مَنْ هم بناة الأوطان؟ – جليل وادي

كلام أبيض

مَنْ هم بناة الأوطان؟ – جليل وادي

 

بناة الاوطان .. اولئك الذين يؤمنون حقا بالديمقراطية، الذين يفترض ان تكون نفوسهم وعقولهم مشبعة بمضامينها المستنيرة، الذين يكافحون من أجل تطبيق آلياتها الحقيقية التي تتيح الفرصة للأكفاء الوصول الى دوائر صنع القرار.

بناة الاوطان .. لن ينحو بالديمقراطية الى مسارات تغلق الأبواب أمام غيرهم، ولن يرفعوها شعارا ويمارسون تحتها شتى مضامين الدكتاتورية، وأولها ان يسن مَنْ يتسيّد المشهد القوانين والانظمة والضوابط التي تحافظ على مكانته ومكتسباته الضيقة . فذلك ليس من الديمقراطية بشيء البتة، بل هي ديمقراطية زائفة من نتائجها الخراب، وتشويه صورة هذا النظام السامي في أذهان الناس الذين قاسوا من أجله واقعا مرا، وبذلوا للوصول اليه أثماناً باهظة، ويتطلعون اليوم الى جني ثماره.

واذا كان الانسان منحازا بطبعه لمصالحه، فذلك لا ينطبق على البناة الحقيقيين الذين ينتصرون لرقي مجتمعاتهم حتى وان أدى ذلك الى التضحية بحياتهم، فالوطن والمباديء يستحقان ذلك، ولابد من وضعهما في الضمائر وحدقات العيون، وفي مسيرة الانسانية علامات مضيئة مازالت شاخصة أمام الابصار.

وفي تجربتنا الديمقراطية – التي حلمنا من خلالها بعراق جديد بلا ظلم او استحواذ او اقصاء او تهميش، بعراق يسوده السلام والمواطنة، بعراق يؤسس بطريقة علمية لتنمية تنقله من حالة التخلف الى ما بلغته المجتمعات من حولنا – يحق للناس ان تسأل عما تحقق لها من الديمقراطية التي يشمر البعض عن سواعده دفاعا عنها في كل محفل يتاح له فيه الحديث.

ومع أن اسباب تعثر تجربتنا الديمقراطية شتى ، لكن أبرزها ان رعاتها المحليين لا يتوفرون على ايمان بها، وان ما يتبجحون به من أقوال لا تعدو سوى ثقافة زائفة، وان نواياهم في العلاقة مع الشركاء مبيتة وغير سليمة، وهذه ليست وليدة اليوم، بل منذ مؤتمرات المعارضة، وتجسدت جلية في الدستور، وعندما يكون الحال بهذا الشكل لا يمكن له ان ينتج تجربة متينة، فلا غرابة ان تعج السنوات الماضية بالصراعات والأزمات واجواء عدم الثقة واستشراء الفساد، لانهم أرادوا الوصول الى السلطة وليس بناء نموذج . فالجميع من دون استثناء خانوا الديمقراطية، وغدروا بمن منحهم الثقة بالعمل على ارساء نظام ديمقراطي يحقق تداولا سلميا للسلطة، وفي النهاية بلد تسوده العدالة الاجتماعية، وتُكفل فيه الحريات الشخصية والعامة، وتُعتمد المواطنة معيارا في التعامل مع المواطنين.

وكنا نظن ان حداثة التجربة تفرز بعض الاخطاء، وان بين رعاتها من يحرص على تشخيصها لمعالجتها، لكن تبين ان الغالبية تعرف الخطأ وتمعن فيه، بل وتدرك عواقبه المدمرة، ولم نجد تبريرا منطقيا للاصرار على الخطأ سوى الطمع في المكاسب الشخصية والطائفية والقومية، والا بماذا نفسر استماتة أعضاء البرلمان دفاعا عن المحاصصة الحزبية في تشكيل مفوضية الانتخابات التي عينوا لها لجنة خبراء من بينهم لاختيار أعضائها، بينما رفضوا ان يتولى القضاء الاشراف على الانتخابات لضمان نزاهتها؟ ولم يحصد خيار القضاء سوى خمسين صوتا، ما أفشله، بينما يراد به تصحيح مسيرة خاطئة، وأجزم ان أي خيار غيره سيُبقى الحال على هذا المنوال كما يُقال، فالاخوان يريدون مفوضية يتحكمون بها على هواهم ويتقاسمون من خلالها مقاعد البرلمان المقبل، ولو كان لجهة ان تنفرد بهذه المكتسبات لانفردت من دون تردد، لكن الواقع لا يسمح بذلك، وعلى مضض يقبلون بمشاركة أخوان الأمس وأعداء اليوم، فلم يعد لنكران الذات مكان في قاموسهم السياسي، ولا روح وطنية تدعوهم لتفكير مخلص بكيفية انتشالنا من هذه المحنة التي طال أمدها.

أعرف ان أي مقترح يتعارض مع مصالحهم يجابه بالرفض الشديد، ولكن من غير المنطقي ان يظل البرلمانيون يشرعون لأنفسهم ما يروق لهم سواء ما تعلق منها بالانتخابات أم مما له صلة بمصالحهم، فالاخوة لم يصلوا بعد سن الرشد الديمقراطي، وبحاجة الى وصاية من القضاء، لعل في ذلك تتغير أقدارنا.

ديالى