
الموصل – نوال الجراح
في مدينةٍ تختزن في أزقّتها ذاكرة الفن والحياة، يبرز إسم بشير طه كأحد الوجوه التي صاغت اللون ليحكي حكايات الناس والمكان.
لم تكن لوحاته مجرد خطوط وأصباغ، بل كانت إنعكاسًا لرحلة إنسانية عميقة، إمتزجت فيها التجربة الشخصية بروح البيئة التي نشأ فيها.
تحقيق صحفي يقترب من تفاصيل حياة الفنان، من بداياته الأولى وشغفه بالرسم، إلى محطات التّحدي والنجاح التي شكّلت مسيرته، محاولًا الكشف عن الإنسان خلف اللوحة، وكيف إستطاع أن يحوّل الفن إلى رسالة تنبض بالحياة والمعنى.
كتب عنه أستاذ التاريخ المتمرّس الدكتور إبراهيم العلاّف على صفحته في الفيس بوك وقال : ( الفنّان التشكيلي الموصلي الكبير الأستاذ بشير طه رحمه الله، 1936 -2026 يُعدُّ من رموز الفن التشكيلي العراقي المُعاصر في الموصل .تخرّج في معهد الفنون الجميلة ببغداد سنة 1960 .
في سنة 2019 أصدر كتابه الذي وثّق سيرته ،وأعماله الفنية .

الأستاذ الدكتور عمر الطالب كتبَ عنه في موسوعته : (موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين ) وصدر عن (مركز دراسات الموصل) بجامعة الموصل سنة 2008 وقال إنّ من أساتذته الفنان الأستاذ فائق حسن ،والأستاذ إسماعيل الشيخلي ..عمل معلماً للتربية الفنية ، ونُسِّب مشرفاً للفنون التشكيلية في مديرية النّشاط المدرسي التابعة للمديرية العامة لتربية محافظة نينوى . وفي سنة 1973 أقام أول معرض شخصي لأعماله . ينتمي بشكل رئيسي الى المدرسة الإنطباعية لكنه لا يتردد في الإستفادة من المدارس الأخرى حيثما يقتضي ذلك . وقد حاول أن يبقى أميناً لأساليب ورؤى المدرسة الإنطباعية . ومما يلحظ على أعماله بساطة التّكوين، وإختزال التفاصيل ، والتعامل مع الشخوص القليلة بالأُسلوب العام للوحة ودائما ما يعود الى الطبيعة .
عُيّن رئيساً لقسم الفنون التشكيلية في مديرية النشاط المدرسي، إشترك في معارض فنية كثيرة داخل العراق وخارجه، صممَ عشرات الديكورات المسرحية والبوسترات الفنية ، وكُرِّم كثيراً، وفاز بجوائز عدة) تواصلتُ مع عائلته لإجراء هذا التحقيق الصحفي وبادرت إحدى بناته، ست طبيعة للحديث معي عن حياة ومسيرة والدها والإجابة عن الأسئلة هي وإبنته الفنانة الست ألوان وإبنه الأستاذ بلال مدير متحف الفنون في بغداد.
والتي بدأتها بسؤال؟
كيف تصفين والدكِ داخل المنزل بعيداً عن الأضواء وما أبرز الصفات التي تميزهُ كأب ؟
كان أباً مثاليا يُتابع أخبار العائلة والأبناء ويُقدّم الإرشاد والنُصح عندما يتٍطلب الأمر . مُحب للطبيعة واللون الأخضر الذي ينبع من ذاته النقية . هادئ . متأمل . يُحب ويحرص على جعل الجميع مبتسمين متفائلين . أبرز صفاته كأب يُشجع أبناءه على التفوق والإبداع كل في مجال عمله متواضع يحبه الصغير والكبير . يتمتع بروح مرحة جميلة . جميل المظهر . لايشعر المقابل بالملل بل بمتعة الإستماع لحديثه، ويعطي لنا الكثير من خبرة حياته وتجاربه.
كان في أوقات الفرح أو الأزمات يتعامل مع الأبناء بطريقة الإستيعاب والنصح وتقديم خبرة الحياة لهم لتكون دليلاً لهم في مجتمع ملئ بالتناقضات فأنتج الفنان والطبيب والمهندس والمُدرّس .
ماذا تعرفين عن بداياته الفنية؟ وهل كان يُحدثكم عنها؟
دائماً ماكان يتحدث عن ذكريات البدايات عندما كان يرسم بقلم الطباشير في سطح دارهم القديم . هناك بدأت مسيرة الشغف بالفن . وعندما كان يرى تخطيطات الفحم عند المصورين في طريقه إلى المدرسة وهو طفل، هذه المُشاهدة أسست لديه الرؤية الفنية والذائقة التشكيلية.
شخصية تأثّر بها في مسيرته الفنية؟
كان رحمه الله مُعجب بأعمال أساتذه الأول الفنان المرحوم يونس الحمطاني الذي كان يذكرهُ كثيراً في لقاءاته الفنية ومن ثم الرائد المرحوم الكبير نجيب يونس .
وعن رسالته مع الفن، وبماذا كانت تمتاز لوحاته والى أي مدرسة فنية كان ينتمي؟
قالت :لوحات الفنان بشير طه كانت محاكاة للطبيعة بكل تفاصيلها دون تزويق ولا إضافات، الذي ميّز الوالد كان يميل للإنطباعية أكثر من الكلاسيكيه في التكنيك الي نشاهده بإعماله بصوره عامه الغابات والقليعات. كان متأثراً بالفن الروسي كانت كتبه في الأستيديو الخاص به تحوي مجموعه من الكتب الروسيه الفنيه الخاصه باللاند سكيب كان يحب الإطلاع على التكنيك والألوان المُستخدمه وتونات اللون في هذه المصادر.
وعن مشاركاته في معارض عربية أو دولية وهل لديه أصدقاء فنانين عرب؟
والدي كان يعشق الموصل وكانت رحلاته خارج البلد قليلة، أذكر مشاركته في منتدى خليجي في الكويت وأيضاً خلال زيارته لقطر إشترك مع مجموعة فنانين بعشر لوحات تمثل مناطق من الموصل كانت بحجم واحد وداخل البلد، كان يأتي زيارات لبغداد لحضور أو مشاركة بمنتديات فنيه ولديه أصدقاء كثر من الوسط الفني أذكر الفنان وليد شيت و مخلد المختار و سالم الدباغ و الفنان سعدي الكعبي و ماهود احمد اللذان كانا زملاء دراسه للوالد في بغداد في معهد الفنون الجميله آنذاك وخلال زيارته الأخيره تعرف على فنانين عراقيين مقيمين في دولة قطر منهم الفنان علاء بشير والمايسترو سلطان الخطيب وغيرهم من الفنانين العرب من مصر والأردن وفلسطين تعرّفوا على الوالد من خلال المعرض التشكيلي الذي شارك فيه هناك في دولة قطر بإعتباره واحد من رواد الفن العراقي المعروفين بإسلوبه المميز وتميزه برسم الطبيعة بالذات .
هل كان يستطيع الرسم في آخر حياته، وماهي آخر لوحاته ؟ آخر أيامه أصبح نظره ضعيف وكان يجد صعوبه في الرسم . آخر لوحاته مجموعه من الأعمال بالأسود والأبيض ومن ضمنها لوحة النبي يونس هذه كانت آخر مجموعه رسمها .
ماهو العمل الأقرب لقلبه وأي الألوان يفضل ؟
أقرب الأعمال الى قلبه رحمه الله أعمال الطبيعة. اللاندسكيب .وبالأخص منطقة القليعات . وقره سراي . لجمالية البيوت العتيقة وتناغمها بعشق مع نهر دجلة .
وكان يُحب كل لوحاته بصورة عامة وبالأخص لوحة النبي بونس التي رسمها بالألوان الأسود والأبيض وكذلك كان يتميز برسم القليعات التي رسمها بأكثر من مناسبه وبقياسات مختلفه حتى على الجدران تم رسمها بحجم كبير وأذكر في إحدى حفلات مهرجان الرّبيع التي كانت تُقام سنوياً في الموصل كانت القليعات تُزين خلفية المسرح على طوله كانت من روائع الوالد في حينها.
ليس لديه لون مُفضل، يُحب كل الألوان لانّ الطبيعه لاتخلو من أي لون فكان يُحب كل ألوان الطبيعة كما هي.
وعن المرسم الخاص به في البيت ؟
قالت : أتذكّر مرسمهُ في صغري كل بيت نسكنه كان لديه أستديو مليان بالألوان بإختلاف أنواعها واللوحات والفريمات والكانڤاس أو البورد الخشبي والأستاند والإنارة كانت قياسات لوحاته بحدود المتر إلى ال ٣ أمتار وفي الفتره الأخيره كان يرسم لوحات صغيره بحدود( ٥٠ في ٤٠ أو ٤٠ في ٣٠) وبالأسود والأبيض واللوحات المُلونه شحيحه جداً في الفتره الاخيره من حياته .
لفتت إننباهي أسماء بناته النادرة والجميلة ؟ فتحدثت عنها ألوان وقالت :
أسماء بناته مُستوحات من لوحاته الي تميّز بيها .. ألوان هو أول إسم بالعراق ذكر هذا في جريده الفتى العربي التي كانت تصدر في ذلك الوقت حينها وعلى لسان الوالد وكما أخبرني ..كتب فيها.. رُزق الفنان بإبنة أسماها ألوان ومن بعدها تكرر الإسم من خلال الأقارب والأصدقاء الذين سمّو بناتهم ألوان وأنا شخصياً أعتزّ بأحلى ذكرى من الوالد لأنّ إسمي وأسماء أخواتي يُذكرنا به دائماً،
أسماؤنا كانت مُستوحاة من الطبيعه، ألوان، دُجان، نوّار، ظلال، وطبيعة، التي كانت أيضاً إسمها مُميز والأول في العراق لان الوالد كان يُلقب بأبو الطبيعة فكان إسم آخر بناته طبيعة .
وعن عدد لوحاته،، ذكرت :
عدد لوحات الوالد لاتُحصى كان يرسم عالورق والقماش والخشب وحتى على الجدران فهي كثيرة ليس لها عدد.
ماالرسالة التي سعى لإيصالها من خلال فنه؟
الرسالة هي المحبة وبالذات حب الطبيعة والوطن والموصل التي كانت عشقه الأزلي .
ماذا تعلَّمتِ منه كإنسان قبل أن يكون فنان؟
تعلمتُ منه أن أكون إنسانه قبل كلّ شئ . بسيطة وقوية بنفس الوقت . مُتواضعة . كان يذكُر دائماً مقولة. رفقاً بالناس وأنت تصعد السلالم فسوف تُقابلهم عند النزول . ماذا يعني لكم إرثه الفني اليوم؟
إرثه الحقيقي هو محبة الناس وإعتزازهم به وبإنسانيته. وكذلك إرثه الفني الذي يملأ أماكن عديدة
من المُوكد نحرص على إبقاء ذكراهُ على مدى الزمن من خلال أبناءه وأحفاده وكل المُحبين له من الناس .
في ختام الحديث عن حياة الفنان بشير طه، نجد أنفسنا أمام سيرة لا تختصرها الكلمات، بل تتجلى في لوحاتٍ نابضة بالروح والتجربة. لقد ترك إرثًا فنيًا يعكس عمق الإنسان وصدق الإحساس، ليبقى حضوره ممتدًا في الذاكرة الثقافية، شاهدًا على رحلة إبداعٍ لم تنتهِ، بل بدأت تُروى مع كل عينٍ تتأمل أعماله.























