
لا تجعلوها كردية عربية – كوهر يوحنان عوديش
مع حلول موعد استفتاء اقليم كردستان العراق للبقاء ضمن العراق او الانفصال عنه اليوم كثرت الاقاويل والتصريحات والتهديدات الصادرة من هنا وهناك لتبعث في نفوس العراقيين بكل فئاتهم وطوائفهم وقومياتهم الخوف والقلق، وتعيد الى الذاكرة الحروب والمآسي التي دفع ثمنها الشعب العراقي مالا ودما لا يعوض ولا يقدر خلال سنوات طويلة بسبب الفكر القومي الشوفيني والعنصري الذي حكم العراق لعقود من الزمن، حتى ان خطاب الكراهية والتلويح باستخدام القوة ضد اقليم كردستان بلغ حدا يعتقد فيه المواطن العادي والمتابع للاخبار ومجريات الامور ان الحرب الكردية العربية قادمة لا محال.
لو رجعنا الى الوراء قليلا وبالتحديد الى ما بعد اسقاط النظام العراقي السابق عام 2003 سنلاحظ ان العراق شهد تهدورا امنيا وسياسيا واقتصاديا خطيرا لم يشهده البلد منذ تأسيسه، وبدلا من ايجاد حل توافقي ينهي المأساة العراقية والبدء ببناء وطن يسوده القانون وينعم بخيراته جميع ابنائه بغض النظر عن دينهم ولونهم وانتمائهم الحزبي والقومي والطائفي، لمسنا العكس من ذلك تماما فلم تستقر الامور حتى بدأت الكارثة الاكبر تحل من جديد، فالشعب الذي عانى ما عانى من كثرة الحروب في عهد النظام السابق دخل من جديد حربا دموية ليس فيها عدو وليس لها حدود بل هي حرب خفية يقتل فيها الفرد على الهوية!، فالعراق في عهد النظام السابق دخل حروبا خارجية مع دول الجوار وحروبا داخلية مع الكرد حيث كان المتقاتلون والمتحاربون يعرفون عدوهم ويعرفون من يقاتلون، اما في العهد الديمقراطي ( اي بعد 2003) فان المواطن العراقي لا يعرف من يقاتل لان عدوه اصبح ابن بلده، فاما هو احد جيرانه او اصدقائه او احد ابناء محلته …. لانه يكفي ان يأمر السيد الطائفي او حتى يؤشر لتندلع الحرب ويذهب ضحيتها الاف الابرياء دون سبب، او يكفي ان تنتمي الى طائفة معينة او دين معين لتكون هدفا للميليشيات المنتشرة في ربوع الوطن.
ربما يستطيع المواطن العراقي نسيان مئات المليارات التي نهبت من اموال الشعب من 2003 حتى يومنا هذا، وينسى ايضا الاميين الذين دخلوا قبة البرلمان او عينوا في مناصب مهمة ومرموقة في الحكومة بشهادات مزورة، وينسى ايضا كل الشعارات الرنانة التي اطلقتها الاحزاب والكتل الدينية عند بدء كل دورة انتخابية جديدة، وينسى ايضا كل الظلم الواقع على المواطن البسيط من مؤسسات الدولة ودوائرها وينسى …. وينسى ….، لكن من الصعب ان ينسى سبب نزوحه وتهجيره وقتله وتدمير بيته ووطنه، وسبب كل هذا كان قادة العراق الطائفيين الجدد الذين سكبوا الزيت على النار متظاهرين محاولة اخمادها.
اكبر الاخطاء القاتلة والمميتة التي ارتكبها المتنفذون والمتسطلون على رقاب الشعب ما بعد 2003 كان تسييس الدين واتخاذ الطائفة معيارا واساسا لتوزيع المناصب واحتكارها وبهذا فرقوا الشعب وزرعوا الفتنة بين ابنائه، وما ان اشتد عودهم (الحكام الجدد) في الحكم حتى بدأوا بتنفيذ مخططاتهم واجنداتهم التي اظهرت الحقيقة المخفية والتي كانت غريبة وبعيدة عن طموح وهموم الشعب العراقي، وابشع هذه الاجندات والمخططات كانت احتكار السلطة من قبل طائفة واحدة وتهميش واقصاء جميع المكونات الاخرى.
التذرع بعدم دستورية استفتاء اقليم كردستان واللجوء الى المحكمة الاتحادية والبرلمان العراقي للتصويت واصدار القرارات بهذا الخصوص ليس سوى اخر وسيلة لحفظ ماء الوجه وتغطية اخفاقات الحكومات الجديدة، فلو كان البرلمان والحكام ومعهم القانونيون بهذه الجدية والاخلاص في التعامل مع القضايا المصيرية التي تمس حاضر الشعب ومستقبل الوطن ما كان ابدا حصل للعراق ما حصل!، فاين كان كل هؤلاء (الحكام والبرلمانيين والقانونيين) ولماذا لزموا الصمت كل هذه المدة، فلو كان الدستور سيدا والقانون معمما لما كان العراق قد افرغ من مسيحييه واقلياته الدينية وما كان ابناؤه هجروا ونزحوا الى دول الجوار او اقليم كردستان بسبب انتمائهم الديني او الطائفي، وما كانت الصفقات الفاسدة ترفرف فوق بناية البرلمان بكل فخر! دون تحقيق او متابعة او حتى سؤال؟ وما كانت مئات المليارات تنهب من اموال الدولة علانية في وضح النهار بينما الشعب يعاني ويعيش في الفقر ويفتقد الى ابسط مقومات الحياة، يا ترى اين كان هؤلاء الوطنيين منذ 2003 حتى اليوم وهذا الوطن ينزف ويدمر؟.
تهديد اقليم كردستان باستخدام القوة ضده اذا ما استمر في تنفيذ الاستفتاء من قبل الحكومة تارة وجهات اخرى تارة لن يؤدي بدوره الى ترويع واخافة الاحزاب الكردستانية والشعب الكردستاني وبالتالي الى العزوف والعدول عن اجراء الاستفتاء، بل بالعكس من ذلك تماما يزيدها عزما واصرارا للمضي في قرارها الانفصالي بدون وجود بدائل وضمانات مقنعة ومرضية، والحرب اذا ما نشبت بين الكرد والعرب كشعوب (لا سمح الله) فانها بالتأكيد ستأكل الاخضر واليابس معا وتؤدي الى تدمير ما بقي من العراق المدمر اصلا، لذلك على الملوحين باستخدام القوة مراجعة خطابهم التهديدي الاف المرات قبل القائه او النطق به، وبدلا من هذه التهديدات عليهم تقديم بدائل معقولة للبدء بالحوار وحل المشاكل عبر التفاوض والتفاهم بعيدا عن لغة السلاح.
همسة:- بدلا من تهديد اقليم كردستان وشعبه باستخدام القوة لفرض اوامر بغداد كان الاجدر بحكومة بغداد والحشد الشعبي الدعوة الى الحوار الهادئ العقلاني بعيدا عن لغة التهديدات الطائفية والقومية، وفي نفس الوقت توجيه انذار رسمي عن طريق وزارة الخارجية الى دول الجوار، التي صرحت انها ستقوم بشن هجوم واجتياح اقليم كردستان لمنع الاستفتاء، باعتبار ان مسألة الاستفتاء في اقليم كردستان شأن داخلي ولا يحق لاحد التدخل فيه او التطاول على السيادة العراقية.























