العنف الإسري .. ظاهرة في مساحة الجدل المتناقض – رياض عبد الكريم

العنف الإسري .. ظاهرة في مساحة الجدل المتناقض – رياض عبد الكريم

أن من بين اسباب بروز هذه الظاهرة الظروف القاسية والصعبة التي احاطت بالبلد من خلال وحشية داعش التي ارتكزت على القتل والتدمير والترويع ، مما ولد خوف ورعب كبيرين في نفوس بنية المجتمع العراقي، اضافة الى انتشار ظاهرة البطالة وعدم توفر فرص عمل للشباب وانتشار الجريمة المنظمة وشيوع عمليات الخطف والاغتيال ، كل ذلك انعكس على نفسية المواطن العراقي وسبب له ازمات نفسية مرعبة انعكست على سلوك البعض لتتحول الى عدائية وعصبية في التعامل مع الاحداث،والتسرع في الفعل ورد الفعل كان من نتيجته بروز ظاهرة العنف الاسري بتنوع اساليبه ومديات انتشاره على صعيد الساحة الاجتماعية .وتعرف ادبيات علم الاجتماع العنف الاسري بأنّه إلحاق الأذى بين أفراد الأسرة الواحدة؛ كعنف الزوج ضد زوجته، وعُنف الزوجه ضد زوجها، وعنف أحد الوالدين أو كلاهما تجاه الأولاد، أو عنف الأولاد تجاه والديهم، حيث يشمل هذا الأذى الاعتداء الجسدي، أو النفسي، أو الجنسي، والـــــــتهديد، والإهمال، أو سلب الحقوق من أصــــــحابها، و في تعريف آخر للعنف الأسري هو أيّ سلوك يُراد به إثارة الخوف، أو التسبب بالأذى دون التفريق بين الجنس، أو العمر، أو العرق، وتوليد شعور الإهانة في نفس الشريك، أو إيقاعه تحت أثر التهديد، أو الضرر العاطفي، أو الإكراه الجنسي، ومحاولة السيّطرة على الطرف الأضـــــــعف باستخدام الأطفال، ، أو أحد أفراد الأسرة كوسيّلة ضغط عاطفيّة للتّــــــحــكم بالطــــــرف المقابل.

دوافع اجتماعية

من خلال ذلك ، فأن هذه الظاهرة تكتسب اهميتها من خلال خطورتها على المجتمع ، ومن خلال ماتسببه من جرائم بحق الانسانية او انتهاك الحق الانساني وتلحق الضرر بالاسرة وبمختلف اجناسها لا لشيء سوى التهور والعدائية والروح الاجرامية التي تتحكم بمرتكبي هذا العنف . وتبرز هنا ايضا الدوافع الاجتماعية في العادات والتقاليد التي يرثها الأبناء عن الآباء والأجداد، ومن هذه المعتقدات  الاجتماعية الموروثة أنّ للرجل الحق في السيطرة على شريكة حياته،وإعطاء ربّ الأسرة قدرٍ عالٍ من الهيبة، والاعتقاد بأنّ مقدار رجولته يتمثّل في مقدار قدرته على السيطرة على عائلته بالعنف أو القوة، بينما تقل هذه الدوافع كلّما زادت نسبة الثقافة والوعي في المجتمع، إلّا أنّ بعض الأفراد لا يؤمنون بهذه التقاليد لكنّ الضغط الاجتماعي من حولهم يدفعهم إلى تعنيف عائلاتهم، كما تظهر دوافع أخرى للعنف ناتجةً عن التغيرات الاجتماعية الرئيسية التي تمرّ بها الأسرة؛ كالحمل أو إصابة أحد أفراد الأسرة بالمرض، ممّا يستدعي أحد الأفراد الذين أُهمِلوا بسبب هذه التغيرات إلى ارتكاب العنف بُغية التحكّم بالموقف وإظهار النفس، وتختلف صور الدوافع الاجتماعية المؤدية إلى العنف باختلاف مستوى الدين، أو مستوى تأثّر الأسرة بالمحيط الخارجي، وباختلاف شكل الأعمال، والتقاليد، والأعراف فتكون درجة العنف إمّا كبيرةً أو صغيرةً، بمدى انتشار صور الدوافع الاجتماعية المؤدية للعنف منها اختلاف المستويات الفكرية، والعمرية، والدينية، والاجتماعية، والثقافية بين الزوجين، وعدم استقرار الحياة الزوجية وتعدّد الزوجات، أيضاً النزاعات بين أفراد الأسرة وتدخّل أهل الزوجين في حلّها، وحدوث الطلاق أو فقدان أحد الوالدين، كما أنّ التنشئة الخاطئة لأحد الوالدين أو كلاهما وضعف الوازع الديني من صور دوافع العنف الأسري، وكـــــذلك فقدان لغة التواصل والحوار بين أفراد الأســــرة.

معالجات منقوصة

وكما اشرت في بداية المقال الى بعض الاسباب التي ادت الى بروز هذه الظاهرة الخطيرة ، الا ان المعالجات لم ترتق الى مستوى الحلول الواقعية والجدية ، وقد تأخرت هذه المعالجات كثيرا بل ولم تحتل هذه الظاهرة مساحة اهتمام المعنيين بهذا الامر وهم كثر على مستوى مؤسسات ووزارات ومنظمات مجتمع مدني ومفوضية حقوق الانسان وحتى البرلمان ، الا انه في الاونة الاخيرة أعلنت الحكومة العراقية، إقرارها قانون “العنف الأسري” الذي من شأنه حماية الشرائح الضعيفة في المجتمع، وخاصة الأطفال والنساء. وتم أرسال مشروع القانون إلى البرلمان لمناقشته وتمريره ليصبح نافذا.وفي الوقت الذي شهد القانون اعتراضات وعراقيل من بعض الكتل السياسية ، بحجج افتراضية تتعلق بالتشريعات الاسلامية ، الا ان العديد من منظمات المجتمع المدني قد رحبت وتحمست لتشريع هذا القانون ، وفي خضم هذا الجدل حول القانون تأتي احصائيات وزارة الداخلية لتؤكد وقوع حالات عنف من بينها تذكر : ، أن أكثر من 1300 قضية عنف أسري سجلتها الوزارة خلال الستة أشهر الماضية فقط، وأن الشكاوى التي سجلت في بغداد والمحافظات شملت 611 قضية عنف أسري و367 أمرًا بإلقاء القبض.

احصائات خطيرة

جلت الوزارة  3637 حالة اعتداء من الزوج على الزوجة و453 حالة اعتداء من الزوجة على الزوج و402 حالة اعتداء بين الأخوة والأخوات و183 حالة اعتداء من الآباء على الأبناء و617  حالة اعتداء من الأبناء على الآباء، فيما أسفرت نتائج قضايا العنف الأسري خلال الأشهر الست الماضية أيضًا عن 43  محكومًا و345 مفرجًا عنهم، ولا يزال 374 شخصًا متهمًا رهن التحقيق بقضايا العنف الأسري.

قد تكون أعداد حالات العنف الأسري أكبر بكثير من الإحصاءات الرسمية، بسبب التفكك المجتمعي وغياب القانون وحيازة الأسلحة غير المرخص بها بشكل واسع، وتحدث جرائم العنف في غالب الأحيان لأسباب تافهة يعززها الافتقار إلى الوعي والأمراض النفسية والسلطة الذكورية.

فقرات القانون

وليس كافيا ماورد من نصوص في فقرات القانون ، اذ ينبغي القيام بمجهودات في مختلف مفاصل التكوينات المجتمعية تبدأ

بنشر الوعي الأسري وأهمية التوافق والتفاهم بين أفراد الأسرة، والاتفاق على نهج تربوي واضح بين الوالدين، وإيجاد نوع من التوازن الممكن بين العطف والشدة، وبين الحب والحزم، أو الحب المعتدل والنظام الثابت، وبين الحرية والتوجيه، إلى جانب خلق بيئة مواتية لعلاقات تعاطف وتعاون بين الآباء والأبناء ، والتثقيف المبكر للزوجين قبل الزواج ، وأن الواجب على كلا الزوجين معرفة ما له وما عليه من حقوق وواجبات زوجية، لكيلا يدع الواجب عليه أو يطالب الآخر بما لا يجب عليه ، وتوعية المجتمع إعلاميًا لتغيير النظرة السائدة تجاه العنف ضد الأطفال التي ترى أن الأمر طبيعي، وبخاصة قبول العنف الجسدي، وان ترافق ذلك توعية المجتمع إعلاميًا حول قيمة المرأة في المجتمع وأهميتها، وأنه من غير المسموح أن تُمارس عليــــــــها أفعال جائرة من العنف بصفتها إنسانًا لها ما للرجل من حقوق، وعليها ما عــــــليه من واجبات.

 كذلك قيام المؤسسات الدينية بدورها في تكريس مفهوم التراحم والترابط الأسري، وبيان نظرة الأديان للمرأة واحترامها وتقديرها لها.

واخيرا وليس اخرا ، لابد من التوعية والتثقيف عن طريق المؤسسات التعليمية عبر المناهج الدراسية والندوات العلمية والمحاضرات الثقافية، لتوضيح الآثار السلبية من جراء انتشار ظاهرة العنف الأسري كإحدى المشكلات والأمراض الاجتماعية وآثارها على المجتمع، اضافة الى دور منظمات المجتمع المدني في التواصل المستمر في عقد المؤتمرات والندوات وورشات العمل لايضاح خطورة هذه الظاهرة وكيفية التعامل معها للحد من انتشارها والقضاء عليها ،كذلك تفعيل القوانين والاجراءات الصارمة بحق المعتدين ، وتنشيط المراكز والمؤسسات المعنية بحقوق الانسان وبالاخص لجنة حقوق الانسان في البرلمان .

{ كاتب ومتابع للشأن السياسي