
النزوح الأهواري .. أرقام وحقائق – حسين الزيادي
تعد أهوار جنوب العراق من الأنظمة البيئية الفريدة في العالم لما فريد، ولا تقتصر اهميتها على ما تمتلكه من تنوع أحيائي فريد، فهذه البقعة المهمة تحمل إرثاً انسانياً كبيراً، وهي شاهد على تجليات اولى الحضارات الإنسانية، والموطن الأول للسومريين الذين شيدوا أولى المدن في العالم بدءاً من منتصف آلف الرابع قبل الميلاد، وعلى الرغم من طبيعتها الجغرافية الصعبة، إلا أن ذلك لم يقف حائلاً دون ابداع السومريين فتحدوا البيئة وأنتجوا حضارة ما تزال آثارها شاخصة.اسهمت سياسة التهجير القسري التي اتبعها النظام السابق الى نزوح اضطراري للسكان الاصليين من مناطق سكناهم، باتجاه المدن والمراكز الحضرية المتاخمة، وتكوين أحياء ومجمعات عشوائية خارج حدود البلدية، تعكس تلوثاً بصرياً ومناظر فوضوية، والدليل على ذلك ما شهدته مناطق اهوار جنوب العراق، حيث تركت الهجرة اثارها الاجتماعية (social Influences) على نمط الحياة الاجتماعية لسكان الاهوار الذين هاجروا بمجاميع عنقودية باتجاه المدن بعد ان تم تجفيف الاهوار وفقدوا فرص عملهم، كما انها اثرت على الواقع الخدمي والتنموي للمدن التي ما عادت قادرة على اعالة هذه الاعداد الكبيرة، فضلاً عما خلفته الهجرة من مشكلات اجتماعية ناجمة عن صعوبة التكيف الاجتماعي.
حقائق صادمة
تبدو أهوار جنوب العراق أمام تحدٍّ خطير في ظلّ تفاقم أزمة الجفاف التي يصفها خبراء بأنّها الأكثر قسوة منذ عقود طويلة، إذ تراجعت مناسيب المياه في المسطّحات المائية التي تغطّي مساحات كبيرة من الاهوار ، والتي تُعَدّ مصدر حياة بيئية خصبة تكوّنت حولها تجمّعات سكنية كثيرة من قرى وقصبات مختلفة تضمّ عشرات آلاف من السكان، ومازال الجفاف وتدهور الأراضي وزيادة الملوحة في الأنهار والروافد المهمة يشكلون ضغطاً على القطاع الزراعي، حيث لا تستطيع العديد من الأسر ضمان كفايتها من سبل العيش المستدامة في المناطق الاهوارية، وتم جمع البيانات بواسطة فرق التقييم والاستجابة السريعة (RARTs) التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، المنتشرة في جميع أنحاء العراق (20 من العدادين من الإناث)، وتقوم فرق التابعة للمنظمة الدولية للهجرة بجمع البيانات من خلال المقابلات مع مصادر المعلومات الرئيسية باستخدام شبكة كبيرة وراسخة تضم أكثر من 500 من مصادر المعلومات الرئيسية الذين يشملون قادة المجتمع والمخاتير والسلطات المحلية وقوات الأمن وقد لوحظ ان مايقارب (500) أسرة ما زالت نازحة بسبب ظروف الجفاف وتتوزع اغلب الأَسر النازحة في 259 موقعاً، معظمها (76 بالمئة) مواقع حضرية، والمحافظات الأصلية لهذه الأَسر النازحة هي ذي قار(387,3) ) وميسان (912,2) وتشمل الأقضية ذات النزوح الكبير الناجم عن المناخ قلعة صالح في محافظة ميسان (574,1 أسرة) وفي محافظة ميسان، ساهمت شحة مياه الأهوار فيتدهور الظروف المعيشية ونفوق الماشية الى تصور هذه الخريطة التدفقات الخمسة عشر الأولى للنازحين من مناطقهم الأصلية إلى مناطق النزوح. الأسهم الدائرية مثل النزوح داخل الأقضية، اما محافظة البصرة فقد شهدت عام 2022 نزوح 3161 فرد.
في هذه الجولة من جمع البيانات، ارتفع عدد الأسر التي نزحت من مناطقها الأصلية بسبب تغير المناخ، حيث قام مصادر المعلومات الرئيسي بإحالة فرق التقييم والاستجابة السريعة إلى مواقع النزوح التي يتم تقييمها من قبل، ومن المتوقع أن يزداد عدد المواقع وعدد الأسر النازحة بسبب المناخ و تشكل النسبة الكبيرة من الأفراد النازحين في عام 2022 (41) إلى تدهور الظروف البيئية، مقارنة بالسنوات السابقة، وتستضيف محافظة ميسان أكبر عدد من الأَسر التي نزحت بسبب تغير المناخ ، أما أقضية محافظة ميسان التي تستضيف أعداداً كبيرة من الأ َسر النازحة، فهي قضاء العمارة الذي يستضيف 201,2 أسرة نزحت من قلعة صالح وفي محافظة ذي قار، يستضيف قضاء الشطرة 990 أسرة نازحة من مناطق الاهوار.و لقد وجدت المجتمعات التي كانت تسكن في أعماق الأهوار نفسها و على حين غرة في مواجهة مجتمعات تختلف عنها نوعا ما أو بنسبة كبيرة جدا في التوجهات و في التعامل مع مفردات الحياة بعد أن نزحت هذه المجتمعات الهورية على شكل أمواج أصطدم الجزء الأكبر منها بالقصبات و الحواضر المحاذية للأهوار.
و لأن النزوح كان عشوائيا فقد حشر المهاجرون الجدد أنفسهم في الأحياء الضيقة و الفقيرة و التي كانت تشكو أصلا من نقص فاحش في الخدمات الأساسية و لا شك فأن هؤلاء قد أثرو و تأثروا بسكان المناطق التي نزحوا إليها في مختلف الأنساق الايكولوجية و الاقتصادية و القرابية و الثقافية التي يتكون منها مجمل البناء الاجتماعي لأي مجتمع في العالم.
الاثار الاجتماعية للنزوح الاهواري
ترك جفاف الأهوار آثارا اجتماعية اهمها تفشي الفقر والبطالة، فبعد ما كانت الأهوار مصدر لرزق لإلاف الأسر المستقرة، اضطر سكان هذه المنطقة الى الهجرة باتجاه المدن العراقية بحثاً عن فرص العمل نتيجة الجفاف وعزل البيئة جغرافيا ، وعملية هجرة سكان الأهوار تنعكس سلبيا ليس على سكان الأهوار فقط بل على المدن نفسها، إذ ينتج عن هذه الهجرة ضغوط متزايدة، على إمكانيات المدن المحدودة، وتسهم في زيادة معدل نمو سكانها بشكل متسارع، ويولد ضغط الهجرة الكثير من المشاكل الاجتماعية في المدن مثل انخفاض المستوى المعاشي، البطالة، انخفاض مستوى الخدمات الصحية والتعليمية، قلة السكن، التوترات والنزاعات الاجتماعية، الإخلال بالأمن.
الاثار المناخية
ويسهم وجود وتزايد الغطاء النباتي في نشوء النظم البيئية المناخية الموضعية التي تؤثر في المناخ ايجابا، لما تشكله من دور مهم في بناء الكتلة الحيوية والكساء الخضري واتساع نطاقها وكثافتها وانشطتها في البناء الضوئي وما ينجم عنها من العمليات الحيوية المتعلقة بامتصاص غاز ثاني اوكسيد الكاربون والتبخر والنتح، فالغطاء النباتي ليس صديقاً للبيئة فحسب، بل يمثل حجر الزاوية في بنائها، والدليل على ذلك هي التأثيرات السلبية الناتجة عن تجفيف الاهوار وازالة الغابات وقطع الاشجار وانعكاسها على ارتفاع درجة الحرارة والرياح الجافة المصحوبة بهبوب العواصف الغبارية وقلة سقوط الامطار في مناطق مختلفة في العراق. فالدونم الواحد من الاشجار يمتص (140) كغم من ثاني اوكسيد الكاربون، الذي يعد المساهم الاول في ظاهرة الاحتباس الحراري، وما يقابله من انتاج للأوكسجين وبخار الماء، الى جانب امتصاص(3-5) طن/ دونم من الغبار سنويا، وتنقية الهواء وتلطيف الجو وتقليل اثر الملوثات وخفض درجة الحرارة، وينعكس بالنتيجة على راحة الانسان وصحته.
اما الجانب الاخر لجريمة تجريف بساتين النخيل فتتمثل بالضرر الحاصل على اصحاب البساتين والقضاء على المهن التي يمارسونها، فضلاً عما تخلفه عملية التجريف من تلوث بصري كبير اذ تحولت المناطق الخضراء بين ليلة وضحاها الى مناطق صحراوية تعلوها التلال وجذوع النخل.
نفوق حيوانات الجاموس
يعد الجاموس من أهم الحيوانات التي ترتبط بالبيئة المائية لاهوار جنوبي العراق ، وينحدر اغلب الجاموس في العالم من جنس (Bubalis) التابع الى العائلة البقرية (Bouidae) الذي يختلف عنها بعدد كروموسوماته وطبيعة مادتها الوراثية ، وبكونه حيوانا شبه مائي (Semieq) ذو جلد سميك ، مع انخفاض عدد الغدد العرقية لذا فهو يميل الى السباحة في الأشهر الحارة . وتلد أنثى الجاموس في سنتها الرابعة ، وبمعدل ولادتين كل ثلاث سنوات، ان من اهم اسباب النزوح الاهواري انخفاض اعداد الجاموس بسبب انخفاض معدل المياه فقد اشارت البيانات الى نفوق (4000 ) راس من الجاموس في اهوار محافظة ذي قار و (465) راس من الجاموس في اهوار محافظة ميسان و(411) في اهوار محافظة البصرة لعام 2022 وهذا بحد ذاته يشكل مشكلة تحتاج لوقفة جدية ومعالجة موضوعية.
مختص في الدراسات السكانية والتنموية
















