كلام أبيض
لا دمع في مآقينا.. ياحسين – جليل وادي
معذرة .. أبا الاحرار .. لم يبق دمع في مآقينا لنذرفه في حضرتك، بالروح جئناك بما فيها من جراح غائرة، فالأجساد مزقتها المفخخات والعبوات، والطرق مكتظة بالأيتام وشواهد الموت، هائمون على وجوهنا لا نعرف أي طريق نسلك، مثلما هام أبناؤك يوم أحرق الظالمون خيامهم، وأعترضوا سبيلهم ولو كان لشربة ماء .
ماذا أقول لك أبا الاحرار، ومن أي نازلة أبدأ ؟ فنحن الذين توحدنا بدمك فرقتنا السياسة، وصرنا فرقا ولكل منا راية بعد ان كانت واحدة، وباسم ربك ذُبح الأبرياء وسُبيت النساء، حتى غدونا بنظر الخلق عنوانا للقبح والعدوان والرذيلة، بينما نحن تاريخ السلام والفضيلة، فمذ كنا صغارا ليس في حدقات عيوننا سواك،وليس لنا من درب غير ذاك الذي نذرت نفسك اليه، فمن سار في دربك لا يعرف للخنوع معنى، ولا للباطل مكانا، ولا للظلم سبيلا، وهذا درسك الأسمى، ولكن يا سيدي في غفلة، وجل من لا يغفل،اعتلى صهوة جيادنا من لا بصر له ولا بصيرة، ومن يجهل درسك البليغ، ومن يلتذ بتقبيل أكف الأسياد وان كانوا أعداءك، ومن يغيظهم انك شامخ في ضمائر الاحرار، وبين هذا وذاك تسلل الشمر الى مرابعنا يعبث بها كيف يشاء، مع ان من أسموا أنفسهم بالفرسان وحماة العقيدة يبصرونه، لكنهم يغضون الطرف عنه، طمعا في مال، او رغبة في جاه، او سعيا لمنصب .
يا ابا الاحرار، لقد ذُبح الوطن في شهرك المحرم، كما ذُبحت بيد الأراذل، وبمن لا يُعرف من أباه، ونحن مثلك، فينا ممن لا آباء لهم، فاتخذوا من الغرباء أهلا ومن البلاد مرتعا، لا يأبهون لوطن ينحر ظلما، ولشعب يتلوى حزنا، بل يضحكون ملء الأفواه، ويتسابقون للرئاسة والوزارة، ليس لبناء الأوطان، بل لنهب خزائنه الثرية، والتسلط على رقاب الناس، وهكذا صار الوطن أوطانا، وحقك نسمع نشيجه، ونبصر دمه، وهم لا جفن يرف، ولا قلب يرق.
اخبرك سيدي ببعض من تقدم الصفوف، انهم يكذبون، يلهجون بأسمك صباح مساء، وليس فيهم من خصالك شيئا، فلا حقوا حقا، ولا زرعوا شجرة، ولا عبدوا دربا، ولا مسحوا رأس يتيم، ولا اقتصوا من لص، ولا سدوا وحشة ام فقدت وحيدها .
ومنهم مَنْ حال بينك وبين من تنبض قلوبهم بحبك، ويحلمون بتقبيل بابك، لكنهم يخشون أسماءهم وهواجس الطريق، وظلوا عن بعد يتحسرون . وفينا من رفع راية جدك، وتحت لوائها خرّب البنيان، وهشّم الانسان، ولم تسلم من فأسه مراقد الأولياء ومقامات الانبياء، ولم يبق اثرا لتاريخ او ملمح لهوية، فشوهوا صورة من أردت بدمك الطاهر غرسه في الوجدان، لقد شوهوا الراية البليغة، والحصن المنيع، ورمز الشموخ، وميزان العدل، ومنهج الانصاف، وعنوان الانسانية، والمصباح المنير، شوهوا صورة الاسلام.
هكذا صرنا أبا الاحرار كما ترى، واليوم جئناك نطوف بمرقدك الشريف مستنجدين بربك من عوادي الزمان التي أمسك أعنتها الفاسقون والمراءون، تتكسر العبرات في صدورنا ولا دمع في مآقينا، كيف نبكيك سيدي ؟ نبكيك بالآهات، ومن غيرك يستحق آهاتنا.
يا ايها العصي على الوصف، لم نكن نعرف من قبل ان كنا شيعة ام سنة، كردا ام عربا، لم تثرنا الأسماء، او نتوقف عند الألقاب، كنا جميعا نتشح بالسواد حزنا عليك، وجميعنا من دون استثناء نحمل رايتك، وفي مضائفك تقاسمنا رغيفا واحدا،نغمسه بالماء ونستذكر عطشك ، هكذا كنا حتى أيقظوا الفتنة من رقادها، فنهبتنا الخطوب وهي تترى كالنوازل، واذا بنا كل في طريق، نلّوح لبعضنا عن بعد، وفي قلوبنا شوق للأهل والجيران ، لعتبات البيوت، لنمشي جميعا اليك، لأنك فينا جميعا.
ديالى























