
علي السوداني
وتلك أمنية طيبة حدثت على أعتاب سهرة تلفزيونية قادتني اليها المصادفة ، فشاهدت فلماً مصرياً من موديل الثمانينيات اسمه ” فتوة الناس الغلابة ” وفيه فريد شوقي يخيم على عائلة تسكن حياً فقيراً ومعظم خبزها يأتي من دكان صغير لبيع الكتب المستعملة يقوده فريد أو العم كامل وتساعده بنوتة حلوة نسيت اسمها الحقيقي لكنها تشبه بوسي زوجة نور الشريف ، وتفاصيل أخرى ليست مهمة في التأثير على ثيمة الشريط التي تبدأ من اللحظة التي تعثر فيها البنت على عقد لؤلؤ نائم ببطن واحد من المجلدات الضخمة المعروضة للبيع ، وهذا العقد ليس أهميته بسعره بل في أن كل من يرتديه ويعلقه برقبته سيتحول الى كائن غير مرئي ، وتلك هي الزبدة حيث سيلبس عم كامل العقد ويبدأ بتقديم الخدمات للفقراء وله ولعائلته بسحر القلادة التي ميزاتها تشبه ميزات عملاق القمقم الذي كلما مسحت رأسه ظهر لك أحد كائنات ألف ليلة وليلة ليلبي طلباتك ويأتيك بها حتى لو كانت بحلق الجن الأزرق .
سأترك الفلم الآن وأحلّ محل فريد شوقي بوصفي مالك تلك القلادة العجيبة وأرتديها وأطوف بها على دفتر الأمنيات المؤجلة . سأطير صوب بغداد العزيزة وأنزل بصالة القصر الجمهوري حيث يلتئم مجلس الحكومة كلها . سأطلب من الرؤساء والوزراء والنواب كتابة استقالاتهم والتهيؤ غداً للدخول الى أقفاص محاكم العدل والإحسان . سيضحك الجمع كله فأقوم بصفع كبيرهم الذي علمهم الخيانة والفساد على خده اليسار ، فيلتفت مندهشاً غير مصدق فأعاجله بصفعة على الخد اليمين ثم أسحله من ربطة عنقه وأسقطه أرضاً فتعج الصالة الفخمة بالضحك وبالرعب . سأرمي وجوههم بالطماطة والبيض ثم سأقفز فوق المائدة الطويلة وأركل مزهريات الورد وصحون الفاكهة وعلب المناديل وفايلات الورق والأقلام ، وهنا سيكون من المهم أن أخرج مسدسي وأطلق النار صوب الثريات المعلقة في السقف وفي الحوائط ، فيحدث البرهان العظيم وتكفهر الوجوه وتتبلل السراويل وتشتغل التعويذات والتوسلات والعويل .
سأرش عليهم شتائم لم يسمعوها من قبل أشفي بها قلوب الفقراء والمظلومين ، وسأصيح بأهل التلفزيونات والجرائد أن تعالوا الى بطن القاعة وصوروا هذا المشهد الرائع وضعوه بباب العواجل ، فتفعل الكاميرات وتسجل المايكرفونات وتتسود الدفاتر بأخبار وصور الفجيعة التي حلت بهؤلاء الذين لم يرحموا بشراً ولا شجراً ولا حجراً .
سأضحك ضحكة تتفطر لها حوائط القصر وتتطاير معها مياه دجلة العذب ، فتغسل الشوارع والمدائن والحدائق والقلوب ، وفي نشوة النصر المبارك أقوم بتأدية رقصة الفرج فتسقط القلادة من رقبتي فأظهر عليهم بشحمي ولحمي وكفشتي ولحيتي ، فأنحني وانزل الى ارض المرمر كي ألتقط عقد النجاة ، لكنني أفشل هذه المرة حيث صارت قلادة السحر والحل الآن برقبة صانع القهوة والشاي وتشريب الباميا الذي سيجلسني مجلس طمأنية وأمان ويقول لي :
علّوكي حبيبي شوف هسة أبو داعيك شراح يسوّي بيهم !!























