لعبة نابليون (24)-حسن النواب

هبطَ‭ ‬على‭ ‬رؤوسنا‭ ‬الحاسرة‭ ‬ظلامُ‭ ‬وبردُ‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭ ‬ونحنُ‭ ‬على‭ ‬مشارف‭ ‬القرية‭ ‬التي‭ ‬يترقَّبُ‭ ‬قدومنا‭ ‬فيها‭ ‬الثائر‭ ‬جوامير‭ ‬قائد‭ ‬الفرقة‭. ‬بعد‭ ‬استراحة‭ ‬لم‭ ‬تدمْ‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬سقيفة‭ ‬للثوَّار؛‭ ‬دعانا‭ ‬غلام‭ ‬كردي‭ ‬وسيم‭ ‬لمرافقتهِ‭ ‬وكان‭ ‬يضيء‭ ‬الطريق‭ ‬أمامنا‭ ‬بمصباحٍ‭ ‬صغيرٍ‭ ‬يعمل‭ ‬بالبطَّارية‭. ‬كان‭ ‬يشعلهُ‭ ‬برهةً‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬يلجمُ‭ ‬الضوء‭ ‬الشحيح‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬خشيةً‭ ‬من‭ ‬قصف‭ ‬الطائرات‭ ‬أو‭ ‬المدفعية؛‭ ‬ومن‭ ‬خبرة‭ ‬حياتي‭ ‬العسكرية‭ ‬الطويلة‭ ‬أيقنتُ‭ ‬أنَّ‭ ‬القرية‭ ‬التي‭ ‬تحتضنُ‭ ‬أجسادنا‭ ‬المرتعدة‭ ‬من‭ ‬البرد‭ ‬مستهدفة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الجيش‭. ‬وعلمنا‭ ‬بعدها‭ ‬بساعة‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬القرية‭ ‬العزلاء‭ ‬تعرَّضتْ‭ ‬ليلة‭ ‬أمس‭ ‬لقصف‭ ‬عنيف‭ ‬بالمدفعية‭ ‬الثقيلة؛‭ ‬حيثْ‭ ‬أتتْ‭ ‬النيران‭ ‬الضريرة‭ ‬على‭ ‬تدمير‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬منزل‭ ‬واستشهاد‭ ‬بعض‭ ‬الأطفال‭. ‬حين‭ ‬دخلنا‭ ‬إِلى‭ ‬موضع‭ ‬القائد‭ ‬جوامير‭ ‬الفسيح،‭ ‬كان‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬استقبلنا‭ ‬هو‭ ‬الدفء‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يشعُّ‭ ‬بالمكان‭ ‬ولم‭ ‬أعرف‭ ‬مصدرهُ؛‭ ‬فلمْ‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬موقد‭ ‬نار؛‭ ‬كان‭ ‬الثوَّار‭ ‬يحيطون‭ ‬بمجلسهِ‭ ‬وقد‭ ‬انشغل‭ ‬بتزجية‭ ‬الوقت‭ ‬وهو‭ ‬يلعبُ‭ ‬الورق‭ ‬مع‭ ‬رفاقه‭ ‬لقتل‭ ‬ساعات‭ ‬الليل‭ ‬الطويلة‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬اللعبة‭ ‬التي‭ ‬مازالت‭ ‬مستمرة‭ ‬قد‭ ‬رأيتها‭ ‬بأوراق‭ ‬اللعب‭ ‬من‭ ‬قبل؛‭ ‬عرفتُ‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬أنها‭ ‬تُسمَّى‭ ‬لعبة‭ ‬نابليون؛‭ ‬وهي‭ ‬أشبه‭ ‬بالخطط‭ ‬الحربية‭ ‬التي‭ ‬يضعها‭ ‬اللاعب‭ ‬لخصمه‭ ‬أو‭ ‬عدوه‭. ‬استقبلنا‭ ‬الرجل‭ ‬بالترحاب‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬فتى‭ ‬حنطي‭ ‬إِلى‭ ‬جواره‭ ‬يترجمُ‭ ‬كلامه‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬قدَّم‭ ‬لنا‭ ‬اسمه‭ ‬‮«‬‭ ‬كاراوان‮»‬‭ ‬وكان‭ ‬يتقنُ‭ ‬العربية‭ ‬بلا‭ ‬عناءٍ‭ ‬أو‭ ‬تلكؤ‭. ‬بهدوءٍ‭ ‬شربنا‭ ‬الشاي؛‭ ‬يسمُّونها‭ ‬خمر‭ ‬الثوَّار؛‭ ‬وهي‭ ‬تسمية‭ ‬أطلقها‭ ‬المناضل‭ ‬فهد‭ ‬أيام‭ ‬اعتقاله‭ ‬في‭ ‬نقرة‭ ‬السلمان؛‭ ‬وشاعت‭ ‬بين‭ ‬الثوَّار‭ ‬الكُرد‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬المناضلين‭. ‬شعرنا‭ ‬بالأمان‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المكان،‭ ‬لكن‭ ‬الفتى‭ ‬كاراوان‭ ‬الذي‭ ‬جلس‭ ‬بجوار‭ ‬جهاز‭ ‬لاسلكي‭ ‬كان‭ ‬يطلقُ‭ ‬أزيزاً‭ ‬بشكل‭ ‬متواصل‭ ‬كنحلةٍ‭ ‬أضلَّتْ‭ ‬دربها؛‭ ‬أعادَ‭ ‬التوجُّس‭ ‬إِلى‭ ‬قلوبنا‭ ‬حين‭ ‬سألنا‭:‬

‭- ‬كيف‭ ‬تمكَّنتم‭ ‬من‭ ‬الفرار؟

لم‭ ‬نجدْ‭ ‬سوى‭ ‬الابتسامات‭ ‬التي‭ ‬بزغت‭ ‬على‭ ‬وجوهنا‭ ‬كردٍّ‭ ‬تمهيدي‭ ‬على‭ ‬سؤالهِ؛‭ ‬حتى‭ ‬نطقَ‭ ‬خلدون‭ ‬بمللٍ‭: ‬

‭- ‬هذه‭ ‬قصة‭ ‬طويلة‭..‬

عاد‭ ‬ليخبرنا‭ ‬بإصرار‭ ‬وقح‭:‬

‭- ‬لابدَّ‭ ‬من‭ ‬سماعها‭ ‬قبل‭ ‬مقابلة‭ ‬مام‭ ‬جلال؛‭ ‬اسمعوني‭ ‬جيداً‭ ‬يا‭ ‬إخوان،‭ ‬كنتُ‭ ‬طالباً‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬التكنلوجية‭ ‬وقد‭ ‬فُصلتُ‭ ‬منها،‭ ‬والآن‭ ‬محكوم‭ ‬بالإعدام‭ ‬بسب‭ ‬الخيانات‭ ‬لبعض‭ ‬الأصدقاء‭ ‬من‭ ‬الطلاب‭ ‬لتنظيمنا‭ ‬السري،‭ ‬ولذا‭ ‬بتنا‭ ‬نشكُّ‭ ‬بجميع‭ ‬القادمين‭ ‬من‭ ‬الداخل‭.‬

لم‭ ‬تسرُّنا‭ ‬لهجتهُ‭ ‬المتعنتة‭ ‬وطريقة‭ ‬حديثه‭ ‬الاستفزازية‭ ‬معنا؛‭ ‬شعرنا‭ ‬أنَّ‭ ‬الأمان‭ ‬الذي‭ ‬انتعشَ‭ ‬في‭ ‬أعماقنا‭ ‬قبل‭ ‬دقائق‭ ‬بدأ‭ ‬يتهشَّم؛‭ ‬فعلَّق‭ ‬المعتوق‭: ‬

‭- ‬إذا‭ ‬كنتم‭ ‬بريبةٍ‭ ‬منا؛‭ ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تجردونا‭ ‬من‭ ‬السلاح؟

استرعى‭ ‬انتباه‭ ‬القائد‭ ‬جوامير‭ ‬التوتر‭ ‬الذي‭ ‬بانَ‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬المعتوق؛‭ ‬فاستفهم‭ ‬عن‭ ‬الأمر؛‭ ‬إذْ‭ ‬لم‭ ‬يكنْ‭ ‬يعرف‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬الإطلاق؛‭ ‬وأجابه‭ ‬أحد‭ ‬الثوَّار‭ ‬بكلماتٍ‭ ‬مقتضبةٍ،‭ ‬ما‭ ‬أنْ‭ ‬سمع‭ ‬الرد‭ ‬حتى‭ ‬استحالَ‭ ‬وجههُ‭ ‬موقد‭ ‬جمرٍ؛‭ ‬استدار‭ ‬نحو‭ ‬الفتى‭ ‬كاراوان‭ ‬وبنبرةٍ‭ ‬حانقةٍ‭ ‬نطقَ‭ ‬كلمةً‭ ‬واحدةً‭ ‬باللغة‭ ‬الكردية؛‭ ‬فارتبكَ‭ ‬الفتى‭ ‬كاراوان‭ ‬ولاذ‭ ‬بالصمت‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬اللقاء‭. ‬هنا‭ ‬تشجَّعَ‭ ‬خلدون‭ ‬ليضع‭ ‬الرسالة‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬القائد‭ ‬جوامير؛‭ ‬وقد‭ ‬كتبت‭ ‬بالعربية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الموجِّه‭ ‬السياسي‭ ‬‮«‬پاپير‮»‬‭ ‬مدرس‭ ‬اللغة‭ ‬العربية؛‭ ‬بالطبع‭ ‬كُنَّا‭ ‬نعرفُ‭ ‬فحوى‭ ‬الرسالة‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تتعدَّى‭ ‬التحيات،‭ ‬وقد‭ ‬عمدَ‭ ‬على‭ ‬كتابتها‭ ‬بالعربية‭ ‬حتى‭ ‬نشعر‭ ‬بالاطمئنان‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬مثل‭ ‬رسالة‭ ‬الحطيئة؛‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬بعيداً‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬كلمات‭ ‬الرسالة‭ ‬الواضحة‭ ‬شفرة‭ ‬تستخدم‭ ‬فيما‭ ‬بينهم‭. ‬ترجمَ‭ ‬أحدهم‭ ‬الرسالة‭ ‬إِلى‭ ‬جوامير‭ ‬وقد‭ ‬التهب‭ ‬وجههُ‭ ‬بالدم‭ ‬خجلاً‭ ‬لما‭ ‬بدر‭ ‬من‭ ‬استفزازٍ‭ ‬وتصرُّفٍ‭ ‬غير‭ ‬لائق‭ ‬بحقنا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الفتى‭ ‬التكنلوجي؛‭ ‬وعن‭ ‬طريق‭ ‬المترجم‭ ‬قدَّمَ‭ ‬اعتذارهِ‭ ‬وأوضح‭ ‬لنا‭ ‬بجلاءٍ‭:‬

‭- ‬ليس‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬أي‭ ‬ثائر‭ ‬كردي‭ ‬استجوابكم؛‭ ‬الأخ‭ ‬كاراوان‭ ‬تجاوز‭ ‬حدوده‭ ‬دون‭ ‬علمي‭ ‬لجهلي‭ ‬باللغة‭ ‬العربية؛‭ ‬والسلاح‭ ‬الذي‭ ‬تحملونهُ‭ ‬هو‭ ‬مُلككم‭ ‬الشخصي؛‭ ‬ولكم‭ ‬حرية‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬به‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬بيعهِ‭. ‬

في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬كانت‭ ‬قلوبنا‭ ‬تهتزُّ‭ ‬بلا‭ ‬هوادةٍ‭ ‬من‭ ‬فرطِ‭ ‬الغبطة‭ ‬بينما‭ ‬استلَّ‭ ‬جوامير‭ ‬قلم‭ ‬الحبر‭ ‬من‭ ‬جيبه‭ ‬الأمامي‭ ‬ليكتب‭ ‬رسالة‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬المرَّة‭ ‬بالكردية‭ ‬وأشيعها‭ ‬عند‭ ‬خلدون‭. ‬علمنا‭ ‬من‭ ‬المترجم‭ ‬أنَّ‭ ‬رحلتنا‭ ‬ستكون‭ ‬عند‭ ‬الفجر‭ ‬إِلى‭ ‬قرية‭ ‬تدعى‭ ‬‮«‬سرقوچان‮»‬‭ ‬حيث‭ ‬ينتظرنا‭ ‬هناك‭ ‬قائد‭ ‬البند؛‭ ‬أي‭ ‬قائد‭ ‬الفيلق‭ ‬مام‭ ‬علي؛‭ ‬حينها‭ ‬هبَّ‭ ‬الجميع‭ ‬لوداعنا‭ ‬ومعهم‭ ‬الفتى‭ ‬كاراوان‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكتف‭ ‬بمصافحتنا‭ ‬بلْ‭ ‬غرس‭ ‬قبلاتِ‭ ‬خجلٍ‭ ‬على‭ ‬وجوهنا‭ ‬جميعا؛‭ ‬وهو‭ ‬يلهجُ‭ ‬متأسفاً‭: ‬

‭- ‬اعتذرُ‭ ‬لكم؛‭ ‬كنتُ‭ ‬أجهل‭ ‬التبليغات‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬من‭ ‬القيادة‭.‬

لم‭ ‬ننُمْ‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬لأنَّ‭ ‬المدفعية‭ ‬انبرتْ‭ ‬تقصفُ‭ ‬القرية‭ ‬بالقنابل‭ ‬الثقيلة‭ ‬بين‭ ‬غفوةٍ‭ ‬وأخرى،‭ ‬هنا‭ ‬صرخ‭ ‬المعتوق‭: ‬

‭- ‬يا‭ ‬إلهي‭ ‬متى‭ ‬نتخلَّصُ‭ ‬من‭ ‬صوت‭ ‬المدافع؟

حسن‭ ‬النواب