
كان يحلم أن يصنع الوحدة بالتلفون. واشتهر بحبّه للرئيس عبد الناصر. قلّده ولقّب نفسه أمين القومية العربية وحارسها من بعده. وعندما شتم العرب وتبرّأ من عروبته، وانسحب من جامعتهم غفرنا له شتائمه وعذرناه، وقلنا: لعلّ أمله خاب بالعروبة مثلما خاب أملنا!.
يفاجئك بآرائه وتقلّباته. فمرة يُقدّم لك نفسه واعظاً وفقيهاً. ومرّة يقول إنه درويش من دروايش الطريقة الصوفية. وثالثة يجادلك أنه واحد من جماعة إخوان الصفا. ومرّة عاشق للأفلام الهندية، أو فيلسوف في السياسة على طريقة أفلاطون في “الجمهورية”. وأخرى ثائر على المدن التي لم تقرأ “الكتاب الأخضر” وتحفظه عن ظهر قلب. رغم أنني قرأته فلم أخرج منه بالجملة المفيدة!.
اشتهر بخيمته أينما حلَّ وارتحل. وهو يربط ناقته في الساحات العامة دون أن يعترض عليه أحد. فالرجل بدويّ في أعماقه. ولا يحقّ لبشر أن يعترض على طريقته في البداوة. فقد جاء من الخيمة إلى السلطة. ثم انتهى من بعده عصر الخيمة:
أمّـا الخيــامُ فإنـها كخيـامهـــم
وأرى رجالَ الحيّ غير رجالها
وهوّم الرجل و”ما تطعم العينُ نوماً غير تهويم”. وضاق صبره في صدره، وقاتل حتى اللحظة الأخيرة من من زنقة إلى زنقة. ومن دارٍ إلى دار. وانتهت حياته بطريقة دراماتيكية. وتوزّع دمه على القبائل دون أن يبقى له من وليّ يطالب بالديّة في أمة عليلة لم يدركها بعد السرى في الليل نور الصبح.
أضحك العالم بظرافته فضحكوا من قلوبهم عندما وجدوه يمتنع عن وضع صورته على جواز سفره في طريقه إلى الأمم المتحدة، محتجاً أن صوره موجودة في كل قلب. وفي كل مكان. وأن اسمه على كلِّ شفةٍ ولسان. ثم ضحكوا حين مضى إلى تغيير أسماء الشهور وكثير من مفردات القاموس. وضحكوا عندما انتقد النساء اللاتي يصعدن الطائرات لأنهنَّ لا يستطعن القفز بالبرشوت!.
قالوا عنه “مجنون” ولم يكن مجنوناً. لكنه كان يخرج عن النص. ويكتب كلاماً غريباً على الجدران. ويخربش بالطباشير على الأبواب. ويُلقي بكلمات نتقبّلها منه بروح النكتة. فيخلط الجدّ بالهزل والهزل بالجدّ. ويضفي الابتسامة على روح السياسة الكئيبة، فلا نستطيع إلا أن نضحك!.
زعيم ينقع رجليه في بئرٍ من النفط. وكان يقول عن نفسه: أنا لست رئيساً.. أنا قائد ثورة. فحكم وتحكّم. وكان يهدّد بالاستقالة من الزعامة بعد كل وجبة طعام يتناولها.. ولمّا صلّى مع الرئيس أنور السادات داخل الكعبة أمسك بيد السادات بقوة وطلب منه أن يعاهده في بيت الله الحرام وبقداسته لنصرة فلسطين. لكنه لمّا عاد إلى بلاده ألقى بالفلسطينيين في تيه الصحراء، فماتوا من العطش وقتلتهم الحسرة!.
قبل عقد من الزمان. وفي مثل هذه الأيام. غادر الرئيس العقيد الليبي معمر القذافي وحيداً من الخلّان بلا شلّة ولا حاشية ولا من يفدونه “بالروح بالدم”. ولكن إلى أين المفر؟ تحسَّر وتألّم. وهل كان إلا من غزيِّة إن غزت يغزو وإن سالمت يسالم؟!. اغتيل برصاصة في رأسه ليسقط صريعاً في مسقط رأسه. وكان بإمكانه لو أراد أن يؤجّل النهاية ويهرب لينجو بنفسه. أو لعله أدرك في اللحظة الأخيرة أنه لا يستطيع أن يعيش دون أن يكون.. وكيف يكون دون أن يستلقي على ظهره فيضحك على هذا العالم ليبقى مراهقاً يعيش في عصر الفوضى!.























