الأنبوب العراقي السعودي .. وَهْمٌ  في زمن الأزمات – عاصم جهاد

الأنبوب العراقي السعودي .. وَهْمٌ  في زمن الأزمات – عاصم جهاد

يثار بين الحين والآخر ملف إعادة إحياء خط أنابيب النفط العراقي–السعودي، خصوصاً في أوقات الأزمات، وكأنه حلّ جاهز لتعويض الاختناقات التصديرية. غير أن العودة إلى الحقائق التاريخية والسياسية تكشف أن هذا الطرح، بصيغته المتداولة، يفتقر إلى الدقة والواقعية.

في عام 2004، أبلغت المملكة العربية السعودية العراق بشكل رسمي بمصادرة الجزء الواقع داخل أراضيها من الأنبوب، مقابل ديون مترتبة على العراق نتيجة حرب الخليج. وجاء هذا التبليغ عبر رسالة تسلمها وزير النفط العراقي آنذاك، رداً على مفاتحات عراقية سابقة بشأن الموضوع. ومنذ ذلك التاريخ، اعتُبر الملف – عملياً – منتهياً من الجانب السعودي، وهذا ماأكده لي شخصياً السيد ثامر الغضبان وزير النفط السابق .

لاحقاً، لم تُبدِ السعودية أي اهتمام بإعادة طرح الموضوع، سواء عندما أثير من قبل جهات حكومية عراقية أو غيرها خلال السنوات الماضية، وهو موقف يمكن فهمه في إطار:

سيادتها على أراضيها ومنشآتها

سياساتها في إدارة أمن الطاقة

خططها الاستراتيجية البديلة التي لا تعتمد على هذا المسار  بمعنى أوضح، فإن المملكة العربية السعودية تنظر إلى الأنبوب باعتباره جزءاً من قرار سيادي ومصلحة وطنية، وليس مشروعاً مشتركاً قابلاً لإعادة التفاوض تلقائياً بناءً على رغبة طرف واحد.

احياء انبوب

من هنا، فإن الحديث عن “إحياء الأنبوب” في ظل المعطيات الحالية يبدو أقرب إلى طرح إعلامي ليس الا .. لانه لاينسجم مع طبيعة الواقع او الظرف ، وقد يكون في أطار قراءة جزئية للواقع السياسي والفني ،بل قد يصل إلى مستوى “إضاعة الوقت” إذا لم يستند إلى أسس تفاوضية حقيقية على الواقع .إذ إن أي مشروع من هذا النوع لا يمكن أن يقوم إلا على:

اتفاق واضح بين الطرفين

احترام متبادل للمواقف والسياسات

توازن في المصالح والكلف والعوائد

فضلاً عن ذلك، فإن الأنبوب نفسه يعود إنشاؤه إلى ما يقارب خمسة عقود، ما يجعله – من الناحية الفنية – خارج إطار الجدوى التشغيلية الحالية دون إعادة تأهيل شاملة، إن لم نقل إنشاء منظومة جديدة بالكامل وفق معايير وتقنيات حديثة.

والأهم من ذلك، أن التوجه العقلاني – في حال وجود رغبة مشتركة مستقبلاً – لا ينبغي أن ينحصر في إحياء مشروع قديم، بل في التفكير بمشروع جديد بالكامل

يقوم على أسس حديثة، ويراعي المتغيـــــرات في قطاع الطاقة والتقنيات الحديثة والجدوى الاقتصادية ، ويخدم المصالح المشتركة للبلدين بعيداً عن إرث الماضي وتعقيداته.

أما ما يُثار مؤخراً عن وجود اتصالات بين العراق والسعودية لإحياء الأنبوب، فهو – بحسب ما يتوفر من معطيات – يفتقر إلى الدقة والموضوعية، سواء من حيث التوقيت أو من حيث طبيعة الطرح، الذي يبدو إعلامياً أكثر منه واقعياً.

الأنبوب ليس مشروعاً فنياً معطلاً بانتظار التشغيل، بل ملف مُغلق  من قبل المملكة العربية السعودية منذ عام 2004.

وأي حديث عن إحيائه دون معطيات جديدة أو تفاهمات حقيقية، يبقى في إطار التمنيات والاثارة الإعلامية لا أكثر !

ومن هنا، فإن إثارة هذا الملف في توقيت الأزمات – بقصد إظهار اهتمام حكومي بتنويع المنافذ التصديرية – قد تأتي بنتائج عكسية، إذ تعطي انطباعاً بوجود حلول سريعة غير واقعية. فحتى في حال افتراض الاتفاق على إعادة التأهيل، فإن:

الأعمال الفنية ستتطلب أشهراً، إن لم تكن سنوات

الكلف الاستثمارية ستكون مرتفعة

الإجراءات التعاقدية والسياسية معقدة

وبالتالي، فإن خط الانبوب العراقي السعودي ليس حلاً عملياً أو آنياً للتعامل مع أزمات التصدير خلال فترات الحرب أو التوترات الإقليمية.

الأكثر من ذلك، أن السعودية نفسها تواجه تحديات مرتبطة بإمدادات الطاقة في ظل أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز، ما يدفعها إلى تطوير بدائلها الخاصة، ومنها مشاريع لزيادة طاقتها التصديرية عبر البحر الأحمر، والتي تُقدّر بنحو 5  إلى 7 ملايين برميل يومياً، لسد أي فجوة محتملة في الصادرات.

هذا يعني أن أولويات الرياض تتركز على تعزيز أمنها التصديري الذاتي، وليس إعادة إحياء خطوط قديمة لا تدخل ضمن استراتيجيتها الحالية.

أن ملف المنافذ التصديرية وتعددها وتنوعها لم يكن يوماً غائباً عن الطرح، لكنه – في الواقع – ظلّ حاضراً بشكل موسمي، يظهر مع كل أزمة ثم يخبو بانتهائها. وفي كثير من الأحيان، كانت هذه الطروحات سياسية أكثر منها فنية، تتأثر بطبيعة العلاقة مع هذا الطرف أو ذاك، أكثر مما تستند إلى دراسات استراتيجية راسخة.

وقد انعكس ذلك سلباً على مسار العديد من المشاريع، حيث -تعطّل بعضها – تأجل البعض الآخر – أُلغي ما تبقى منها – بفعل التدخلات والصراعات السياسية الداخلية، فضلاً عن تقلبات العلاقات مع دول الجوار. بل إن التصريحات ذات الطابع السياسي في الشأن النفطي بلغت في بعض المراحل حداً لا يُطاق، وأسهمت بشكل مباشر في إرباك بيئة الاستثمار وتعطيل قرارات مهمة.

وما يدعو للأسف، أن هذه الاضطرابات أدت إلى:

الغاء وتأجيل مشاريع استراتيجية كان يمكن أن تشكل تحولات نوعية في قطاع الطاقة

ضياع فرص استثمارية كبيرة كان بالإمكان استثمارها في الوقت المناسب .

الغاء أو تأجيل مشاريع لمنافذ تصديرية جديدة كان يمكن لها ان تعزز من انسيابية تدفق النفط الخام الى الأسواق العالمية .

تفكير استراتيجي

إن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في نقص الإمكانيات، بل في غياب التفكير الاستراتيجي لدى صانع القرار السياسي، الذي لم يُدرك – بالقدر الكافي – أن:

أمن الطاقة ليس خياراً، بل ضرورة حيوية لاستقرار العراق ومستقبله .

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تبني سياسة تكامل اقتصادي حقيقي مع دول الجوار، تقوم على المصالح المشتركة، لا على ردود الأفعال أو التصريحات غير المدروسة، التي غالباً ما تفتقر إلى الواقعية وتنعكس سلباً على فرص التعاون والتنفيذ.

لقد كشفت أزمة الحرب الأخيرة عن حجم كبير من الخلل في إدارة قطاع النفط والطاقة، سواء من حيث إدارة الأزمات أو استثمار الفرص، حيث برز هدر واضح في الإيرادات والفرص الاستثمارية نتيجة تفاوت الكفاءات، وغياب التخطيط الاستراتيجي منذ عام 2003، إلى جانب خضوع المشاريع للتقلبات والتدخلات والمحاصصة السياسية.

واليوم، لم يعد بالإمكان الاستمرار بهذا النهج، في ظل تحديات متزايدة لا تحتمل المزيد من الخسائر أو استنزاف الثروة الوطنية. الأمر الذي يتطلب إبعاد التدخلات السياسية عن قطاع النفط والطاقة، ودعم الكفاءات الوطنية المهنية المستقلة، وإنهاء ممارسات المحاصصة، والعمل على بناء بيئة استثمارية مستقرة تعزز ثقة المستثمرين.

وأخيراً نقول إن بناء قطاع طاقة قوي لا يتحقق بالتصريحات، بل برؤية واضحة، وإدارة مهنية، وقرار مستقل يُدرك أن هذه الثروة هي ركيزة استقرار العراق ومستقبله .