تفكيك إقتصاد الحزن في هكذا قال لي – إبراهيم مصطفى الحمد

تفكيك إقتصاد الحزن في هكذا قال لي – إبراهيم مصطفى الحمد

النص:

هكذا قال لي

نص/ شلال عنوز

نلتحفُ الصمت

          في الأزقّة المُحنّطة

                      بغياهب النكوص

تائهين…

       نبيعُ البَلادة

                   في أسواق الضياع

                             لِمَن يُتاجرُ فينا

نركض…

     والموت يُسابق ظلّنا

لا نجاةَ في زمن

            تسيّده جنون الحروب

           تعاظم فيه سُعار الظلم

            نمت في أحشائه

                         سطوةُ القتل

هكذا قال لي:

 وهو يُرتّل دُعاءَ الفرج

              في غفوة المجاهيل

                   سابحاً…

                      في تجلّيات الأفق

يوميءُ…

   لمطر الصحو

           وعيناه مازالتا شاخصتين

                                في قلب الَحَيرة

يُراقب…

    نواحَ مواكب الحزن

   عَنَتَ أوجاع البائسين

  ألَمَ الفقد وسرادق المآتم

               عند حافات العتمة

                  وهَول القنوط

   فيشرئبُّ حسيرا

          عند بوّبات القهر

يرمقُ النجوم

يَعدُّ النكبات

       على قارعة الخذلان والخيانات

                            مثستغيثاً

          نادباً…

            عدل السماء

حين نقترب من نص مثل (هكذا قال لي) لشلال عنوز، لا ينبغي أن ندخل إليه بوصفه بيتًا مسكونًا بمعنى واحد، بل كخرابة دلالية تزخر بالحياة، وسنعالجه على وفق آليات التفكيك، الذي لا يسعى إلى استخراج جوهر النص، بل إلى خلخلة ما يبدو مستقرًا فيه، وإظهار التناقضات الداخلية التي تُقوّض ادعاءه بالتماسك، فنحن لا نفسّر النص، بل نُشكّك في إمكان تفسيره النهائي، وهنا تبدأ اللعبة، أو لنقل يبدأ القلق.

غياب الصوت

النص يفتتح بحقل دلالي كثيف: /نلتحف الصمت/ فالعبارة، في ظاهرها، استعارة مألوفة، لكنها عند التفكيك تنفتح على تناقض داخلي، كيف يُلتحف ما لا يُلمس؟ الصمت هنا ليس غياب الصوت، بل حضور مكثف للغياب، ونحن أمام أثر بالمعنى الديريدي، والصمت ليس عدمًا، بل بقايا كلام لم يُقَل، فهذا الالتحاف يحوّل الصمت إلى مادة، إلى قماش وجودي يُغطّي الذات، لكنه في الوقت ذاته يكشفها، مما يشير إلى أن الصمت هنا ليس سترًا، بل فضيحة مؤجلة، ثم تأتي /الأزقّة المُحنّطة/ فالأزقة التي هي فضاء للحركة، توصف بكونها محنّطة، أي ميتة ومحفوظة في آن، وهذه الثنائية (الحياة/الموت) ليست متقابلة بقدر ما هي متداخلة، فالأزقة حيّة؛ لأنها تُذكّر بالحركة، لكنها ميتة؛ لأنها فقدت وظيفتها، والتفكيك هنا يُظهر أن الحياة في النص ليست إلا شكلاً من أشكال الموت المؤجل، وأن الحركة ليست إلا دورانًا داخل قيد، وتأتي /غياهب النكوص/ لتُضيف طبقة أخرى من الانكفاء، النكوص، بوصفه رجوعًا إلى الوراء، لا يُقدَّم هنا كحركة اختيارية، بل كقدر، لكنْ هل النكوص فعلاً رجوع؟ أم هو شكل آخر من التقدّم المعكوس؟ النص لا يجيب، بل يتركنا في حالة اختلاف وترقّب، حيث المعنى مؤجل دائمًا، لا يُمسك به، بل يُلاحق كظل.

وفي قوله:/نبيع البلادة في أسواق الضياع لمن يتاجر فينا/ هذه الجملة تكاد تكون قلب النص النابض بالتناقض، فالبيع يفترض فاعلًا، لكننا هنا نبيع، وفي الوقت ذاته يُتاجر بنا، هل نحن بائعون أم بضاعة؟ إذ إن أن الهوية هنا غير مستقرة، فالذات تتحول إلى موضوع، والموضوع يتلبّس دور الذات، والسوق، بوصفه فضاءً للرأسمالية، يتحول إلى استعارة للوجود الإنساني، حيث القيمة تُقاس بمدى القابلية للاستهلاك، والبلادة نفسها تصبح سلعة، وكأن النص يقول: لم نعد نبيع عقولنا، بل نبيع غيابها.

وفي عبارة /نركض… والموت يسابق ظلّنا/ الركض عادةً محاولة للنجاة، لكن الموت هنا لا يلاحق الجسد، بل الظل، والظل أخف من الجسد، لكنه أكثر التصاقًا به، فإذا كان الموت يسابق الظل، فهذا يعني أن الموت أقرب إلينا مما نظن، أو أن ما يُلاحَق ليس الجسد بل أثره، فنحن لا نهرب من الموت، بل نهرب داخل حدوده، و/لا نجاة في زمن تسيّدَه جنون الحروب/العبارة هنا تبدو تقريرية، لكننا نسأل: ما هو الزمن هنا؟ هل هو إطار خارجي، أم أنه مُنتَج لغوي؟ إذا كان الزمن مُشخَّصًا (تسيّدته)، فهذا يعني أنه فاعل، لكن في الوقت ذاته خاضع لجنون الحروب، إذن الفاعل مفعول به، والسيد عبد، وهذه المفارقة تُقوّض فكرة السيطرة ذاتها، والنتيجة أنه/تعاظم فيه سُعار الظلم/ نمت في أحشائه سطوة القتل/ ليتركنا في متاهة، فالظلم هنا كائن حي، له سُعار، ينمو ويتكاثر، لكن السؤال التفكيكي هو هل الظلم هو الأصل، أم أنه نتيجة؟ النص لا يُحدّد، بل يترك العلاقة معلّقة، والنمو داخل أحشاء الزمن يوحي بأن الزمن نفسه حامل لهذا الشر، وكأن التاريخ ليس إلا رحمًا للعنف.

نعود هنا إلى العتبة المركزية(العنوان) /هكذا قال لي/ فمن هو هذا القائل؟ النص لا يمنحه اسمًا، بل يتركه عائمًا، وهذا الغموض ليس نقصًا، بل استراتيجية، فالقائل يمكن أن يكون آخر، أو ذاتًا منقسمة، أو حتى صوت النص نفسه، التفكيك هنا يزعزع مركز الخطاب، ولا يوجد مصدر ثابت للقول، بل سلسلة من الإحالات.

الخيار الثاني

إن الدعاء بطبيعته يفترض يقظة روحية لكنّه في/وهو يرتّل دعاء الفرَج في غفوة المجاهيل/ يحدث في غفوة، والمجاهيل في حالة غياب، فنحن أمام طقس ديني فاقد لشروطه، فهل الدعاء هنا فعل إيمان أم مجرد صدى؟ نحن نميل إلى الخيار الثاني، فالدعاء يتحول إلى أثر لغوي، بلا انتظار استجابة، لذلك يبقى/سابحًا في تجليات الأفق/ فنحن نعلم أن السباحة توحي بالحركة، لكن الأفق لا يُمسك، والتجلي في التراث الصوفي لحظة كشف، لكن النص يضعه في سياق الغفوة، لا اليقظة، إذن التجلي هنا مُفرغ من يقينه، يتحول إلى وهم جميل، أو إلى وعد لا يتحقق، لذلك فهو/يوميء لمطر الصحو/  إذ نجد أن الإيماءة فعل ناقص، لا يكتمل، فهي مفارقة؛ كون المطر عادةً قرين الغيم، لا الصحو، فنحن أمام تركيب يُقوّض نفسه، (الصحو مُمطر)، واليقظة غائمة، هذه الانزياحات ليست زخرفًا، بل تفكيكًا لمنطق اللغة، ويزداد توتر النص في عبارة/وعيناه مازالتا شاخصتين في قلب الحيرة/ فالعين تُحدّق في الحيرة، أي في اللايقين، والرؤية هنا لا تُنتج معرفة، بل تعمّق الضياع، لنصل إلى أن المعرفة في النص ليست نورًا، بل شكًا مضاعفًا، والمراقبة تفترض مسافة في /يراقب نواح مواكب الحزن/ لكن النواح جماعي، يبتلع الفرد، فهل القائل خارج الحدث أم جزء منه؟ النص يتأرجح بين الموقفين، ولا يحسم، وهذا التذبذب هو ما يمنح النص توتره، حتى نرى تراكم اللغة في/عنت أوجاع البائسين / ألم الفقد وسرادق المآتم، لكننا نسأل: هل هذا التراكم يضيف معنى، أم يفضح عجز اللغة عن القبض عليه؟ فكثافة المفردات قد تكون علامة على فائض الألم، أو على فراغ المعنى.

ويتصاعد اليأس حين يقول/عند حافات العتمة وهول القنوط/ فالنص كله يتحرك في هذه الحافات بين الحياة والموت، بين القول والصمت، بين الأمل واليأس،  نرى في هذه الحافات موقعًا لانهيار الثنائيات التي غطت مساحة واسعة من النص/فيشرئب حسيرًا عند بوابات القهر/ فالاشرئباب فعل تطلع، لكنه جاء حسيرا، بمقترنا بالهم والرهق، والبوابات توحي بإمكانية العبور، لكن القهر يحرسها، إذن التطلع محكوم بالفشل مسبقًا فـ/يرمق النجوم / يعد النكبات/ ونعلم أن النجوم عادة ما تكون رمزا للهداية، لكن العدّ هنا ليس للنجوم بل للنكبات، والسماء بدل أن تكون مصدر أمل، تتحول إلى سجل للخسارات فيتضاعف الشعور بالضياع /على قارعة الخذلان والخيانات/ فالنص يُعمّم الألم، لكنه في الوقت ذاته يفقد خصوصيته، فهل هذا تعميم مشروع، أم أنه يُفرغ التجربة من فرادتها؟ هذا سؤال مفتوح، لكن الشاعر يبقى /مستغيثًا / نادبًا عدل السماء/ والاستغاثة تفترض وجود مُغيث، لكن النص لم يثبت ذلك، فقد يكون فعل إيمان، أو فعل يأس.

 وخلاصة القول إن النص يقوم على سلسلة من الثنائيات المتداخلة: صمت/كلام، حياة/موت، ذات/آخر، أمل/يأس، لكن هذه الثنائيات لا تبقى مستقرة، بل تنقلب على نفسها باستمرار، وهذا هو جوهر التفكيك، إذْ لا مركز ثابت، ولا معنى نهائي، بل حركة لا تنتهي من الإرجاء والاختلاف.

(هكذا قال لي) ليس خطابًا عن الألم فحسب، بل هو بنية لغوية تُنتج الألم وتُقوّضه في آن، إنه نص يقول ولا يقول، يكشف ويُخفي، يبني المعنى ليهدمه، فيبدو نصا متوترا، لا يمنحنا إجابات، بل يُجبرنا على إثارة الأسئلة.