هل يصلح النجّار ما تمّ خلعه من أبواب سنجار ؟
مكي الغانم
تمكن العراقيون على اختلاف ديانهم ومذاهبهم وأعراقهم من تشكيل تركيبة مجتمعية شبه متجانسة لشعب ينسجم ويتناغم في اقامة حياة مشتركة اتسمت بالتسامح والقبول بالآخر منذ مئات السنين، رغم ما كان يشوب ذلك التناغم من شعور نسبي ومتناوب بشيء من المظلوميات أو الحيف لدى بعض المكونات العراقية، بفعل مباشر من سلوك منظومات الحكم السائدة في الحقب الزمنية المختلفة، الا أن الشعب العراقي ظل متماسك البنية ، صلداً تجاه التحديات الداخلية والخارجية، مستنداً في ذلك الى عوامل كثيرة منها أن الشعب العراقي موحد في اصوله وانحداراته القبلية بشكل عام، فنظرة افقية شاملة تكفي لتصور أن هناك الكثير من العشائر العراقية التي انشطرت تلقائيا بفعل التكاثر الطبيعي. لتمد بأذرع تواجدها الى مناطق شاسعة من العراق، تمتد من شماله الى جنوبه ، ثم تأثرت على مدى عمر تواجدها المكاني بتقاليد وأعراف بل وحتى بلغة أو لهجة أو مذهب منطقة تواجدها وبشكل كبير، لكن تلك الأذرع المتفرقة موضعيا ظلت تلتئم في محصلة بنيتها الاساسية بالانتماء الى القبيلة التي تضم الكثير من العشائر الأصغر عدداً وعدة، ولنا أن نسوق الأمثلة الكثيرة على ذلك فنهاك من القبائل العربية الكبيرة التي تضم أبناءً يقطنون الأطراف الشمالية لمدينة الموصل شمالاَ .. حتى الأطراف الجنوبية لمدينة البصرة جنوباً، ودون هذين الحدين الجغرافيين يوجد الكثير، فنذكر قبيلة شمر وقبيلة الجبور وقبيلة الجنابات وقبيلة العبيد كأمثلة فقط ، في اشارة الى منظومات مجتمعية كبيرة تنتشر في اغلب مناطق العراق ويدين أبناؤها بالولاء للمذهبين الرئيسيين .. كما أن عشائر أخرى تتشكل من خليط متجانس من اعراق مختلفة من عرب وتركمان وأكراد كما في عشائر البيات والنعيمات وبعض من عشائر ربيعة ، ناهيك عن عشرات الالاف من العوائل الكردية والتركمانية الاصل التي اختارت العيش في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب منذ عشرات كثيرة من السنين، وصارت تتحدث بلغتين أو أن الأجيال المتأخرة منها لم تعد تجيد سوى اللغة العربية، والعكس صحيح أيضا فقد اندمجت بعض العوائل العربية بمجتمعات تواجدها في شمال العراق وشماله الشرقي، وصارت تنطق اللغة الكردية أو التركمانية كلغة أولى، فتمكن الشعب العراقي من خلق صلات ووشائج بينية قلما تتوفر في شعوب الجوار الجغرافي، فقد انسجمت الكثير من مكوناته مع حاضنتها المجتمعية، وارتبطت الكثير من العوائل العراقية بحالات كثيرة ومتقادمة من حالات المصاهرة وتداخل الأنساب بين أبناء الاعراق والمذاهب المكونة لنسيجه العام، بل وتخطى اختلاف الأديان في حالات كثيرة ، بحكم التواجد المشترك للاديان المختلفة وسكن ابناؤها المتجاور ، فنشأت حالات تزاوج محدودة بين أبناء تلك الاديان.. وإن على مضض، ليس بسبب عامل اختلاف مجتمعي أو كراهية .. بل بسبب اختلاف التعاليم الدينية التي تعيق عقود الزواج بين أفراد من اديان مختلفة.
هذا هو الوصف المبسط لوحدة الشعب العراقي على مدى عشرات .. بل مئات السنين .. وبناءً على ذلك فأن العراق لم يعرف أي صراع عرقي أو طائفي واضح ، ناهيك عن أي نوع من أنواع الحرب الطائفية أو الأهلية بين مكوناته، حتى وصلت طلائع التوجه الطائفي الى العراق بعد عملية اسقاط النظام السابق على يد القوات المحتلة، وبعد تمكن ذاك التوجه من ادوات الحكم والسلطة الهشة، وبغية ادامة زخم سطوته على العامة عمدت تشكيلاتة السياسية المختلفة الى تبني المزيد من الشعارات الطائفية، والطرق العاطفية على موضوعة رد المظلوميات، وتمكنت من تكريس ذلك في تبني عملية سياسية تقوم على المحاصصة الطائفية، ثم تمادت وتحت تأثير اغراء شيطان السلطة في استخدام الشحن والتحشيد الطائفي واستعداء الآخر حتى وصل الامر الى الحرب الاهلية الطائفية عامي 2006 ــ 2007 وبذا ، وبعد أن تكبد العراقيون من مختلف المكونات خسائر كبيرة في الارواح والممتلكات، وبعد عمليات التهجير والتطهير العرقي المناطقي المحدود، نجحت الارادات الطائفية في التشبث بالسلطة وتمرير مخططات الاحتواء التام لبنية الدولة العراقية وحيازتها كملكية خاصة وحق مسترد. وبعد أن نجحت في خلق أكثر من فجوة عميقة بين مكونات المجتمع العراقي من جهة .. عملت على توسيع فجوة أخرى تمثلت في ابتعادها عن الشعب ، وانكماشها لتقبع في المنطقة الخضراء المحصنة والمؤَمَنة بكل وسائل الراحة والامان من جهةٍ اخرى، فيما أهملت مصالح الشعب عموماً، والمكونات الطائفية الداعمة لها خصوصاً، ومع كل ما جرى في العراق من فقر وجوع وحرمان .. وانهيار تام للخدمات والأمن ، وغياب تام لاسس العدالة المجتمعية في شؤون الحياة المختلفة، ورغم كل مظاهر النقمة التي تسود معظم الأوساط الشعبية على مدى مساحة العراق، الا أن زمام اللعبة الطائفية مازال بيد النخب السياسية التي ظلت تفتعل الاحداث والوقائع المختلفة من أجل ديمومة اختلاف المكونات، ومازال الكثير من الناس منساقين طائفيا بحسن نية أو بسواها، وهم لايتوعون عن ممارسة حصتهم أو ما تم رسمه لكي يتبنوه من مفارقات اللعبة السياسية العراقية البائسة.. حتى غدى البعض شريكاً متطوعاً في المناكفات السياسية .. وأسلوب التصيد الذي مارسته.. وتمارسه النخب السياسية المتنفذة.. وكنتيجة طبيعية لعمليات الشد الطائفي الموتور، واخفاقات الحكومة المتتالية في بناء دولة المواطنة.. ودولة المؤسسات بديلا عن دولة المحاصصة الطائفية والعرقية التي فتتت المجتمع، ونخرت الجسد العراقي، الذي صار صيدا سهلا لمن يتقن اقتناص الطرائد من الارهابيين، ثم وضعته أخيرا على خشبة مقصلة قطعان من الاوباش الغرباء من الجماعات التكفيرية العالمية الضالة التي تمكنت بحرفية عالية من ركوب موجة الغضب الجماهيري العارم في مناطق غرب وشمال غرب العراق، والذي يستند الى الكثير من المظالم المشروعة التي يشعر بها المكون السني أسوة ببقية المكونات العراقية الاخرى بما فيها المكون الشيعي الذي يعتبر العمود الفقري لمنظومة الحكم الحالية.. ومظالم مشروعة اخرى تخص أبناء المكون السني دون غيره..اضافة الى مطالبات انفعالية وتعجيزية تصاعدت سقوفها بتقادم الزمن نتيجة الاهمال الحكومي المستمر، وعدم الاصغاء أوالرغبة في ايجاد الحلول ..
لم يعد بأمكان أحد الا أن يعترف بخطورة الوضع في العراق .. وأن تلك المخاطر تزداد وتتمادى بمرور الوقت.. لتشكل تهديداُ حاسما لوجود العراق برمته بعد أن تجاوزت حدود الخلاف التكتيكي الذي يمارسه السياسيون على اساس من صنع الازمة والتخفي خلفها .. والقاء التهم واللوم على الاخر من أجل الحصول على مكاسب سياسية أفضل في مقابل تهميش وافصاء الاخر أكثر.. وأكثر، لكن مسارات اللعبة قد تغيرت الان تماما، بعد أن انقلب السحر على الساحر، وبعد أن خرج عفريت الطائفية المدجن عن السيطرة، وصار غولا خطيرا بما يتخطى قدرات القادة السياسيين على احتوائهِ ، مثلما يتخطى مناورات الاختلاف أو الاتفاق على المناصب الرئاسية.. وكل مفردات العملية السياسية رغم اصرار الكثيرين على الانشغال بها أكثر من انشغالهم بالكارثة الوطنية والانسانية التي يسببها عفريت ” داعش ” المتوحش الذي عاث في الأرض فساداً، بارتكابه لأكثر الجرائم وحشية على مدى التاريخ الموثق، معلنا دون خوف أو وجل عن اقامته لدولة الموت والرعب التي تتوعد الجميع بالابادة .. ولا فرق بين سني وشيعي .. عربي وكردي وتركماني .. مسيحي وصابئي وايزيدي .. لان ما جرى في الموصل وصلاح الدين من دمار وقتل بلا رحمة للمدنيين والاسرى من جميع المكونات دون تمييز، واضطهاد للاقليات الدينية والعرقية خلال الشهرين الماضيين .. وأن ما يجري الان في سنجار من عمليات قتل وتهجير وابادة جماعية ، يعني أن العراق يقف على الحافة الحادة لهاوية سحيقة، وربما ستحمل لنا الأيام أخباراً وصوراً مروعة من مخمور أوغيرها بما يفوق قدرات العقل الانساني على تصوره أو تصديقه ..
وبعيداً عن ما تركز عليه بعض وسائل الدعاية والاعلام البائس من التركيز على الممارسات الوحشية التي تقوم بها ” داعش ” ضد سكان المناطق المحتلة بغية اثارة الرأي العام المحلي والدولي ضد هذا الوحش المتغطرس، وتنسى أن مسؤولية حماية السكان هي من مسؤولية الدولة المترنحة تحت وقع مطرقة الخلافات والصراع السلطوي، وبعيدا أيضا عن كل ما تروج له وسائل الاعلام تلك من انتصارات موضعية ليس لها أية قيمة ستراتيجية على أرض الواقع، في مقابل قدرة ” داعش ” على المناورة السريعة ونقل خطوط المعركة من جبهة الى أخرى بسهولة.. ولكي لا يصنف كلامي هذا على سبيل نشر الاحباط أو هدم الروح المعنوية للشعب من جهة اخرى .. فأني أشدد وجوب التحسب العالي .. والتهيئة الضرورية لمواجهة واقع ناشز أصاب الجبهة الداخلية بالتمزق والتشرذم.. من خلال اعادة اللحمة الوطنية العراقية الى سابق عهدها وتعزيزها بأجراء تعديلات كبيرة على الدستور والعملية السياسية.. والابتعاد بهما وبمجمل السلوك الرسمي والشعبي الرديف عن النهج الطائفي والمفاضلة العرقية .. واعتماد مبدأ المواطنة الصالحة معيارا وحيدا.. والارتقاء فوق شهوة السلطة أو التسلط .. والعمى العاطفي والطائفي.. والتزود بأسباب القوة الواعية والاعداد العاقل، بعد أن نعترف بهزيمة جانب مهم من القوات العراقية، وهشاشة بنية المؤسسة العسكرية العراقية بشقيها المتمثلين بالقوات الاتحادية وقوات حماية الاقليم وما تمخض عنها من فشل في مواجهة مجموعات ارهابية محدودة، واعتبار ذلك الفشل مثالا يعتد به للتدليل على الفشل الكبير في اعادة تشكيل الدولة العراقية بمؤسساتها المختلفة وبنيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تم تمزيقها بعد الغزو الامريكي عمداً .. خاصة اذا ما تحلى الجميع بالشجاعة على الاعتراف أن ” داعش ” تمتلك زمام المبادرة الآن .. وربما ستطور مبادرتها مع الايام .. في مقابل مراوحة .. وتخبط .. وتراجعات موقعية .. أو تقدم محدود للقوات العراقية هنا او هناك ..
الأمر جدُ خطير .. وعلى الجميع ان يتحمل مسؤوليته التاريخية في احداث تغييرات جذرية في مجمل التركيبة السائدة، ثم ينطلق منها لطلب المشورة والدعم من الدول الصديقة والساندة.. وحتى يحين ذلك نبقى تحت وطأة التساؤلات.. ــ هل بأمكان القيادات السياسية الحالية أن تنزع جلدتها البالية ، لترتدي أثواب الوطن .. ؟
ــ وهل يُصلح النجار ما تم خلعه من أبواب سنجار ؟























