‏وكان يخلط الجدَّ بالهزل – رباح آل جعفر

كان‭ ‬يحلم‭ ‬أن‭ ‬يصنع‭ ‬الوحدة‭ ‬بالتلفون‭. ‬واشتهر‭ ‬بحبّه‭ ‬للرئيس‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭. ‬قلّده‭ ‬ولقّب‭ ‬نفسه‭ ‬أمين‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬وحارسها‭ ‬من‭ ‬بعده‭. ‬وعندما‭ ‬شتم‭ ‬العرب‭ ‬وتبرّأ‭ ‬من‭ ‬عروبته،‭ ‬وانسحب‭ ‬من‭ ‬جامعتهم‭ ‬غفرنا‭ ‬له‭ ‬شتائمه‭ ‬وعذرناه،‭ ‬وقلنا‭: ‬لعلّ‭ ‬أمله‭ ‬خاب‭ ‬بالعروبة‭ ‬مثلما‭ ‬خاب‭ ‬أملنا‭!.‬

‏يفاجئك‭ ‬بآرائه‭ ‬وتقلّباته‭. ‬فمرة‭ ‬يُقدّم‭ ‬لك‭ ‬نفسه‭ ‬واعظاً‭ ‬وفقيهاً‭. ‬ومرّة‭ ‬يقول‭ ‬إنه‭ ‬درويش‭ ‬من‭ ‬دروايش‭ ‬الطريقة‭ ‬الصوفية‭. ‬وثالثة‭ ‬يجادلك‭ ‬أنه‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬جماعة‭ ‬إخوان‭ ‬الصفا‭. ‬ومرّة‭ ‬عاشق‭ ‬للأفلام‭ ‬الهندية،‭ ‬أو‭ ‬فيلسوف‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬أفلاطون‭ ‬في‭ “‬الجمهورية‭”. ‬وأخرى‭ ‬ثائر‭ ‬على‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تقرأ‭ “‬الكتاب‭ ‬الأخضر‭” ‬وتحفظه‭ ‬عن‭ ‬ظهر‭ ‬قلب‭. ‬رغم‭ ‬أنني‭ ‬قرأته‭ ‬فلم‭ ‬أخرج‭ ‬منه‭ ‬بالجملة‭ ‬المفيدة‭!. ‬

‏اشتهر‭ ‬بخيمته‭ ‬أينما‭ ‬حلَّ‭ ‬وارتحل‭. ‬وهو‭ ‬يربط‭ ‬ناقته‭ ‬في‭ ‬الساحات‭ ‬العامة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعترض‭ ‬عليه‭ ‬أحد‭. ‬فالرجل‭ ‬بدويّ‭ ‬في‭ ‬أعماقه‭. ‬ولا‭ ‬يحقّ‭ ‬لبشر‭ ‬أن‭ ‬يعترض‭ ‬على‭ ‬طريقته‭ ‬في‭ ‬البداوة‭. ‬فقد‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬الخيمة‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭. ‬ثم‭ ‬انتهى‭ ‬من‭ ‬بعده‭ ‬عصر‭ ‬الخيمة‭:‬

‏أمّـا‭ ‬الخيــامُ‭ ‬فإنـها‭ ‬كخيـامهـــم‭ ‬

‏وأرى‭ ‬رجالَ‭ ‬الحيّ‭ ‬غير‭ ‬رجالها‭ ‬

‏وهوّم‭ ‬الرجل‭ ‬و‭”‬ما‭ ‬تطعم‭ ‬العينُ‭ ‬نوماً‭ ‬غير‭ ‬تهويم‭”. ‬وضاق‭ ‬صبره‭ ‬في‭ ‬صدره،‭ ‬وقاتل‭ ‬حتى‭ ‬اللحظة‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬من‭ ‬زنقة‭ ‬إلى‭ ‬زنقة‭. ‬ومن‭ ‬دارٍ‭ ‬إلى‭ ‬دار‭. ‬وانتهت‭ ‬حياته‭ ‬بطريقة‭ ‬دراماتيكية‭. ‬وتوزّع‭ ‬دمه‭ ‬على‭ ‬القبائل‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬وليّ‭ ‬يطالب‭ ‬بالديّة‭ ‬في‭ ‬أمة‭ ‬عليلة‭ ‬لم‭ ‬يدركها‭ ‬بعد‭ ‬السرى‭ ‬في‭ ‬الليل‭ ‬نور‭ ‬الصبح‭. ‬

‏أضحك‭ ‬العالم‭ ‬بظرافته‭ ‬فضحكوا‭ ‬من‭ ‬قلوبهم‭ ‬عندما‭ ‬وجدوه‭ ‬يمتنع‭ ‬عن‭ ‬وضع‭ ‬صورته‭ ‬على‭ ‬جواز‭ ‬سفره‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬إلى‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬محتجاً‭ ‬أن‭ ‬صوره‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬قلب‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مكان‭. ‬وأن‭ ‬اسمه‭ ‬على‭ ‬كلِّ‭ ‬شفةٍ‭ ‬ولسان‭. ‬ثم‭ ‬ضحكوا‭ ‬حين‭ ‬مضى‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬أسماء‭ ‬الشهور‭ ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬مفردات‭ ‬القاموس‭. ‬وضحكوا‭ ‬عندما‭ ‬انتقد‭ ‬النساء‭ ‬اللاتي‭ ‬يصعدن‭ ‬الطائرات‭ ‬لأنهنَّ‭ ‬لا‭ ‬يستطعن‭ ‬القفز‭ ‬بالبرشوت‭!.  

‏قالوا‭ ‬عنه‭ “‬مجنون‭” ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬مجنوناً‭. ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬يخرج‭ ‬عن‭ ‬النص‭. ‬ويكتب‭ ‬كلاماً‭ ‬غريباً‭ ‬على‭ ‬الجدران‭. ‬ويخربش‭ ‬بالطباشير‭ ‬على‭ ‬الأبواب‭. ‬ويُلقي‭ ‬بكلمات‭ ‬نتقبّلها‭ ‬منه‭ ‬بروح‭ ‬النكتة‭. ‬فيخلط‭ ‬الجدّ‭ ‬بالهزل‭ ‬والهزل‭ ‬بالجدّ‭. ‬ويضفي‭ ‬الابتسامة‭ ‬على‭ ‬روح‭ ‬السياسة‭ ‬الكئيبة،‭ ‬فلا‭ ‬نستطيع‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬نضحك‭!.‬

‏زعيم‭ ‬ينقع‭ ‬رجليه‭ ‬في‭ ‬بئرٍ‭ ‬من‭ ‬النفط‭.  ‬وكان‭ ‬يقول‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭: ‬أنا‭ ‬لست‭ ‬رئيساً‭.. ‬أنا‭ ‬قائد‭ ‬ثورة‭. ‬فحكم‭ ‬وتحكّم‭. ‬وكان‭ ‬يهدّد‭ ‬بالاستقالة‭ ‬من‭ ‬الزعامة‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬وجبة‭ ‬طعام‭ ‬يتناولها‭.. ‬ولمّا‭ ‬صلّى‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬أنور‭ ‬السادات‭ ‬داخل‭ ‬الكعبة‭ ‬أمسك‭ ‬بيد‭ ‬السادات‭ ‬بقوة‭ ‬وطلب‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يعاهده‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬الله‭ ‬الحرام‭ ‬وبقداسته‭ ‬لنصرة‭ ‬فلسطين‭. ‬لكنه‭ ‬لمّا‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬بلاده‭ ‬ألقى‭ ‬بالفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬تيه‭ ‬الصحراء،‭ ‬فماتوا‭ ‬من‭ ‬العطش‭ ‬وقتلتهم‭ ‬الحسرة‭!.‬

‏قبل‭ ‬عقد‭ ‬من‭ ‬الزمان‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭. ‬غادر‭ ‬الرئيس‭ ‬العقيد‭ ‬الليبي‭ ‬معمر‭ ‬القذافي‭ ‬وحيداً‭ ‬من‭ ‬الخلّان‭ ‬بلا‭ ‬شلّة‭ ‬ولا‭ ‬حاشية‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬يفدونه‭ “‬بالروح‭ ‬بالدم‭”. ‬ولكن‭ ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬المفر؟‭ ‬تحسَّر‭ ‬وتألّم‭. ‬وهل‭ ‬كان‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬غزيِّة‭ ‬إن‭ ‬غزت‭ ‬يغزو‭ ‬وإن‭ ‬سالمت‭ ‬يسالم؟‭!. ‬اغتيل‭ ‬برصاصة‭ ‬في‭ ‬رأسه‭ ‬ليسقط‭ ‬صريعاً‭ ‬في‭ ‬مسقط‭ ‬رأسه‭. ‬وكان‭ ‬بإمكانه‭ ‬لو‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يؤجّل‭ ‬النهاية‭ ‬ويهرب‭ ‬لينجو‭ ‬بنفسه‭. ‬أو‭ ‬لعله‭ ‬أدرك‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬الأخيرة‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭.. ‬وكيف‭ ‬يكون‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يستلقي‭ ‬على‭ ‬ظهره‭ ‬فيضحك‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬ليبقى‭ ‬مراهقاً‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الفوضى‭!.‬