
نقطة ضوء
(ترندات) العجب العجاب؟ – محمد صاحب سلطان
قبل أيام عشت مشهد غرائبي لا يصدقه عقل راجح، أثناء تواجدي بجلسة عائلية ضمت أعمارا مختلفة ومن كلا الجنسين، ومن باب العلم بالشئ، بادرت بالحديث عن التغيرات السريعة التي يشهدها العالم في ظل أزمات متتالية، وعن حالات الإرتباك والهلع من إستمرارها، وإنعكاسها على المنطقة والعالم فضلا عن إرتداداتها الأمنية والإقتصادية والتجارية برمتها، ثم إنتظرت المشاركة منهم، معتقدا بإن الحديث سيستمر على ذات الثيمة، لأهميتها وحاجة الإنسان للمزيد من المعلومات بغية إشباع رغائبه المعرفية في الكشف عما يجري حوله، لكن فجأة إنقلب النقاش إلى مسار آخر تماما، حينما طرح أحدهم ملاحظة بما كان يتابع في هاتفه الذي لم يتركه لحظة، وهو يصرخ بصوت عال (لا، ليش يا بشيشين)!، وهنا إنبرى أغلب الحاضرين للمشاركة بتعليقات وأحاديث جانبية، مع إضافة وقائع وأحداث سابقة عن (بشيشين)، هذا الذي إقتحم مجلسنا من دون سابق إنذار!، فيما العبد لله، إنطبق عليه المثل الشعبي (مثل الأطرش بالزفة)!، لا يفقه شيئا! بما يتحدثون، وكأن الموما إليه واحد من العائلة وألم به حادث، ثم تناقلوا ما الذي قام به أمس وقبل أسبوع وما قبلها بأشهر، من خلال متابعة حثيثة يومية مستمرة ليلا ونهارا!؟.. فبقيت الحسرة، أو الفجوة المعلوماتية عنه تمور بداخلي ، مثل صدى طبول في قاع بئر عميقة، لمعرفة من هذا الذي غلبت أخباره أشهر النجوم من مجانين الشاشة الزرقاء، أولئك الباحثين عن الشهرة ولو على حساب كرامتهم، من خلال القيام بحركات، وتصرفات وأفعال يندى لها الجبين!، فيرددون الأعاجيب بتدليس فاقع، يرفع لهم إبليس قبعته!.
وهنا تلبستني الحيرة، إن أفصحت عن جهلي بما يتحدثون ، أخشى أن يرد علي بالإستغراب بتهمة الضيق الفكري والجهل المعلوماتي وقلة المعرفة بما يدور حولي، وهذا ما يتقاطع مع قناعتهم المسبقة بكوني (العارف بكل شئ)! بحكم عملي وتخصصي وبحسب وجهة نظرهم الأبوية!.. وأخيرا طفح الكيل وما عاد في القوس من منزع!، فألتفت لمن كان على يساري، وهمست بأذنه محذرا، أن لا يرفع صوته عند الإجابة، ليسعفني بما لديه عن هذا الكائن الأرضي النازل من سماء العالم الإفتراضي، إبتسم وحيرة الخجل تتلبس صوته، معقولة (جدو) لا تعرفه؟ وهو الذي يمسك التراب فيحوله إلى طين!، والعجين إلى خبز، والماء البارد إلى بخار، والزوري إلى دولفين!، بشهادة والدته التي تصرخ عليه كل لحظة من دون أن ترينا وجهه ، بعد أن تفتح بثها المباشر يوميا، هذا الحاصد على كم هائل من المتابعين بضمنهم بعض الحاضرين أمامك!، وهي تطبخ و(تسولف) بكل شئ يأتي على لسانها (صراخ، سباب ، عويل، نعاوي، شكاوي ، ردود قاسية..الخ)، وصاحبنا يأكل و(لايكات) التفاعل تنهال عليه مثل المطر، إعجابا وأستعطافا ودعما، علما إن (بشيشين) في اللهجة الدارجة،هو تصغير لإسم فرخ البط!.
هذه الحالة إنموذج مصغر ،من آلاف الذين يتشاركون مع متابعيهم في بث مباشر من داخل مطابخهم وأماكن عملهم وحتى غرف نومهم، بحثا عن شئ لا ينطبق عليه توصيف سوى الإبتذال والإسفاف، وحجتهم الترويج والإعلان بطرق جذب مقيته لزيادة المتابعات… ويبدو إن المصالح هي مدرسة الجميع وغيرها قبض ريح!.. ولو كنت تتابع شبكات التواصل (التيك توك، الأنستغرام وغيرها) لشاهدت العجب، ناس تنط وناس تشط، ناس تلبخ وناس تصبغ، ناس تبكي وناس تضحك، ناس تردح وناس تلطم، ناس تنصح وناس تتنمر!، وهلم جرا.. وهنا تذكرت قول لزميل عزيز، يتحسر فيه عما جرى من تغيير إنقلابي، في أمزجة الناس وأذواقهم وبنيان أساسهم المعرفي، وهو يفني العمر في البحث عن مصدر دقيق، ومفردة معبرة ليصوغها بجملة مفيدة وفكرة هادفة ،كي يقدمها جاهزة لقرائه ومشاهديه ومستمعيه، فلا يحصل إلا على القليل من التفاعل والتعليق والإعجاب، بينما يرى صفحات اخرى تستحوذ على مئات الآلاف من التعليقات والإعجابات، في عرض سطحي وفكرة سمجة وكلمة مبتذلة، تتحول إلى (ترند)؟، نعم صدقت يا زميلي.. إنه زمن التفاهة!.
















