لِلأذْكيَاء فَقطْ …‪!!‬

عبدالحق بن رحمون

تعدَّدت السخرية والحكايات الساذجة من أنواع الذكاء، بحسب الجنسيات والعقليات، وأيضا باختلاف الذكاء من خارطة إلى أخرى.

وحيثما وجد العقل البشري  ثمة بحث، وانتظار لظهور البرمجيات الحديثة، لتكون بديلاً. ومن هنا أصبحنا مثل فئران المُختبر، لكن في نهاية الحصيلة، يجد هذا الإنسان نفسه يستهلك وجبات سريعة، وبذلك صار يعاني الاجترار والنعاس والتقليد البليد.

تلك صور عابرة للقارات، تستعيدها نكث صادمة، وترويها أحلام لذيذة، سخر منها جورج برناردشو في مقارنته بين التقاء الجمال والذكاء، واحتمال أن تكون النتيجة مشوهة في النهاية.

الآن ، نرى في العالم كل دولة، بقوتها العسكرية والنووية، تدعي أنَّها هي الذكية، وزعماء هذه البلدان القوية يدعون أن بلدانهم تتوفر على أجهزة إلكترونية وأقمار اصطناعية للتجسس، في غاية الذكاء، يمكنها أن تبصر النملة من مئات آلاف الكيلومترات، وتتجسس عليها حينما تضع بيضها أو حينما تتمرد وتصبح لها أجنحة.  قد تكون هذه حقيقة ما دمنا نتجهُ نحو عالم ذكي، ومدن ذكية، وعواصم ذكية، ووظائف ذكية، وحكومات ذكية، لكن مشكلتنا في القادم من الأيام، سيصبح العالم مجرد لعبة رقمية في يد “كُمْشَةٍ” من أصحاب الذكاء يسيروننا كما يشاءون، ويخططون لنا من غير أن نراهم، ولا نستطيع التمرد على  برامجهم.

ومن المثير أن أولويات البلدان المتحضرة توظف الكفاءات، وتربي أطفالها على الذكاء، وتصبح كذا أفكار وابتكارات مجرد تسلية بسهولة بمكان إبداع تقنيات تلو تقنيات، والنتيجة أن الذكاء البشري يمشي بوتيرة سريعة جداً، عكس الذكاء عندنا، حيث يظل العقل يعاني من مشكلات الخمول ومعاناة الجلوس بالمقهى في لزوم ما لا يلزم ، لكن أحيانا نرى ونسمع أن وصف الذكاء بصور ساخرة في الخطاب، وتجعل العالم يتقدم نحو صور حافية برسم كاريكاتيري ساخر. ومؤخرا تابعنا صورة ترامب يستعرض “مسلسل تهديده” على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو يقول: “إذا تعرضت الولايات المتحدة أو حلفاؤها لهجوم من “بيونغ يانغ” فإنه ليس لديها من خيار، سوى تدمير كوريا الشمالية بالكامل.” .  المشكلة لما يجتمع الذكاء بالغباء، والذكاء بالأسلحة والحرب، ودمار الإنسانية بسلاح التهور المستوحى من العنترية، وأزلية الذكاء الاصطناعي، وبماذا نعلق على  تصريحات ترامب ونعته الرئيس الكوري الشمالي “كيم جونغ أون” بالرجل الصاروخ الذي يقود بلاده في مهمة انتحارية، هذا التصريح الذي يشبه فيلما هوليودياً، حيث البطل في محل انفعال وليس فاعلا لعالم يتأرجح بين كفتي ميزان الحرب والسلام ودمار الحضارات.

في نظركم من هم الأذكياء ؟ هل هم المقامرون في الكازينوهات، حينما يحالفهم الحظ ويفوزون بأموال تشبه عدد قوافل الصحراء العربيةّ… وهل هم الأذكياء أولئك الذين يصنعون الصّواريخ والأسلحة النووية، أو أولئك الذين يفوزون في الشوط الأول، ويخسرون الشوط الثاني؟ أم أولئك الذين يحصلون على الأرقام القياسية من خلال أرانب السباق، أو أولئك الذين يقودون الطائرات، والمركبات الفضائية، ويجرون عمليات جراحية دقيقة، أم أولئك الكتاب الذين يبيعون مئات الآلاف من نسخ رواياتهم، أم هم أولئك الذين اختاروا اللعب بقميص رقم عشرة ويتقنون المراوغة والانسلال، لتسجيل إصابة الانتصار هنا وهناك. لكن في المقابل تبقى إنجازات أخرى، لم يشملها الذكاء وتبقى تتحسر في قاعة الانتظار، و مكانها مستودعات تخزين المتلاشيات والأرشيف، لكن الدول التي في طريق النمو تخسر الملايين على العقول من أجل تكوينها وتعليمها لتتخرج في النهاية بشواهد علمية معتبرة في الابتكار والاختراع وتحمل مشروعا استثنائيا، إلا أن هذه العقول لا تجد لها فرصة في وطنها في وظائف بحسب كفاءتها ومؤهلاتها فتختار الهجرة والرحيل، بعد صدمة مدوية مع عقول الحجر التي ألفت السيطرة على الكراسي، والتي لا تهديها إلا للمقربين منها من ذوي النفوذ ومن العائلات المتخمة بالثروات وفوائد الريع.

يا عجبي كل عجبي …فبدل أن تحضن بعض الأوطان أبناءها الأذكياء، فإنها تصفق في وجههم الأبواب، وتفتح ذراعيها لأنواع من الأذكياء منهم المخادع، والماكر، والوصولي، والانتهازي، والمادي، والغشاش .