السياسة الأمريكية أسيرة ميزان صوت واحد – محمد علي الحيدري

حين يعجز الكونغرس عن كبح الحرب

السياسة الأمريكية أسيرة ميزان صوت واحد – محمد علي الحيدري

لم يكن فشل مجلس النواب الأميركي في تمرير قرار تقييد صلاحيات الحرب ضد إيران حدثاً إجرائياً عابراً، بل لحظة سياسية كاشفة لعمق الأزمة البنيوية في النظام الأميركي، حيث تتحول قرارات السلم والحرب إلى رهائن توازنات حزبية ضيقة، ويُختزل الدستور، بكل ما يحمله من فلسفة ضبط السلطة، في فارق صوت واحد. في هذه اللحظة، لا يبدو السؤال: هل يملك الرئيس حق توسيع الحرب؟ بل: من تبقى له الجرأة على استعادة دور الكونغرس بوصفه شريكاً فعلياً في القرار المصيري، لا مجرد شاهد متأخر عليه.

إن سقوط القرار بفارق نائب واحد يفضح هشاشة الادعاء القائل إن المؤسسة التشريعية قادرة على فرض رقابة حقيقية على السلطة التنفيذية في زمن الأزمات. فالديمقراطيون، رغم خطابهم المرتفع عن “حرب بلا تفويض” و”تآكل الدستور”، فشلوا مرة جديدة في تحويل الاعتراض السياسي إلى أغلبية حاسمة، فيما اختار معظم الجمهوريين الاصطفاف خلف البيت الأبيض، لا دفاعاً عن نص دستوري أو مبدأ سيادي، بل انطلاقاً من حسابات الولاء الحزبي ومنطق “عدم إضعاف الرئيس في زمن المواجهة”.

المفارقة أن هذا الانقسام لا يعكس اختلافاً حقيقياً حول جوهر الحرب بقدر ما يعكس صراعاً على من يملك قرارها. فالكثير من الأصوات التي رفضت تقييد الصلاحيات لا تعارض مبدأ الحرب بحد ذاته، بل ترفض أن يُقيَّد الرئيس حين يكون من حزبها، وهي معادلة قد تنقلب بالكامل لو تبدلت مواقع السلطة. هنا تحديداً تتجلى المعضلة الأميركية المزمنة: صلاحيات الحرب ليست مسألة قانونية بحتة، بل أداة سياسية تتلون وفق هوية من يجلس في المكتب البيضاوي.

سابقة سياسية

الأخطر من نتيجة التصويت هو ما ترسخه من سابقة سياسية. فكل فشل جديد يعمّق القناعة داخل الإدارة بأن الكونغرس عاجز عن فرض خطوط حمراء، ويبعث برسالة ضمنية مفادها أن كلفة تجاوز السلطة التشريعية أقل بكثير من كلفة التراجع أمامها. وهكذا تتحول المهلة التي ينص عليها قانون صلاحيات الحرب، والمفترض أن تكون صمام أمان، إلى إجراء شكلي يمكن الالتفاف عليه طالما أن الأغلبية البرلمانية غير قادرة أو غير راغبة في المواجهة.

في البعد الأوسع، لا يمكن فصل هذا العجز عن المناخ الدولي المتوتر. فالولايات المتحدة، المنخرطة في صراع مفتوح مع إيران، تجد نفسها أمام إدارة تميل إلى توسيع هامش المناورة العسكرية، وكونغرس منقسم، ورأي عام مُرهق من الحروب لكنه عاجز عن فرض كلمته عبر ممثليه. هذا التناقض بين الإرهاق الشعبي والاندفاع التنفيذي يخلق فراغاً ديمقراطياً خطيراً، حيث تُدار الحروب باسم الأمة من دون تفويض صريح منها.

إن ما جرى ليس انتصاراً سياسياً صافياً للإدارة بقدر ما هو خسارة مؤسسية للكونغرس. فحين يفشل في حماية صلاحياته الدستورية، فإنه لا يضعف فقط موقعه أمام الرئيس الحالي، بل يورث هذا الضعف لكل من سيأتي بعده. وفي نظام بُني أصلاً على الشك في السلطة المطلقة، يصبح هذا التراخي سابقة مقلقة، تُفرغ مبدأ “الضوابط والتوازنات” من مضمونه، وتترك قرار الحرب معلقاً على مزاج السلطة التنفيذية، لا على إرادة ممثلي الشعب. هكذا، لا يبدو أن الأزمة الحقيقية تكمن في حرب محتملة أو قائمة مع إيران فحسب، بل في حرب صامتة داخل النظام الأميركي نفسه، بين نص دستوري واضح، وواقع سياسي يتآكل فيه هذا النص تصويتاً بعد تصويت، حتى يصبح الفرق بين الحرب واللا حرب… صوتاً واحداً.