حلول للإقتصاد المتأرجح – حيدر مفتن جار اللـه

حلول للإقتصاد المتأرجح – حيدر مفتن جار اللـه

تحيط بالعراق اليوم الكثير من  التحديات الإقتصاديةٌ العميقة والخطيرة تتجلى في مظاهر واضحة من أبرزها وأهمها هو صعوبة تأمين دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين على المدى القصير والمتوسط، وذلك بسبب عدم وجود سياسة أقتصادية رصينة، فالهدر في المال العام، وإنتشار الفساد الإداري والمالي، وعدم وجود هيئات رقابية حقيقية تكافح الفساد المستشري في دوائر الدولة ومؤسساتها، وإدارات مترهلة تفتقر إلى التخطيط السليم والرؤية الاستراتيجية،  كلها أسباب تجعل من الوضع الإقتصادي العراقي قلقآ ومرتبكآ في مواجهة أي تحديات أو مشاكل، بل أصبحت تلك الأسباب عائقًا حقيقيًا أمام أي محاولة لبناء اقتصاد مستقر وقادر على مواجهة الأزمات، يضاف لهذه الأسباب سبب آخر لا يقل أهمية عما ذكرناه أعلاه وهو غياب نظام ضريبي فعّال وعادل يُعد من أبرز نقاط الضعف في البنية الاقتصادية العراقية، فالنظام الضريبي الحالي لا يحقق التوازن المطلوب، فهو لا يميز بالشكل الكافي بين الفقراء والأغنياء، ولا يسهم في الحد من الفساد أو إعادة تدوير الأموال داخل الإقتصاد الوطني. إن المطلوب في الحالة العراقية هو نظام ضريبي مدروس يخفف العبء عن الفقراء وأصحاب الدخل المحدود، وفي الوقت ذاته يفرض ضرائب أعلى على أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة والدخول المرتفعة، بما يحقق العدالة الإجتماعية ويعزز الإيرادات العامة للدولة. ولا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي حقيقي دون التأكيد على أهمية الشفافية والمساءلة. فمحاسبة الفاسدين واسترجاع الأموال المنهوبة منهم يجب أن تكون أولوية قصوى، عبر تطبيق المبدأ القانوني والأخلاقي الواضح (من أين لك هذا) وليس الإكتفاء فقط بنظام كشف الذمة المالية ، هذا النظام الشكلي الذي يسهل التحايل عليه. إن تفعيل مبدأ ( من أين لك هذا) يسهم في استعادة الكثير من الأموال المنهوبة والمكتسبة بطرق غير شرعية وفي نفس الوقت يعمل على أستعادة ثقة المواطن العراقي بدولته ، ويشكل رادعًا حقيقيًا لكل من تسول له نفسه العبث بالمال العام من جهة والتهرب الضريبي

من جهة أخرى، إن الاعتماد شبه الكامل على النفط  يعد أحد أبرز التحديات الهيكلية للاقتصاد العراقي. فالاقتصاد الريعي، بطبيعته، هشّ ومعرّض للتقلبات الخارجية وأسعار السوق والعرض والطلب. وأي أزمة أو توقف في صادرات النفط قد يؤدي إلى انهيار سريع في المنجزات الاقتصادية، مهما كانت كبيرة. لذلك فإن تنويع مصادر الدخل لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحّة لضمان الاستقرار والاستدامة. إن بناء اقتصاد متوازن يتطلب إرادة حقيقية للإصلاح، تبدأ من معالجة الخلل الإداري، مرورًا بإرساء نظام ضريبي متطور وعادل، وانتهاءً بتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد. وحدها هذه الخطوات قادرة على نقل العراق من اقتصاد ريعي هش إلى اقتصاد منتج ومستدام يخدم جميع أبنائه بعدالة وكفاءة.