الذاكرة مرآة الحياة – عبدالستار الراشدي

الذاكرة مرآة الحياة – عبدالستار الراشدي

الكتابة عن الذكريات ليست مجرد فعل سردي، بل هي ممارسة علاجية تعيد ترتيب الداخل المبعثر. حين يضع الإنسان تجاربه على الورق، فإنه يحرر نفسه من ثقلها، ويحوّل الألم إلى كلمات قابلة للفهم، والفرح إلى صور قابلة للاستعادة. الذكريات حين تُكتب تصبح مرآة للنفس، تكشف ما كان مخفياً وتمنح صاحبها فرصة للتأمل والمصالحة مع ذاته.

الكتابة هنا ليست توثيقاً جامداً، بل هي حوار داخلي، يتيح للكاتب أن يرى نفسه من الخارج، وأن يعيد صياغة الأحداث بما يمنحه معنى جديداً. كثير من علماء النفس يشيرون إلى أن تدوين التجارب يساعد على تخفيف القلق، ويمنح شعوراً بالسيطرة على الماضي، بدلاً من أن يبقى الماضي هو المسيطر.

كما أن الذكريات المكتوبة تتحول إلى جسر بين الفرد ومجتمعه، فهي ليست مجرد بوح شخصي، بل شهادة إنسانية يمكن أن يجد فيها الآخرون عزاءً أو إلهاماً. بهذا المعنى، تصبح الكتابة علاجاً مزدوجاً: للفرد الذي يكتب، وللقارئ الذي يشارك التجربة.

إنها محاولة لإعادة بناء الذات عبر الحروف، حيث يتحول الألم إلى حكمة، والندم إلى درس، والحنين إلى طاقة إبداعية. الكتابة عن الذكريات هي فن الشفاء بالكلمات، ووسيلة لاستعادة التوازن النفسي في مواجهة تقلبات الحياة.