مشاهدات من عاصمة الثقافة 2
عوّاد ناصر
كان ضباط الجوازات في مطار أربيل، حيث هبط الطائرة النمساوية، على غاية اللطف
كانوا لطيفين حتى في الشكل والمظهر، وكأنهم ما كانوا سليلي الحروب الشوفينية ضد وطنهم، ولا أولئك الأطفال الذين رضعوا دخان الإبادة والمحو مع حليب أمهاتهم.
استقبلني الصديق الكاتب والإعلامي زهير الجزائري عند باب الباب المطار ليصحبني إلى شقته، في عنكاوة، بكرم الصداقة القديمة، الماثلة، فشعرت بأنني في بيتي.
مساء تجولت وحدي في الشارع الرئيس للمدينة. دخلت دكاناً للبقالية تديره سيدة مسيحية في مبكر ستينات عمرها، وبلا مقدمات سألتني عن أحوال بغداد، التي لم أبلغها، بعد، ولن أبلغها، بعد أن عرفت أنني عربي.
بروح مسيحية مفعمة بالسلام والتسامح عبرت عن أحلامها الإنسانية بوطن خال من الاحتلال والعنف والفساد والتفريعات الكبرى والصغرى لكل ما حدث ويحدث.
أسماء المحلات والفنادق كتبت كلها، تقريباً، باللغة الكردية، أو الإنكليزية، أما العربية فإلى تغييب طبيعي ومقصود، فالمدينة لم تزل في حيز ردة الفعل على جرائم الحكام العرب الذين أذاقوها مرارات لا تحصى، لكن الخروج من دائرة ردة الفعل سيقتصي دهوراً مقبلة.. لا أريد لهذه المدينة الكردية، وأخواتها المنكوبات، أن تقابل شوفينية الحكام بشوفينية الحياة اليومية.
في بغداد، التي تتوهم بأنها ستكون عاصمة للثقافة العربية، لم أجد أي مظهر ثقافي.
ندوة، هنا، وأخرى هناك، وكأن المدينة لم تغادرها قناعاتها القديمة ولم يشملها أي تغيير أو تحول، كأنها تصر على خرابها العمراني والروحي، بل هي في أشد لحظاتها التاريخية حلكة وغباراً وتقهقراً في جميع الميادين.
إن صياح مليون ديك لن يصنع فجراً واحداً.
هل يقبل المثقفون العراقيون بأن تختزل ثقافتهم العريقة بشارع واحد، مضطرب وكئيب، مثل قلب عليل، لكنه ما يزال ينبض ولا يعرف متى سيتوقف.. أعني شارع المتنبي.
باعة الكتب في هذا الشارع حراس متعبون لثقافة غاربة.. الواحد منهم شبح من أوراق صفر يدفع بما تبقى من طاقته ليقف على قدميه ويرد على الطلبات المتنوعة من أغاثا كريستي إلى كراسات البرمجة الإلكترونية، ولأن السنة الدراسية قد بدأت للتو فالقرطاسية والكتب المدرسية بارزة للعيان.
سألت عن كتابين، أو أكثر، أحتاجهما.. كنت اقتنيتهما مرتين من هذا الشارع نفسه، قبل سنوات، لكنهما ضاعا في تواتر الرحيل والحقائب والاستعارات التي لا يعيدها الأصدقاء الأمواج و القارئ العادي لفرجينيا وولف، ثم أضاف بائع الكتب ثالثاً المنار من منشورات الهلال المصرية.
سأحضرهما لك الجمعة المقبل، لكنني سأكون مغادراً، كما حدث في المرة السابقة.
التقيت أصدقاء وأصحاب الكار نفسه لم ألتقهم منذ سنوات بعيدة، ويسلم علي أصدقاء لا أعرفهم، ويتحرشون بذاكرتي فلا تستجيب، أحدهم يحفظ لي مقاطع شعرية من قصائدي السبعينية، فأشعر بالحرج والخجل والزهو معاً.
في أصبوحة ملتقى الخميس الإبداعي بمبنى اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، استعدت الكثير من ثقتي بنفسي التي أوشكت أفقدها في مغترباتي، فالحضور يملأ القاعة، مع شعور بالضيق جراء غياب أصدقاء وزملاء شعراء ونقاد ومتابعين وإعلاميين توقعت حضورهم ولم يحضروا الأعذار جاهزة، دائماً
لكن حفاوة من نوع آخر غمرتني بحنان مفقود، هي حفاوة من حضروا وعقبوا واحتفوا بصديقهم الشاعر القادم من وراء البحار.. شكرا لهم.
ظاهرة افتقدت وجوهاً وأسماء أدباء معروفين كان أصحابها من المواظبين على حضور أربعاءات الاتحاد القديمة، في سبعينات الثقافة العراقية، فمنهم من رحل عن دنيانا ومنهم من اغترب ومنهم من انزوى، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً.
الأدباء المعروفون ممن يحضر نشاطات الاتحاد نادرون جداً، أو ينعدمون، للأسف، هذه الأيام.
ويحدثونك عن عاصمة للثقافة العربية
AZP09























