمس‭ ‬لسماع‭ ‬محاضرة‭ ‬عن‭ ‬الهجوم‭ ‬المقابل؛‭ ‬لا‭ ‬أسمع‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬آمر‭ ‬الكتيبة؛‭ ‬فلقد‭ ‬كنتُ‭ ‬منشغلاً‭ ‬بتجميع‭ ‬عشب‭ ‬الأدغال‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بي؛‭ ‬لأبني‭ ‬عُشَّا‭ ‬إلى‭ ‬حمامة‭ ‬ربما‭ ‬ستضع‭ ‬بيضها‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬ذات‭ ‬يوم؛‭ ‬أو‭ ‬أعيد‭ ‬صياغة‭ ‬قصيدة‭ ‬تشتعل‭ ‬في‭ ‬رأسي؛‭ ‬أبقى‭ ‬أردِّدها‭ ‬في‭ ‬سري؛‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬أنساها؛‭ ‬لأكتبها‭ ‬في‭ ‬دفتري‭ ‬حين‭ ‬أعود‭ ‬إلى‭ ‬الملجأ‭.‬‭ ‬نعم‭ ‬كنتُ‭ ‬أراهن‭ ‬أنَّ‭ ‬حياتي‭ ‬ستبقى‭ ‬برغم‭ ‬جحيم‭ ‬الحرب؛‭ ‬ما‭ ‬دمت‭ ‬أفكر‭ ‬بالشعر؟‭ ‬صار‭ ‬الألم‭ ‬صديقي‭ ‬والحرمان‭ ‬رفيقي‭ ‬والأحلام‭ ‬المستحيلة‭ ‬حبيباتي؛‭ ‬والعذابات‭ ‬خليلاتي‭. ‬عشتُ‭ ‬الأوجاع‭ ‬والضياع‭ ‬والصراع‭ ‬وعسر‭ ‬الحال‭ ‬والتشرَّد‭ ‬والانسحاق‭ ‬والابتذال‭ ‬والإهمال‭ ‬والإهانات‭ ‬وسحق‭ ‬رأسي‭ ‬تحت‭ ‬أحذية‭ ‬المارقين‭ ‬والجبناء‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬اتحاد‭ ‬الأدباء‭. ‬نشف‭ ‬دمي؛‭ ‬وجفَّ‭ ‬ريقي؛‭ ‬وانسلخ‭ ‬جلدي‭ ‬من‭ ‬الجرب؛‭ ‬ومشيتُ‭ ‬كل‭ ‬الدروب‭ ‬والأزقة‭ ‬والشوارع‭ ‬بحذاء‭ ‬مثقوب؛‭ ‬وقميص‭ ‬ممزقٌ‭ ‬يذرف‭ ‬دمعاً؛‭ ‬وبنطلون‭ ‬يكاد‭ ‬ينصهر‭ ‬كمداً‭ ‬من‭ ‬أساه؛‭ ‬لكني‭ ‬كنتُ‭ ‬أواصل‭ ‬درب‭ ‬العوسج‭ ‬حتى‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬مهجري‭ ‬البعيد‭. ‬لا‭ ‬أحب‭ ‬الرفاهية؛‭ ‬لأنها‭ ‬غريبة‭ ‬عني؛‭ ‬ولا‭ ‬أحب‭ ‬النقود‭ ‬لأنها‭ ‬أذلتني‭ ‬في‭ ‬الحصار؛‭ ‬ولا‭ ‬أحب‭ ‬الجاه؛‭ ‬لأن‭ ‬أجدادي‭ ‬ملوك؛‭ ‬فماذا‭ ‬تراني‭ ‬سأفعل؟‭ ‬حين‭ ‬تصلني‭ ‬رسالة‭ ‬من‭ ‬صديق‭ ‬صحفي‭ ‬يشكو‭ ‬عسر‭ ‬حالته‭ ‬المزرية؛‭ ‬وأنَّ‭ ‬عائلته‭ ‬تنام‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬طردوه‭ ‬من‭ ‬منزل‭ ‬شيَّدهُ‭ ‬بعرق‭ ‬حبر‭ ‬قلمه‭ ‬وشرف‭ ‬صبره‭ ‬وضميره؛‭ ‬ماذا‭ ‬تراني‭ ‬سأقول‭ ‬لهُ؟‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬أخبرني‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬بحكاية‭ ‬أراها‭ ‬أعظم‭ ‬درس‭ ‬للإنسان‭ ‬الحقيقي‭ ‬والشريف؛‭ ‬أخبرني‭ ‬صديقي‭ ‬الصحفي‭ ‬قائلاً‭: ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬الطاغية‭ ‬بأيام؛‭ ‬جاء‭ ‬المحررون‭ ‬الإسلاميون‭ ‬إلى‭ ‬منزلي‭ ‬المؤجر؛‭ ‬وعرضوا‭ ‬عليَّ‭ ‬أنْ‭ ‬أكون‭ ‬مديراً‭ ‬لمركز‭ ‬شرطة؛‭ ‬بصفتي‭ ‬كنتُ‭ ‬سجيناً‭ ‬ومضطهدا؛‭ ‬قلتُ‭ ‬لهم‭ ‬لكني‭ ‬لم‭ ‬أدخل‭ ‬كلية‭ ‬الشرطة؛‭ ‬قالوا‭ ‬يكفي‭ ‬أنك‭ ‬كنت‭ ‬مظلوماً‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬النظام‭ ‬السابق؛‭ ‬قلت‭ ‬لهم‭ ‬وماذا‭ ‬سأقول‭ ‬لو‭ ‬جاءوا‭ ‬لي‭ ‬بمجرم‭ ‬زوَّر‭ ‬شهادته‭ ‬أو‭ ‬ورقة‭ ‬عقار؟‭ ‬وماذا‭ ‬سيكون‭ ‬موقفي‭ ‬أمامه؛‭ ‬أنا‭ ‬مدير‭ ‬الشرطة‭ ‬الذي‭ ‬أجلس‭ ‬على‭ ‬الكرسي‭ ‬بلا‭ ‬وجه‭ ‬حق؟‭ ‬صفنوا‭ ‬بوجهي‭ ‬مستغربين؛‭ ‬وهزَّوا‭ ‬أكفهم‭ ‬وانصرفوا؛‭ ‬يقول‭ ‬هذا‭ ‬الصحفي‭ ‬النبيل؛‭ ‬هم‭ ‬صاروا‭ ‬من‭ ‬الأثرياء‭ ‬ومن‭ ‬صلب‭ ‬هذه‭ ‬الحكومة؛‭ ‬وأنا‭ ‬طردوني‭ ‬من‭ ‬بيتي‭ ‬الهزيل‭ ‬قبل‭ ‬أيام؛‭ ‬الذي‭ ‬شيَّدته‭ ‬من‭ ‬دمعي‭ ‬والتراب؛‭ ‬بحجة‭ ‬أنَّ‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬أسكن‭ ‬فيها‭ ‬عائدة‭ ‬للدولة؛‭ ‬يقول‭ ‬ليتني‭ ‬أصبحتُ‭ ‬مدير‭ ‬شرطة‭ ‬مثلما‭ ‬أرادوا‭ ‬بعد‭ ‬الاحتلال؛‭ ‬لما‭ ‬آلت‭ ‬حياتي‭ ‬إلى‭ ‬التشرَّد‭ ‬مع‭ ‬عائلتي‭ ‬الآن؛‭ ‬لكن‭ ‬يا‭ ‬صديقي‭ ‬كيف‭ ‬يستريح‭ ‬ضميري‭ ‬على‭ ‬البهتان؟‭ ‬هذا‭ ‬الصحفي‭ ‬النبيل‭ ‬الذي‭ ‬نشر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬ومئات‭ ‬القصائد‭ ‬والمقالات؛‭ ‬وناشد‭ ‬جميع‭ ‬الجهات‭ ‬الحكومية‭ ‬لإنقاذه‭ ‬من‭ ‬التشرَّد؛‭ ‬ولم‭ ‬يسمع‭ ‬استغاثته‭ ‬أي‭ ‬منهم؛‭ ‬ومازال‭ ‬يعيش‭ ‬مع‭ ‬عائلته‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬مؤجر‭ ‬على‭ ‬كف‭ ‬عفريت؛‭ ‬قطعوا‭ ‬الكهرباء‭ ‬عنهُ‭ ‬قبل‭ ‬أيام؛‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬أجور‭ ‬تسديد‭ ‬الفاتورة،‭ ‬فما‭ ‬أشقى‭ ‬حياته‭ ‬وما‭ ‬أتعس‭ ‬موقفه‭ ‬أمام‭ ‬العائلة‭. ‬رفقاً‭ ‬بالمبدعين‭ ‬أيتها‭ ‬الحكومة‭. ‬

حسن‭ ‬النواب