مهلا أيتها الأحزان – ناجح صالح

 مهلا أيتها الأحزان – ناجح صالح

 

كلما مضت بنا السنون وتقدم بنا العمر ازدادت المخاوف وتراكمت الأحزان وبدت لنا الحياة كأنما فقدت بهجتها وجمالها وسحرها، فها هم الأحبة والخلان يفارقوننا واحدا بعد الآخر، زحفت عليهم الشيخوخة وأتعبهم المرض وكثرت الهموم من حولهم، ثم حان الأجل ليسكت فيهم نبضهم .

وهكذا هي مسيرة الحياة لا بد لها من نهاية .. النهاية الموسومة بالموت، قدرنا جميعا فلا مفر منه، الا أننا ننسى أو نغفل هذه الحقيقة المروعة، ولعل في النسيان أحيانا نعمة لا يستهان بها، اذ به وحده يمكن للمرء أن يزيح عن نفسه ذلك العناء الذي يلتصق به بعد حادث مفجع .

انه لولا النسيان لضاقت علينا دنيانا ونظل نبكي دما بدلا من الدموع .

حينما تنتابنا موجة الأحزان فان احساسنا بها يتباين بين فرد لآخر، ذلك أننا حينما نفقد أبا أو أما وهما ما عليه من القدسية فالحزن يعطينا بعدا خاصا، أما اذا فقدنا أخا أو أختا فوقع الحزن أكثر ايلاما وجرحا .

لقد عاش الأبوان زمنا طويلا حتى تجاوزا مرحلة الشيخوخة فجاءهما المرض ليجعل حياتهما شقاء فكان الموت أرحم لهما.

أما الأشقاء فهم توائم الروح، فاذا ما فارق أحدهم الحياة فانه ضربة قاصمة لظهورنا، نتعذب العذاب المر لفراقهم .

تصعب علينا فاجعة الموت بأخ أو أخت لاسيما اذا كانا في ريعان الشباب ولهما الطموح في مسرات الحياة .

أجل يصعب علينا بل ويشق علينا فراقهما حينئذ، اننا لن نكون سعداء والذكريات تتراكم علينا من كل جانب، ذكريات طويلة بما فيها عهد الطفولة جمعتنا في دار واحدة وبقلوب منشرحة سعيدة، فكلما غربت شمس تجددت الذكرى وكلما أشرقت ازداد الشوق، فنستذكر شعر الخنساء في رثاء أخيها وهي تقول :

يذكرني طلوع الشمس صخرا وأذكره لكل غروب شمس

وفي بيت آخر تقول :

فلولا كثرة الباكين من حولي على أخوانهم لقتلت نفسي

ماذا يمكن أن نقول أيضا، انها حكمة الله وقدره فينا جميعا، فهل نجزع جزعا قاتلا ؟ لا، ان الله خالق الموت والحياة فلا بد أن نستسلم لقضائه، لكنها النفس تأبى الا أن تحزن وتذرف الدموع على فراق الأحبة الذين طواهم الموت تحت جناحيه.

حقا ان الحياة تقسو علينا أحيانا القسوة التي تثير فينا الأحزان حينما تأخذ منا اخواننا أو أبناءنا، غير أننا اذا راجعنا أنفسنا بالعقل وحده دون غيره وجدنا أن الذي وهبنا الحياة يسترد منا الحياة متى ما يشاء، فهل يجدي الاعتراض على أمر الله ؟

كركوك