الأدباء يستذّكرون عزيز السيد جاسم بيوم المغيّب العراقي

الأدباء يستذّكرون عزيز السيد جاسم بيوم المغيّب العراقي

صوت نبّه مبكّراً إلى خطورة الجمود الفكري

بغداد – الزمان

بمناسبة يوم المغيب العراقي، واستذكار الذكرى الخامسة والثلاثين لرحيل المفكر عزيز السيد جاسم، أقام الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق،  الأربعاء  الماضي جلسة ثقافية استذكارية بحضور نخبة من النقاد والباحثين والأدباء، استهلت بقراءة سورة الفاتحة ترحما على روحه. في افتتاح الجلسة، أشار مديرها الشاعر منذر عبد الحر إلى أن (غياب عزيز السيد جاسم شكل خسارة كبيرة للفكر العراقي، إذ اختفى وهو في ذروة عطائه ونضجه المعرفي)، مؤكدا أنه (كان من الأصوات التي نبهت مبكرا إلى خطورة الجمود الفكري وتحنيط النظريات، وهو ما أثبتته تحولات كبرى شهدها العالم، ومنها انهيار الاتحاد السوفيتي). وأضاف أن( استذكار هذه القامة الفكرية يعيد إلى الواجهة جرحا مفتوحا في الذاكرة العراقية، ما زالت آثاره حاضرة حتى اليوم).

من جانبه، أكد نائب الأمين العام للاتحاد الناقد علي الفواز، في كلمة الاتحاد، أن (تجربة عزيز السيد جاسم تمثل نموذجا للمثقف المنحاز إلى الحرية)، مشيرا إلى أن (الثقافة العراقية كانت وما تزال في مواجهة مباشرة مع الاستبداد والعنف). وأضاف أن( السيد جاسم جمع بين الفكر والأدب والسياسة، وكان جزءا فاعلا من التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها العراق منذ ستينيات القرن الماضي حتى لحظة تغييبِه).

وتضمن البرنامج قراءة نقدية قدمها علي السيد جاسم لكتاب (الخبء والكلمات)الصادر عن منشورات الاتحاد، والذي يوثق مجموعة من حوارات المفكر الراحل، ويكشف عن عمق اشتغاله النقدي، وقدرته على تفكيك البنى الفكرية السائدة، وإثارة الأسئلة المتعلقة بعلاقة المثقف بالسلطة وحدود الحرية وإمكانات التغيير في المجتمعات العربية. كما قدم رئيس الجمعية النفسية العراقية قاسم حسين صالح مداخلة تناول فيها العلاقة الإشكالية بين المفكر والسلطة، موضحا أن (تجربة السيد جاسم تمثل نموذجا لهذه العلاقة المتوترة، حيث يدفع المثقف ثمن مواقفه النقدية، سواء في الأنظمة الديكتاتورية أو حتى في البيئات الديمقراطية). واستعاد جانبا من علاقته الشخصية به منذ سنوات الدراسة الأولى.

*بدوره، أشار الناقد علي متعب إلى أن( السيد جاسم لم يتعامل مع الرسالة الثقافية بوصفها إطارا ضيقا، بل بوصفها فضاء مفتوحا للحوار والتفكير، يسعى إلى مساءلة البنى المعرفية وإعادة النظر في مسلماتها).

نصوص شعرية

 كما شهدت الجلسة مداخلة للشاعر حيدر عبد الخضر، الذي استحضر أثر التجربة في وعي الأجيال، قبل أن يختتم قراءته بنصوص شعرية، فيما تحدث الفنان عزيز مزعل الركابي عن علاقته بالراحل، كونه أحد تلاميذه، مشيرا إلى (إنجازه تمثالا نصفيا له تخليدا لذكراه).

وفي مداخلته ضمن الجلسة، قدم الناقد حمدي العطار قراءة نقدية بعنوان (عزيز السيد جاسم روائيا: تحولات الكتابة من الواقعية القرارية إلى الرواية النفسية والاستقصائية)، تناول فيها المسار السردي للمفكر الراحل، بوصفه روائيا سعى إلى التعبير عن قلق المرحلة العراقية عبر الفن). أوضح أن (الرواية عند عزيز السيد جاسم لم تكن  جنس أدبي فحسب، بل شكلت قناعا فكريا مكنه من تمرير رؤاه السياسية والفكرية في ظل ظروف لم تكن تسمح بالتصريح المباشر، فجاءت شخصياته امتدادا لصوته الداخلي، تعبر عما لا يُقال وتكشف المسكوت عنه.

وتوقف عند إشكالية تصنيف أعماله الروائية، إذ يرى بعض النقاد أنها تشكل ثلاثية تضم روايات (المناضل) و(الزهر الشقي) و(المفتون)، غير أن القراءة الدقيقة تكشف استقلال هذه الأعمال من حيث البناء والشخصيات، ما ينفي عنها صفة الثلاثية بالمعنى الفني)، ويشير إلى مشروع روائي لم يكتمل بفعل الظروف السياسية.

كما بين أن تجربة عزيز السردية شهدت تحولات واضحة إذ بدأت برواية سياسية مباشرة تميل إلى الخطاب الأيديولوجي، ثم تطورت نحو السرد الاستقصائي والتأويلي، لتبلغ ذروتها في الرواية النفسية التي تغوص في أعماق الشخصيات وتحلل أزماتها الوجودية. وعلى مستوى الشخصيات أشار إلى انتقالها من الطابع الجمعي المرتبط بالنضال السياسي إلى الفردي القائم على القلق النفسي، ما يعكس تحول الرؤية من العام إلى الخاص، ومن الأيديولوجيا إلى الإنسان. كما تميزت هذه الروايات بقدرتها على التقاط التفاصيل الواقعية الدقيقة، وتجسيد ثيمات الحرمان والكبت وتأثيرها في البنية النفسية للشخصيات.

وفي سياق المقارنة، وضع العطار تجربة عزيز ضمن أفق الرواية السياسية العالمية، إلى جانب أعمال ليو تولستوي وجورج أورويل وغابرييل غارسيا ماركيز، مع التأكيد على خصوصيتها وارتباطها الوثيق بالواقع العراقي.

واختتم مداخلته بالتأكيد على أن إعادة قراءة المنجز الروائي لعزيز السيد جاسم تمثل ضرورة ثقافية، لا لإنصاف كاتب مهم فحسب، بل لاكتشاف مرحلة مفصلية من تاريخ الوعي العراقي، ظلّت معبرة عن ذاتها رغم محاولات التهميش والإقصاء.