نعمة الظلام – فيصل جاسم العايش

كلام * كلام

نعمة الظلام – فيصل جاسم العايش

 

لا يحتاج الظلام الى دليل لكي يثبت أنه ظلام ، فكيف الا اذا ققد الانسان قدرته على البصر ولم يعد بمقدوره ان يرى شيئاً سوى هذا الظلام الذي يحيط به من كل جانب . أن نعمة البصر لايعرفها الا الذي فقدها فهو يتحسس الاشياء بطريقة اعتاد عليها لكي يستطيع ان يتخليها ويتخيل معها شكلها وحجمها ومساحتها وما هيتها ، وهذا الاعتياد يغنيه عن الرؤية البصرية للموجودات المحيطة به ، لأنه يرى الاشياء لا من خلال عينيه بل من خلال حواس اخرى أهمها حاسة اللمس مضيفاً اليها قدرته على الخيال ، ولقد أتحفنا على مر العصور عدد من فاقدي نعمة البصر بانجازات أدبية خلاقة ربما يعجز عنها الكثيرون ممن يمتلكون قدرة البصر ، وأول ما يتبادر الى الذهن ذلك الشاعر الكبير ابو العلاء المعري الذي كان يرى بكل حواسه ما عدا حاسة البصر ، فقدم لنا من الشعرما زلنا حتى يومنا هذا نعجب به وبرقيّه الفني والبلاغي وكأنه كان يصف العالم لنا من خلال قلبه وعقله واستشراقه لرؤية الاشياء ببصيرة فذة لا ببصر نافذ !

في بيت شعري له يقول:

تحطمنا الايام حتى كاننا

                                                  جاج ولكن لايعاد له سبك

ترى من اعلم هذا الضرير ماهية الزجاج وشكله وطريقة صنعه ، وكيف انه اذا تكسر يصبح من غير الممكن اعادته الى حالته الاولى قبل ان ينكسر وكيف استطاع ان يوائم بين حالتي تحطيم الايام للانسان وتماثلها مع تحطم الزجاج .

 لولا تلك البصيرة الخلاقة المبدعة ، وليس ببعيد عنا عميد الادب العربي طه حسين الذي قدّم للمكتبة العربية ابداعاً ادبياً ونقدياً وتاريخياً لا يضاهى بل وفاق في كل ما قدمه من ابحاث في تاريخ الادب العربي مالم يستطع مجايلوه تقديمه من بحوث ودراسات ، ولنا ايضاً امثلة كثيرة مثل محمد مهدي البصير الذي تخرجت على يديه اجيال من الطلبة والباحثين وهو يقود الدرس الاكاديمي الجامعي بكل ما تنطوي عليه من صعوبات ، ان هؤلاء امثلة على تحدي الانسان لفقدانه نعمة من نعم الحياة وهي نعمة البصر ، فأستعاض عنها بنعمة البصيرة التي قادته لأن يكون في صفوف المتقدمين من المبدعين .