
هبطَ على رؤوسنا الحاسرة ظلامُ وبردُ كانون الأول ونحنُ على مشارف القرية التي يترقَّبُ قدومنا فيها الثائر جوامير قائد الفرقة. بعد استراحة لم تدمْ طويلاً في سقيفة للثوَّار؛ دعانا غلام كردي وسيم لمرافقتهِ وكان يضيء الطريق أمامنا بمصباحٍ صغيرٍ يعمل بالبطَّارية. كان يشعلهُ برهةً وسرعان ما يلجمُ الضوء الشحيح من جديد خشيةً من قصف الطائرات أو المدفعية؛ ومن خبرة حياتي العسكرية الطويلة أيقنتُ أنَّ القرية التي تحتضنُ أجسادنا المرتعدة من البرد مستهدفة من قبل الجيش. وعلمنا بعدها بساعة أنَّ هذه القرية العزلاء تعرَّضتْ ليلة أمس لقصف عنيف بالمدفعية الثقيلة؛ حيثْ أتتْ النيران الضريرة على تدمير أكثر من منزل واستشهاد بعض الأطفال. حين دخلنا إِلى موضع القائد جوامير الفسيح، كان أول من استقبلنا هو الدفء الذي كان يشعُّ بالمكان ولم أعرف مصدرهُ؛ فلمْ يكن هناك موقد نار؛ كان الثوَّار يحيطون بمجلسهِ وقد انشغل بتزجية الوقت وهو يلعبُ الورق مع رفاقه لقتل ساعات الليل الطويلة. لم تكن اللعبة التي مازالت مستمرة قد رأيتها بأوراق اللعب من قبل؛ عرفتُ فيما بعد أنها تُسمَّى لعبة نابليون؛ وهي أشبه بالخطط الحربية التي يضعها اللاعب لخصمه أو عدوه. استقبلنا الرجل بالترحاب في حين كان فتى حنطي إِلى جواره يترجمُ كلامه بعد أنْ قدَّم لنا اسمه « كاراوان» وكان يتقنُ العربية بلا عناءٍ أو تلكؤ. بهدوءٍ شربنا الشاي؛ يسمُّونها خمر الثوَّار؛ وهي تسمية أطلقها المناضل فهد أيام اعتقاله في نقرة السلمان؛ وشاعت بين الثوَّار الكُرد وغيرهم من المناضلين. شعرنا بالأمان في ذلك المكان، لكن الفتى كاراوان الذي جلس بجوار جهاز لاسلكي كان يطلقُ أزيزاً بشكل متواصل كنحلةٍ أضلَّتْ دربها؛ أعادَ التوجُّس إِلى قلوبنا حين سألنا:
- كيف تمكَّنتم من الفرار؟
لم نجدْ سوى الابتسامات التي بزغت على وجوهنا كردٍّ تمهيدي على سؤالهِ؛ حتى نطقَ خلدون بمللٍ:
- هذه قصة طويلة..
عاد ليخبرنا بإصرار وقح:
- لابدَّ من سماعها قبل مقابلة مام جلال؛ اسمعوني جيداً يا إخوان، كنتُ طالباً في الجامعة التكنلوجية وقد فُصلتُ منها، والآن محكوم بالإعدام بسب الخيانات لبعض الأصدقاء من الطلاب لتنظيمنا السري، ولذا بتنا نشكُّ بجميع القادمين من الداخل.
لم تسرُّنا لهجتهُ المتعنتة وطريقة حديثه الاستفزازية معنا؛ شعرنا أنَّ الأمان الذي انتعشَ في أعماقنا قبل دقائق بدأ يتهشَّم؛ فعلَّق المعتوق:
- إذا كنتم بريبةٍ منا؛ لماذا لم تجردونا من السلاح؟
استرعى انتباه القائد جوامير التوتر الذي بانَ على وجه المعتوق؛ فاستفهم عن الأمر؛ إذْ لم يكنْ يعرف العربية على الإطلاق؛ وأجابه أحد الثوَّار بكلماتٍ مقتضبةٍ، ما أنْ سمع الرد حتى استحالَ وجههُ موقد جمرٍ؛ استدار نحو الفتى كاراوان وبنبرةٍ حانقةٍ نطقَ كلمةً واحدةً باللغة الكردية؛ فارتبكَ الفتى كاراوان ولاذ بالصمت حتى نهاية اللقاء. هنا تشجَّعَ خلدون ليضع الرسالة بين يدي القائد جوامير؛ وقد كتبت بالعربية من قبل الموجِّه السياسي «پاپير» مدرس اللغة العربية؛ بالطبع كُنَّا نعرفُ فحوى الرسالة وهي لا تتعدَّى التحيات، وقد عمدَ على كتابتها بالعربية حتى نشعر بالاطمئنان كي لا تكون مثل رسالة الحطيئة؛ لكن ليس بعيداً أن تكون كلمات الرسالة الواضحة شفرة تستخدم فيما بينهم. ترجمَ أحدهم الرسالة إِلى جوامير وقد التهب وجههُ بالدم خجلاً لما بدر من استفزازٍ وتصرُّفٍ غير لائق بحقنا من قبل الفتى التكنلوجي؛ وعن طريق المترجم قدَّمَ اعتذارهِ وأوضح لنا بجلاءٍ:
- ليس من حق أي ثائر كردي استجوابكم؛ الأخ كاراوان تجاوز حدوده دون علمي لجهلي باللغة العربية؛ والسلاح الذي تحملونهُ هو مُلككم الشخصي؛ ولكم حرية الاحتفاظ به أو حتى بيعهِ.
في تلك اللحظات كانت قلوبنا تهتزُّ بلا هوادةٍ من فرطِ الغبطة بينما استلَّ جوامير قلم الحبر من جيبه الأمامي ليكتب رسالة كانت هذه المرَّة بالكردية وأشيعها عند خلدون. علمنا من المترجم أنَّ رحلتنا ستكون عند الفجر إِلى قرية تدعى «سرقوچان» حيث ينتظرنا هناك قائد البند؛ أي قائد الفيلق مام علي؛ حينها هبَّ الجميع لوداعنا ومعهم الفتى كاراوان الذي لم يكتف بمصافحتنا بلْ غرس قبلاتِ خجلٍ على وجوهنا جميعا؛ وهو يلهجُ متأسفاً:
- اعتذرُ لكم؛ كنتُ أجهل التبليغات التي وصلت من القيادة.
لم ننُمْ تلك الليلة لأنَّ المدفعية انبرتْ تقصفُ القرية بالقنابل الثقيلة بين غفوةٍ وأخرى، هنا صرخ المعتوق:
- يا إلهي متى نتخلَّصُ من صوت المدافع؟
حسن النواب























