‏والحبُّ على قدر المحبوب-رباح آل جعفر

‏وأنت‭ ‬تقف‭ ‬في‭ ‬حضرة‭ ‬النبي‭ ‬العظيم‭ ‬وإلى‭ ‬جواره‭ ‬ومن‭ ‬أجله‭. ‬تقول‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬تدري‭. ‬شيءٌ‭ ‬غريب‭ ‬عجيب‭ ‬لا‭ ‬يُوصف‭. ‬حتى‭ ‬الكلمات‭ ‬لا‭ ‬تجدها‭. ‬فكل‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬حولك‭ ‬ينطق‭ ‬ويضيء‭ ‬ويقول‭. ‬وتنتظر‭ ‬طيف‭ ‬الحبيب‭ ‬في‭ ‬النوم‭. ‬والسعداء‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬يرون‭ ‬النبي‭ ‬في‭ ‬منامهم‭.‬

‏وهناك‭ ‬عشَّاقٌ‭ ‬ومتصوفة‭ ‬عاشوا‭ ‬وماتوا‭ ‬وحاولوا‭ ‬بالصلاة‭ ‬وبالدعاء‭ ‬لكنهم‭ ‬لم‭ ‬يروه‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭. ‬وتخطر‭ ‬في‭ ‬بالك‭ ‬قصيدة‭ ‬البوصيري‭ ‬التي‭ ‬يدفع‭ ‬فيها‭ ‬العذل‭ ‬والملام‭ ‬فيقول‭:‬

‏يا‭ ‬لائمي‭ ‬في‭ ‬الهوى‭ ‬العذريِّ‭ ‬معذرةً

‏منّـي‭ ‬إليـكَ‭ ‬ولــو‭ ‬أنصفـتَ‭ ‬لم‭ ‬تَلُــمِ

‏والبوصيري‭ ‬شاعر‭ ‬الهمزية‭ ‬النبوية‭ ‬الرائعة‭: ‬كيف‭ ‬ترقى‭ ‬رقيّك‭ ‬الأنبياءُ؟‭ ‬شاعر‭ ‬ظريف‭. ‬ورجل‭ ‬طيّب‭. ‬ومتصوف‭ ‬مؤمن‭ ‬من‭ ‬قرية‭ ‬في‭ ‬بني‭ ‬سويف‭ ‬بالصعيد‭ ‬المصري‭.. ‬يُقال‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬نصف‭ ‬مشلول‭ ‬وكتب‭ ‬قصيدة‭ ‬يستشفع‭ ‬في‭ ‬أبياتها‭ ‬إلى‭ ‬الله‭. ‬ودعا‭ ‬وتوسّل‭. ‬وفي‭ ‬نومه‭ ‬رأى‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬ولمَسَ‭ ‬وجهه‭ ‬بيده‭ ‬الكريمة‭. ‬فنهض‭ ‬من‭ ‬نومه‭ ‬معافى‭ ‬وخرج‭ ‬من‭ ‬بيته‭ ‬ليقول‭: ‬إن‭ ‬النبي‭ ‬ألقى‭ ‬عليه‭ “‬بُردة‭” ‬أي‭ ‬ثوباً‭. ‬فكانت‭ ‬أشهر‭ ‬قصيدة‭ ‬قيلت‭ ‬في‭ ‬النبي‭:‬‭ ‬قصيدة‭ ‬البردة‭.‬

‏لكن‭ ‬البوصيري‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أولهم‭. ‬فهناك‭ ‬سلطان‭ ‬العاشقين‭ ‬وشيخ‭ ‬العارفين‭ ‬ابن‭ ‬الفارض‭ ‬كان‭ ‬يشتكي‭ ‬الحرمان‭ ‬ويتغنّى‭ ‬بالوجدان‭ ‬في‭ ‬حب‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭. ‬وكل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬يمثل‭ ‬في‭ ‬شعره‭ ‬صورة‭ ‬الحبيب‭. ‬وكان‭ ‬يتعلق‭ ‬بطيف‭ ‬الملام‭ ‬حين‭ ‬يعزُّ‭ ‬عليه‭ ‬طيف‭ ‬المنام‭. ‬فيقول‭:‬

‏يا‭ ‬لائماً‭ ‬لامني‭ ‬في‭ ‬حبِّـهم‭ ‬سَفهاً

‏كفَّ‭ ‬الملامَ‭ ‬فلو‭ ‬أحببتَ‭ ‬لم‭ ‬تَلُـمِ

‏ثم‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬بعده‭ ‬أمير‭ ‬الشعر‭ ‬والنظم‭ ‬والقوافي‭ ‬أحمد‭ ‬شوقي‭ ‬بعذوبته‭ ‬ورقته‭ ‬يتصيّد‭ ‬طيف‭ ‬المحبوب‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬الأرواح‭ ‬ليقول‭ ‬في‭ ‬نهج‭ ‬البردة‭:‬

‏يا‭ ‬لائمي‭ ‬في‭ ‬هواهُ‭ ‬والهوى‭ ‬قَــدَرٌ

‏لو‭ ‬شفَّكَ‭ ‬الوجدُ‭ ‬لم‭ ‬تعذلْ‭ ‬ولم‭ ‬تَلُمِ

‏وهذه‭ ‬القصائد‭ ‬الثلاث‭ ‬من‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬قيل‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬النبوي‭. ‬من‭ ‬داليّة‭ ‬الأعشى‭ ‬إلى‭ ‬لاميّة‭ ‬كعب‭ “‬بانتْ‭ ‬سعاد‭ ‬فقلبي‭ ‬اليوم‭ ‬متبولُ‭” ‬ومن‭ ‬أشعار‭ ‬حسَّان‭ ‬إلى‭ ‬رائيّة‭ ‬ابن‭ ‬نباتة‭ ‬المصري‭. ‬من‭ ‬نجد‭ ‬إلى‭ ‬تهامة‭ ‬وبين‭ ‬الريم‭ ‬والعلم‭. ‬تقرأها‭ ‬فتشعر‭ ‬كأنك‭ ‬ذرة‭ ‬من‭ ‬العطر‭ ‬تتلاشى‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬من‭ ‬الضوء‭. ‬كأن‭ ‬النجوم‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تسقط‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬الأرض‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬السماء‭. ‬إنها‭ ‬من‭ ‬مدامع‭ ‬العشَّاق‭ ‬ولوعة‭ ‬الوجد‭ ‬بما‭ ‬يذكي‭ ‬القلب‭ ‬بأقباس‭ ‬الحنين‭.‬

‏وابن‭ ‬الفارض‭ ‬كان‭ ‬أرقّ‭ ‬وأعدل‭. ‬والبوصيري‭ ‬كان‭ ‬أصدق‭ ‬وأجمل‭. ‬وشوقي‭ ‬كان‭ ‬أعمق‭ ‬وأجزل‭. ‬والحبّ‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬المحبوب،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬الحبّ‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المحب‭ ‬والمحبوب‭ ‬إذا‭ ‬سكن‭ ‬الليل‭ ‬بصبابته،‭ ‬واشتد‭ ‬وطيس‭ ‬الضرب‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬الشوق‭ ‬على‭ ‬الدفوف،‭ ‬وعلى‭ ‬الخافقات‭ ‬من‭ ‬القلوب،‭ ‬بين‭ ‬الذاكرين‭ ‬والهائمين‭ ‬من‭ ‬العشّاق‭ ‬المعاميد‭.‬

‏وليس‭ ‬الشعراء‭ ‬وحدهم‭ ‬يسألون‭ ‬النبي‭ ‬في‭ ‬قصائدهم‭ ‬الشفاعة‭. ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬كتَّابنا‭ ‬يتشفَّعون‭ ‬بالنبي‭ ‬محمد‭ ‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬قبل‭ ‬الآخرة‭ ‬فيؤلفون‭ ‬الكتب‭ ‬في‭ ‬سيرته‭. ‬كتب‭ ‬هيكل‭ ‬باشا‭ “‬حياة‭ ‬محمد‭”. ‬وكتب‭ ‬عباس‭ ‬محمود‭ ‬العقاد‭ “‬عبقرية‭ ‬محمد‭”. ‬وكتب‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ “‬على‭ ‬هامش‭ ‬السيرة‭”. ‬وكتب‭ ‬توفيق‭ ‬الحكيم‭ “‬محمد‭”. ‬وكتب‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬الشرقاوي‭ “‬رسول‭ ‬الحرية‭”.. ‬فلا‭ ‬يريح‭ ‬النفس‭ ‬ويطمئن‭ ‬القلب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬راحة‭ ‬الإيمان‭. ‬نبيٌّ‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬وربٌّ‭ ‬في‭ ‬السماء‭.‬

‏تلك‭ ‬عظمتك‭ ‬يا‭ ‬رسول‭ ‬الله‭.‬