ذروة‭ ‬المحبة- د. محمد غاني

في‭ ‬محراب‭ ‬العاشقين،‭ ‬حيث‭ ‬تتجلى‭ ‬حقائق‭ ‬و‭ ‬أسرار‭ ‬و‭ ‬تجليات‭ ‬بتسامى‭ ‬الأرواح‭ ‬في‭ ‬مدارج‭ ‬القرب،‭ ‬تتردد‭ ‬كلمة‭ ‬التوحيد‭ : “‬لا‭ ‬إله‭ ‬إلا‭ ‬الله‭”. ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬إقرار‭ ‬بالوحدانية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬إعلان‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬المحبة‭ ‬المطلقة،‭ ‬وتجريد‭ ‬للقلب‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬محبوب‭ ‬سوى‭ ‬المحبوب‭ ‬الأكبر،‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭. ‬إنها‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬الفناء‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سوى‭ ‬الله،‭ ‬والبقاء‭ ‬به،‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬صوفية‭ ‬عميقة‭  ‬يختبر‭ ‬فيها‭ ‬السالك‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬محبوب‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬صفات‭ ‬المحبة‭ ‬إلا‭ ‬هو،‭ ‬وأن‭ ‬العبادة‭ ‬الحقيقية‭ ‬هي‭ ‬ذروة‭ ‬هذه‭ ‬المحبة‭.‬

عندما‭ ‬تتجلى‭ “‬لا‭ ‬إله‭ ‬إلا‭ ‬الله‭” ‬في‭ ‬أفق‭ ‬الروح،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭  ‬إلا‭ ‬أنه‭ “‬لا‭ ‬معبود‭ ‬بحق‭ ‬إلا‭ ‬الله‭”‬،‭ ‬و‭ ‬معنى‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬نظرنا‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لا‭ ‬توجه‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬إتيان‭ ‬الشرائع‭ ‬إلا‭ ‬لله‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬ذلك‭ ‬يتجاوز‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬معنى‭ ‬أعمق‭ ‬وأشمل‭ ‬و‭ ‬هو‭ ‬أن‭: “‬لا‭ ‬محبوب‭ ‬إلا‭ ‬الله‭”. ‬فالمحبة‭ ‬هي‭ ‬جوهر‭ ‬العبادة‭ ‬وروحها،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستقر‭ ‬المحبة‭ ‬الحقيقية‭ ‬المطلقة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬كاملة‭ ‬جامعة‭ ‬لكل‭ ‬صفات‭ ‬الجمال‭ ‬والجلال‭ ‬والكمال‭. ‬فكل‭ ‬محبوب‭ ‬سواه،‭ ‬مهما‭ ‬علا‭ ‬شأنه‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الخلق،‭ ‬هو‭ ‬محبوب‭ ‬عارض،‭ ‬زائل،‭ ‬ناقص،‭ ‬لا‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬غاية‭ ‬المحبة‭ ‬ومنتهاها‭. ‬إن‭ ‬القلب‭ ‬السليم،‭ ‬الذي‭ ‬فطر‭ ‬على‭ ‬حب‭ ‬الكمال،‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬راحته‭ ‬وسكينته‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬المحبوب‭ ‬الأوحد‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعتريه‭ ‬نقص‭ ‬ولا‭ ‬يلحقه‭ ‬زوال‭.‬

إن‭ ‬العبادة‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أداء‭ ‬لفرائض‭ ‬وطقوس،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬تعبير‭ ‬صادق‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المحبة‭ ‬المتجذرة‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬القلب‭. ‬هي‭ ‬أن‭ ‬تطيع‭ ‬المحبوب‭ ‬في‭ ‬تسليم‭ ‬ورضا‭ ‬مطلق،‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬خوف‭ ‬من‭ ‬عقاب‭ ‬أو‭ ‬طمع‭ ‬في‭ ‬ثواب‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬القلب‭ ‬قد‭ ‬امتلأ‭ ‬بحبه،‭ ‬فأصبح‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬إلا‭ ‬أمره،‭ ‬ولا‭ ‬يرضى‭ ‬إلا‭ ‬بما‭ ‬يرضيه‭. ‬هذه‭ ‬الطاعة‭ ‬النابعة‭ ‬من‭ ‬المحبة‭ ‬هي‭ ‬أسمى‭ ‬مراتب‭ ‬العبادة،‭ ‬حيث‭ ‬تتلاشى‭ ‬إرادة‭ ‬العبد‭ ‬في‭ ‬إرادة‭ ‬الإله‭ ‬أي‭ ‬المحبوب،‭ ‬ويصبح‭ ‬كل‭ ‬فعل‭ ‬وحركة‭ ‬وسكون‭ ‬ترجمة‭ ‬صادقة‭ ‬لفيض‭ ‬المحبة‭ ‬الإلهية‭ ‬في‭ ‬القلب‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تتجلى‭ ‬حكمة‭ ‬الإمام‭ ‬ابن‭ ‬القيم‭ ‬الجوزية‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬الذي‭ ‬غاص‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬النفس‭ ‬البشرية‭ ‬وكشف‭ ‬عن‭ ‬طبائعها‭. ‬يقول‭ ‬الإمام‭: ‬

‮«‬النفس‭ ‬لا‭ ‬تترك‭ ‬محبوبا‭ ‬إلا‭ ‬لمحبوب‭ ‬هو‭ ‬أحب‭ ‬إليها‭ ‬منه،‭ ‬أو‭ ‬حذرا‭ ‬من‭ ‬مخوف‭ ‬هو‭ ‬أعظم‭ ‬مفسدة‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬حصول‭ ‬مصلحتها‭ ‬بذلك‭ ‬المحبوب‭. ‬وفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬ففرارها‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬المَخوف‭ ‬إيثار‭ ‬لضدِه‭ ‬المحبوب‭ ‬لها،‭ ‬فما‭ ‬تركت‭ ‬محبوبا‭ ‬إلا‭ ‬لِما‭ ‬هو‭ ‬أحب‭ ‬إليها‭ ‬منه؛‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬قدم‭ ‬إليه‭ ‬طعام‭ ‬يضره‭ ‬ويوجب‭ ‬له‭ ‬السقم،‭ ‬فإنَما‭ ‬يتركه‭ ‬محبة‭ ‬للعافية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬أحبُ‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الطعام‮»‬

هذه‭ ‬الحكمة‭ ‬النورانية‭ ‬تكشف‭ ‬لنا‭ ‬سر‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬المحبة‭. ‬فالنفس‭ ‬البشرية،‭ ‬بطبيعتها،‭ ‬لا‭ ‬تتخلى‭ ‬عن‭ ‬محبوب‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬وجدت‭ ‬بديلا‭ ‬عنه،‭ ‬محبوبا‭ ‬آخر‭ ‬يفوقه‭ ‬في‭ ‬قيمته‭ ‬ومكانته‭ ‬في‭ ‬القلب‭. ‬أو‭ ‬تدفعها‭ ‬خشية‭ ‬من‭ ‬ضرر‭ ‬أعظم‭ ‬يدفعها‭ ‬لترك‭ ‬ما‭ ‬تحب‭. ‬وفي‭ ‬كلتا‭ ‬الحالتين،‭ ‬يكون‭ ‬الدافع‭ ‬هو‭ ‬إيثار‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أحبّ‭ ‬وأصلح‭ ‬لها‭. ‬فكيف‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬المحبوب‭ ‬هو‭ ‬الله‭ ‬هاته‭ ‬الكلمة‭ ‬المقدسة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬في‭ ‬نظرنا‭ ‬إلا‭ ” ‬المحبوب‭ ‬الأقدس‭”‬،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يضاهيه‭ ‬محبوب،‭ ‬ولا‭ ‬يوازيه‭ ‬كمال؟‭ ‬هنا‭ ‬تبلغ‭ ‬المحبة‭ ‬ذروتها،‭ ‬وتصبح‭ ‬الطاعة‭ ‬تسليما‭ ‬مطلقا،‭ ‬لأن‭ ‬المحبوب‭ ‬الأوحد‭ ‬قد‭ ‬استولى‭ ‬على‭ ‬القلب،‭ ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬فيه‭ ‬متسع‭ ‬لغيره‭.‬

إن‭ ‬السالك‭ ‬إلى‭ ‬الله،‭ ‬العارف‭ ‬بالله،‭ ‬يدرك‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬بعمق‭. ‬يبدأ‭ ‬رحلته‭ ‬القلبية‭ ‬بالتعلق‭ ‬بالمحبوبات‭ ‬الدنيوية،‭ ‬ثم‭ ‬يكتشف،‭ ‬شيئا‭ ‬فشيئا،‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تروي‭ ‬ظمأ‭ ‬روحه‭ ‬ولا‭ ‬تشبع‭ ‬فطرته‭. ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬خطوة‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬المعرفة،‭ ‬يرتفع‭ ‬حجاب‭ ‬عن‭ ‬قلبه،‭ ‬فيرى‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬محبوب‭ ‬سواه‭ ‬هو‭ ‬ظل‭ ‬زائل،‭ ‬وأن‭ ‬المحبوب‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬الله‭ ‬وحده‭. ‬هنا‭ ‬تبدأ‭ ‬النفس‭ ‬في‭ ‬ترك‭ ‬محبوباتها‭ ‬الأدنى‭ ‬لمحبوب‭ ‬هو‭ ‬أحب‭ ‬إليها‭ ‬منها،‭ ‬وهو‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭.‬

هذه‭ ‬هي‭ ‬حقيقة‭ ‬الفناء‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬وبقاء‭ ‬القلب‭ ‬بالله‭. ‬فناء‭ ‬ليس‭ ‬عدما،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ذوبان‭ ‬للأنا‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬الأحدية،‭ ‬وتلاش‭ ‬لكل‭ ‬إرادة‭ ‬ورغبة‭ ‬سوى‭ ‬إرادة‭ ‬المحبوب‭. ‬وعندما‭ ‬تفنى‭ ‬النفس‭ ‬عن‭ ‬نفسها،‭ ‬وتتخلص‭ ‬من‭ ‬قيود‭ ‬الأغيار،‭ ‬يبقى‭ ‬القلب‭ ‬متصلا‭ ‬بالمحبوب‭ ‬الأكبر،‭ ‬متجليا‭ ‬فيه،‭ ‬مستمدا‭ ‬منه‭ ‬كل‭ ‬وجوده‭.‬‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرتبة،‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬العارف‭ ‬إلا‭ ‬الله،‭ ‬ولا‭ ‬يسمع‭ ‬إلا‭ ‬منه،‭ ‬ولا‭ ‬ينطق‭ ‬إلا‭ ‬به،‭ ‬ولا‭ ‬يتحرك‭ ‬إلا‭ ‬بأمره‭. ‬يصبح‭ ‬بالله،‭ ‬لا‭ ‬بنفسه،‭ ‬لأن‭ ‬المحبوب‭ ‬الأكبر‭ ‬قد‭ ‬استولى‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ذرة‭ ‬في‭ ‬كيانه،‭ ‬وأصبح‭ ‬التسليم‭ ‬والرضا‭ ‬المطلق‭ ‬هما‭ ‬حاله‭ ‬الدائم،‭ ‬فعبادته‭ ‬كلها‭ ‬محبة،‭ ‬ومحبته‭ ‬كلها‭ ‬عبادة‭.‬

إن‭ “‬لا‭ ‬إله‭ ‬إلا‭ ‬الله‭” ‬هي‭ ‬إذن‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬كلمة‭ ‬تقال‭ ‬باللسان،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬حال‭ ‬يعيشها‭ ‬القلب،‭ ‬ومرتبة‭ ‬تبلغها‭ ‬الروح‭. ‬هي‭ ‬إدراك‭ ‬عميق‭ ‬بأن‭ ‬المحبوب‭ ‬الأكبر‭ ‬هو‭ ‬الله،‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سواه‭ ‬هو‭ ‬وسيلة‭ ‬إليه،‭ ‬أو‭ ‬تجل‭ ‬من‭ ‬تجلياته‭. ‬فإذا‭ ‬استقر‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬القلب،‭ ‬تحررت‭ ‬النفس‭ ‬من‭ ‬عبودية‭ ‬المخلوقات،‭ ‬وارتقت‭ ‬إلى‭ ‬أفق‭ ‬الحرية‭ ‬الحقيقية،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬سلطان‭ ‬إلا‭ ‬للمحبوب‭ ‬الأوحد،‭ ‬ولا‭ ‬غاية‭ ‬إلا‭ ‬رضاه،‭ ‬ولا‭ ‬نعيم‭ ‬إلا‭ ‬قربه‭. ‬وتصبح‭ ‬العبادة،‭ ‬بكل‭ ‬أشكالها،‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬العشق‭ ‬الأزلي،‭ ‬وتسليما‭ ‬كاملا‭ ‬لإرادة‭ ‬المحبوب،‭ ‬ورضا‭ ‬تاماً‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يقضيه‭ ‬ويقدره‭. ‬ففي‭ ‬هذا‭ ‬التسليم‭ ‬والرضا‭ ‬يجد‭ ‬السالك‭ ‬كمال‭ ‬العبادة‭ ‬وذروة‭ ‬المحبة‭. ‬فيا‭ ‬أيها‭ ‬السالك‭ ‬المحب‭ ‬لوجهه‭ ‬الكربم،‭ ‬ويا‭ ‬أيها‭ ‬الطالب‭ ‬للحق‭ ‬سبحانه‭ ‬،‭ ‬اجعل‭ “‬لا‭ ‬إله‭ ‬إلا‭ ‬الله‭” ‬نبراس‭ ‬دربك،‭ ‬ودليل‭ ‬قلبك،‭ ‬ومفتاح‭ ‬فنائك‭ ‬وبقائك‭. ‬ففيها‭ ‬تكمن‭ ‬حقيقة‭ ‬المحبة،‭ ‬وفيها‭ ‬يتجلى‭ ‬المحبوب‭ ‬الأكبر،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬محبوب‭ ‬سواه،‭ ‬ولا‭ ‬عبادة‭ ‬إلا‭ ‬له،‭ ‬ولا‭ ‬تسليم‭ ‬إلا‭ ‬لأمره،‭ ‬ولا‭ ‬رضا‭ ‬إلا‭ ‬بقضائه‭.‬