لوحات تتخطى الفطرية وتحمل أكثر من وجهة نظر

معرض بالرباط لرومانية وصويريّ

لوحات تتخطى الفطرية وتحمل أكثر من وجهة نظر

فيصل عبد الحسن

faisal53hasan@yahoo.com

 المعرض الثنائي للفنانين راضية مُلين ومصطفى بن مالك في قاعة النادرة وسط مدينة الرباط، الذي أُفتتح  مؤخراً وضع مفهوم ” النزعة البصرية ” في الفن على محك التجربة العينية المباشرة.

  فمن خلال أكثر من ستين لوحة ضمها المعرض المشترك أستطاع الفنانان أن يعكسا وجهة نظرهما الفلسفية والفنية ليس بفن الرسم الفطري بل وفي طرح الكثير من الأفكار النظرية حول الفن ومدارسه الحديثة.

وما جاء في اللقاء المفتوح الذي أجري على هامش المعرض بين الفنانين والجمهور، الذي حضر إلى المعرض لمشاهدة آخر ما رسمه الفنانان من لوحات وناقش بكثير من الحميمية بعض أراء الفنانين.

الشرق المسلم

فقد جاء على لسان الفنانة راضية مُلين، وهي رومانية المولد تزوجت من مغربي قبل عقدين من الزمان وتعلمت التحدث باللهجة المغربية وتجنست بالجنسية المغربية، وأستطاعت بفترة قصيرة أن تؤاخي بين نظرتها الأوربية للفن الشعبي والفنون التشكيلية الفطرية في المغرب.

ومن هذه المؤاخاة أستطاعت الفنانة مُلين أن تقع على كنوز من الصور الفولكلورية المغربية، التي تصادفها يومياً في الأسواق المغربية والجوامع وفي الأزقة والقصبات والحواري المغربية الشعبية. لتنعكس كل تلك الصور على ما ترسمه من لوحات جميلة تحاول أن تبث فيها روح الشرق المسلم، ومن خلال تكرار رسم العيون المشرقية الواسعة والبنايات المقببة ودرفات النوافذ الخشبية، والجوامع وأضرحة الأولياء، فإنها تشعر في أعماق روحها بذلك المشرق المسلم، المؤمن بالله تعالى، وجمال الحياة التي وهبنا إياها الخالق تعالى. ” قالت مُلين في حديثها مع الجمهور والذي صاحبها فيه الفنان مصطفى بن مالك، أن النزعة البصرية في الفن هو تيار ثقافي فني وفلسفي يدمج مفاهيم تقوم على أساس الأستعارة الرمزية، ويحيل إلى النظرة ما وراء ماتراه العين بالصيغ الفيزيائية المعروفة، معتبرة أن تلك النظرة قادمة من عين ثالثة تعني بإدراكات الفنان الجوانية. “

ومعتبرة أن تلك العين تستطيع أن ترى بوضوح تفاصيل السيرة الذاتية للفنان لتعكسها من خلال الألوان والخطوط إلى اللوحة التي يبدعها الفنان، فهي بالتالي ستحّط على اللوحة كمشاعر حقيقية وإن كانت مرسومة بالأصباغ والفرشاة كخطوط مادية محسوسة.

ملتقى الصويرة

ويقول عن ذلك الفنان مصطفى بن مالك ــ شريكها في المعرض ــ ” هذا المفهوم الفني يأتي اليوم كشعار لأنفتاح الروح، وبالرغم من أن المشاعر الذاتية للفنان ليست كونية وغير خاضعة لغير معيار الفن وتجربة الفنان، فإنها ستبقى عيناً روحية تعانق جميع الأجوبة، والتناقضات الحقيقية للحياة، وتسمح بتركيب الحقيقة دونما تفكير ” وبن مالك الذي يعد هذا المعرض المشترك الثاني عشر له في معارضه الفردية والجماعية التي بدأها بمعرضه الفردي في مدينة الصويرة عام 2002 ومنذ تلك السنة، وكل سنة كان يقدم معرضاً أو معرضين في مدينة الصويرة التي تعتبر ملتقى للفنانين في كل عام لجمال طبيعتها وأعتدال مناخها.

وقد أستمرت معارضه إلى عام 2013 وابتدأ العام 2014 بمعرضه الجديد في قاعة النادرة مع الفنانة راضية مُلين لتوحد رؤيتهما الفنية في النظر إلى الفن الفطري المغربي.

وحول هذه الرؤية جاء في إجابات الفنانين للجمهور، الذي حضر إلى المعرض، ما يشير إلى أن كل لوحة تمثل لحظة معطاة وشذرة من تاريخ حياة الفنان يحكيها من خلال الألوان والأشكال المندمجة، فهما لا يستعملان العينين للتعبير فقط بل ان العينين تمثلان معاناة الفنان في رؤيته للعالم، ونقله اللحظات المعاشة بكل حب، إنْ كانت لحظات سعادة أو تعاسة.

كاليريات الرباط

أن الأسبقية في العرض هو للفنانة راضية مُلين على زميلها مصطفى بن مالك، فقد كان أول معارضها الأثني عشر عام 1997 في مدينة الرباط، وأستمرت في نشاطها الفني منذ تلك السنة وحتى سنة 2011 بمعارض فردية وجماعية، وقد توقفت عن العرض منذ عام 2011 لتلتقط الأنفاس وتدرس تجربتها السابقة، لتخرج بقناعات عن فن الرسم الفطري جديدة. فتعرض في هذه السنة مع زميلها القادم من مدينة الصويرة في قاعة النادرة ما إبدعته من رسومات خلال سنوات توقفها عن العرض، وقد جاءت معظم معارضها في كاليريات الرباط، فهي تعشق هذه المدينة ولا تحاول تغييرها بمدينة مغربية أخرى. اللوحات التي عرضت تعكس أهتمامات الفنانين الفطريين المغاربة منذ رسومات الفنانة الفطرية الشعيبية طلال التي مثلت المدرسة الوحشية في الفن التشكيلي لهذا النوع من الرسم الفطري المغربي.

ولكن أضافت الفنانة مُلين والفنان بن مالك إلى هذا النوع من الرسم أرهاصاتهما الداخلية، فلم تعد اللوحات رسومات تمثل الوعي الطفولي أو الأهتمام البدائي بالأشكال بل صار إلى جانب ذلك الرسم البدائي للأشكال لمحات تشكيلية في جوانب كل لوحة لرسومات لوجوه وعيون معبرة عن الفرح أو الحزن بشكل رسم طبيعي، فيه إلى حد ما تقنيات الرسم السوريالي.

رومانية وصويري

أن جماليات الرسم التي دأب الفنانان على أتباعها في لوحات معرضهما، هي في الأختيار الذكي للألوان الساخنة التي رسمت بها موجودات كل لوحة، معبرين بذلك عن وهج الحياة التي يشعرانها في كل وجه وكل عين أو أنف أو خط من خطوط اللوحة. أن المعرض المشترك للفنانين أضافة إلى الألتقاء المباشر بالجمهور في قاعة العرض أضافا فهماً جديداً للعلاقة المتينة الناشئة بين جمهور متعطش للتعرف على الفنان وأفكاره وتصوراته عن الفن قبل معرفة كيفية تنفيذه لتلك الأفكار على الورق أو القماش. فاللوحات التي قدماها الفنانان ــ الرومانية ــ راضية مُلين والصويري ــ من مدينة الصويرة ــ مصطفى بن مالك في معرضهما المشترك هي أكثر من لوحات فطرية، وفيها أكثر من وجهة نظر لفنانين بما يحصل في العالم الذي يحيط بهما، وجعلهما يعبران عن مكنوناتهما للتعبير عن أنزعاجهما، مما يعيشه العالم من فواجع الحروب والفقر والجهل والمرض، وفرحهما الطفولي بالطبيعة وجمالها والحياة بما تعنيه من خير وحب وسعادة.