
الإعلام في مجتمعات ما بعد الصناعة
من الإحتكارات إلى الإمبراطوريات الإقتصادية – سعد كاظم الطائي
مدخــل
اصبح الاعلام في العصر الحالي (صناعة) متكاملة حالها حال بقية الصناعات الاخرى، فلهذه الصناعة اقتصادياتها وقواها العاملة وميزانيتها الضخمة وارباحها التي باتت تتصاعد بين سنة واخرى.
ولا تقل اهمية قطاع الاعلام الاقتصادية عن اهمية أي قطاع اقتصادي اخر في مجتمعات ما بعد الصناعة، وقد وصلت وسائل الاعلام في هذه المجتمعات الى امكانيات كبيرة ونفوذ واسع مكنها أن تكون سلطة بحد ذاتها لها ادوارها السياسية والاقتصادية والثقافية والمعلوماتية والاجتماعية والترفيهية.
واصبحت تشكل حاجة ضرورية لأفراد المجتمع مما يجعلها بموضع لا يمكن الاستغناء عنها في هذه المجتمعات.
صناعة الاعلام قطاع حيوي في اقتصاديات مجتمعات ما بعد الصناعة: باتت صناعة الاعلام في هذه المجتمعات صناعة متعاظمة الأدوار والامكانيات. ومما زاد في امكانيات وقوة وسائل الاعلام اندماج العمل الاعلامي مع التكنولوجيا ورؤوس الاموال وصناعة الترفيه لتشكل كياناً رأسمالياً ضخما له ثقله في هذه المجتمعات وله مميزاته الخاصة وقد اطلق على هذا الكيان قطاع الاتصالات المعلوماتي الترفيهيInfotainment Telesector ) ) وقد قدرت اجمالي معاملات صناعة الاتصالات في العالم لسنة 2000 بحوالي الفي مليار دولار، أي ما يعادل 10 بالمئة من التجارة العالمية.
وازدادت مكانة قطاع الاتصالات المعلوماتي الترفيهي في اقتصاديات هذه الدول، وذلك لما لها من ارباح كبيرة ومتزايدة دفعت الكثير من الشركات للاستثمار في هذا القطاع المربح.ففي الولايات المتحدة مثلا قدر رأسمال صناعة الاذاعة والتلفزيون بنحو 50 مليار دولار لسنة 1995 حققت في الشهور العشرة الاولى من السنة 15 مليار دولار.
وقد ازدادت اعداد القوى العاملة في قطاع الاعلام في العالم بشكل كبير، فقد بلغ اجمالي عدد العاملين في هذا القطاع في اوربا اربعة ملايين شخص في سنة 2005.
من هنا يتبين لنا ما لهذه الصناعة (صناعة الاعلام) من دور مهم ومتزايد في اقتصاديات هذه المجتمعات، وذلك بسبب ميزانياتها الضخمة وما تستوعبه من من قوى عاملة كبيرة وما تحققه من ارباح متصاعدة باستمرار تضاهي بقية الصناعات الاخرى في اقتصاديات مجتمعات ما بعد الصناعة.
دور الإعلانات في اقتصاديات الإعلام في مجتمعات ما بعد الصناعة
مورد أم مقود؟
تعد الأعلانات المورد الرئيسي لمعظم وسائل الإعلام، فهي تدر أرباحا كبيرة وتجعل منها أداة لا استغناء عنها لهذه الوسائل.
والأعلانات تؤدي وظيفة اقتصادية مزدوجة فهي وسيلة مهمة للشركات المنتجة لتسويق بضائعها وتعريف الجمهور بها من اجل حثهم على شرائها لغرض تصريفها، وفي الوقت نفسه تؤمن الاعلانات المصدر الرئيسي لأرباح وسائل الاعلام.
ولأهمية دور الاعلانات المتزايد للشركات في تعريف الجمهور بمنتجاتها، فقد اكتسحت الاعلانات التجارية معظم وسائل الاعلام بمختلف اشكالها، فهي تقدم يوميا مئات الاعلانات التي تدعو الجمهور لاستهلاك مختلف انواع البضائع من الضرورية الى المهمة الى الاقل اهمية انتهاءاً بالكماليات والسلع ذات الترف الكبير.
الامر الذي طبع وسائل الاعلام بالطابع التجاري وجعل منها الوسيلة الرئيسة لاستهلاك بضائعها وخدماتها.
ووصلت المبالغ المصروفة على الاعلانات التجارية في وسائل الاعلام المختلفة الى ارقام ضخمة جداً، فكلما كانت حملات الاعلانات اكثر انتشارا ووصولا لجماهير كبيرة من الناس كانت احتمالات الشراء من قبلهم اكثر ومن ثم كانت فرص الارباح اكبر واعلى. مما جعل ارباح وسائل الاعلام تتضاعف باستمرار وللتدليل على ذلك فان قيمة الاعلانات المصروفة من قبل الشركات العشرة الاولى المعلنة في الولايات المتحدة في شبكات التلفاز والصحافة بلغت سنة 1999 ما يقرب من عشرة مليارات دولار.
تصدرتها شركة جنرال الكترك اذ بلغت قيمة الاعلانات التي صرفتها هذه الشركة في شبكات التلفاز 9ر887 مليون دولار، فيما بلغت قيمة الاعلانات التي صرفتها في الصحف 3ر501 مليون دولار، اما قيمة الاعلانات التي صرفتها الشركة في المجلات فقد بلغت 9ر501 مليون دولار.
من هنا يتبين لنا ضخامة الايرادات التي تحصل عليها وسائل الاعلام وما تحدثه من تأثيرات عميقة من قبل الشركات المنتجة على توجهات ومواقف وسائل الاعلام، وذلك لما تشكله من مورد مهم لوسائل الاعلام، وبالشكل الذي يؤثر على حياديتها في نقل الاحداث وتناول القضايا المختلفة.
فافرغت الكثير من وسائل الاعلام من المضامين التي تحمل الحقيقة وتنهض بواقع الجمهور وتخدم قضاياه، واصبحت اداة في خدمة الممولين والمعلنين في وسائل الاعلام والترويج لاهدافهم وغاياتهم الربحية. وبما اثر سلباً بالنتيجة على مصداقية وحيادية الكثير من هذه الوسائل. الأمر الذي حوّل وسائل الاعلام في هذه المجتمعات من وظائفها التقليدية الى ان تكون وسيلة لتحقيق اقصى غايات الربح المالي وافرغت من مضامينها الثقافية والتعليمية والاعلامية وطبعت الكثير من مواد وبرامج وسائل الاعلام بالطابع التجاري الذي يحقق لها المردودات المالية الكبيرة على حساب قيمة ومضامين هذه المواد.
اقتصاديات الاعلام من الوطنية الى العالمية:امبراطوريات اعلامية ومجموعات اخطبوطية
تشهد الساحة الاعلامية العالمية عمليات كبيرة بين مختلف الشركات الاعلامية ليس على صعيد الدولة الواحدة فقط وانما امتدت لتشمل مختلف دول العالم،ولتشكل سلسلة كبيرة على نطاق العالم.فضلا عن ذلك فان الساحة الاعلامية شهدت في الوقت نفسه عمليات دمج مستمرة بين اشكال وسائل الاعلام المختلفة (الصحافة، الراديو ، التلفاز ، والانترنت)لتجتمع في مصدر واحد وتنطلق من المنطلقات نفسها، بعد ان كانت رؤاها وتناولها للموضوعات تتباين من وسيلة الى الى اخرى بفعل امتلاكها وتمويلها وتوجيهها من مؤسسات متعددة.
وطبعت الكثير من الرسائل الاعلامية المتعددة لوسائل الاعلام المختلفة بنفس الطابع وذات الاتجاه الذي يتماشى مع توجهات مالك او ممول هذه الوسائل.
واصبحت منطلقات رسائلها الاعلامية لا تختلف بين وسيلة واخرى مما ابعد وسائل الاعلام عن التعددية والتنوع في طرح القضايا والموضوعات وتعدد توجهات تناولها واضفى عليها صبغة واحدة او لون واحد او اتجاه معين.
واستطاعت الشركات الاعلامية توظيف التطورات المتلاحقة في تكنولوجيا وسائل الاتصال لخدمة اهدافها بالشكل الذي يوصلها الى اكبر عدد ممكن من قطاعات الجمهور في العالم.
وجاءت الثورة الرقمية في مجال وسائل الاتصال لتسهل عملية جمع اشكال الاتصال المعروفة وهي الكتابة والصوت والصورة بوسيلة اتصال شاملة ومباشرة ومنخفضة التكاليف الى حد ما وممتدة حول ارجاء العالم وهي شبكة المعلومات العالمية (الانترنت) ولتتحول وسائل الاعلام شيئا فشيئا الى الفضاء الالكتروني العالمي وتزداد مديات وصولها الى مختلف دول العالم وتزداد في الوقت نفسه مستويات التقنيات المتطورة المستخدمة في العمل الاعلامي، الأمر الذي اوجب على العاملين في المجال الاعلامي تطوير امكاناتهم ومهاراتهم بالشكل الذي يتماشى مع الثورة الرقمية وما يشهده العالم من تطورات متلاحقة ومتسارعة في هذا المجال .
واصبحت توجهات الاعلام العالمي تخضع لرغبات كارتلات اعلامية عالمية ضخمة توجهه بالشكل والطريقة التي ترتئيها. ومما زاد من الاختلال الاعلامي الذي تشهده الساحة الاعلامية العالمية وبشكل فائق جداً.
وازدادت بشكل متلاحق عمليات الدمج بين الشركات المالكة لوسائل الاعلام المختلفة لتشكل بذلك قوى متعاظمة القدرات بما ضمته من رؤوس اموال ضخمة وامكانات فنية واعلامية وتقنية وحرفية كبيرة جداً. وللمثال على ذلك بلغت الميزانية الناتجة عن اندماج شركتي (تايم وارنر واي اوال) في شركة واحدة 7ر36 مليار دولار. فيما بلغت الميزانية الناتجة عن اندماج شركتي (سي بي اس وفياكوم) في شركة واحدة 7ر10 مليار دولار. والميزانية الناتجة عن اندماج شركتي (أي تي وتي ) في شركة واحدة 9ر9 مليار دولار. وبلغت ميزانية اندماج شركتي (دزني واي بي سي) 5ر7 مليار دولار. وميزانية شركتي (جي أي وان بي سي) 5ر7 مليار دولار.
من هنا يتضح لنا حجم رؤوس الأموال الضخمة المستثمرة في العمل الاعلامي في هذه الاقتصاديات، وما تقوم به من ادوار اقتصادية كبيرة في هذه المجتمعات.
إكتساح اقتصادي وغزو ثقافي:
باتت تتداخل في العملية الاعلامية في اقتصاديات مجتمعات ما بعد الصناعة مجموعة من العوامل المتشابكة مثل متطلبات السوق واليات الاقتصاد الرأسمالي والاهداف الربحية وخصوصية المنتجات الاعلامية وما تشكله وتحتويه من مضامين ثقافية تحمل قيما ومعاني وعادات واشكالا للسلوك وانماطا للحياة تميز المجتمعات التي انتجت فيها.
وقد استغلت بعض الشركات المنتجة الاعلام اسوأ استغلال لتحقيق غاياتها في تحصيل اقصى غايات الربح المالي على حساب مضمون وقيمة المنتج الاعلامي الذي تصنعه.
وعملت على ايجاد منافذ مستمرة ومتجددة لمنتجاتها الاعلامية في الاسواق العالمية، ساعية للحصول على فرص الربح بمختلف الوسائل بصرف النظر عن محتوى وقيمة هذه المنتجات ومدى فائدتها لأفراد الجمهور المستقبل لها.
ورجحت اهداف الربحية على حساب الوظائف المهمة التي تقوم بها وسائل الاعلام في التثقيف والاعلام والتعليم ورفع مستويات وعي الجمهور وغيبت هذه الوظائف بما انعكس سلباً بالنتيجة على مستوى اذواق وثقافة وعادات وقيم الجمهور المتعرض لهذه البرامج والمواد الاعلامية، وادى الى قولبة الكثير من رغبات واذواق جمهور وسائل الاعلام في العالم بتوجهات متقاربة مع ما تروج له هذه الوسائل.
ووجهت رغبات الجمهور الى الاستهلاك المفرط والسطحية في تناول الامور والقضايا المختلفة وتغليب الغرائز والنزعات السلبية وتسويق الاذواق.
واصبحت المواد الثقافية سلعاً للبيع والشراء في سوق ضخمة لا تعرف غير لغة المال اداة للتفاهم.
وتمكنت مجموعة من الشركات الاعلامية العالمية من السيطرة على هذه السوق بما جلب لها الارباح الكبيرة على حساب الدول المستوردة لهذه السلع والمنتجات الاعلامية.
وسيطرت على السوق الاعلامية العالمية المنتجات الامريكية والغربية وبما ادى الى غزو ثقافي واعلامي شمل معظم دول العالم.
وشهدت هذه المنتجات تصاعدا مستمرا في اكتساحها للسوق، الأمر الذي قاد الى تحقيق مزايا مزدوجة لها سواء من الناحية الاقتصادية بما تمثله من جني ارباح ضخمة متزايدة الارتفاع او من الناحية الثقافية في نشر الانماط والاساليب الفكرية والثقافية الامريكية والغربية بين مختلف شعوب العالم والسعي لجعلها انماطاً يقتدى بها .
وقد ادى ذلك الى حد كبير في تنميط السوق الاعلامية العالمية تماشياً مع هذه المنتجات وبالشكل الذي أثر في تشكيل اذواق قطاعات واسعة من فئات الجمهور المتعرض لهذه المواد في مختلف دول العالم ,وجعلها عرضة لغــــزوات ثقافية مختلفة الاشكال والمراحل ,نجحت في التأثير على ثقافات العديد من المجتمعات في العالم وأعادة تشكيل البعـــــــض بدرجة او اخرى تماشيا مع الثقافات الغربية .
نخلص الى ان اقتصاديات الاعلام العالمية اصبحت متعاظمة النفوذ والتاثير في النواحي الاقتصادية والثقافية والاجتماعية لمختلف دول العالم وذلك بفعل الامكانات والقدرات المتعاظمة التي باتت تملكها والتي جعلت منها وسائل متزايدة الاهمية في المجتمعات الحديثة.























