كلام بالقيراط ـ صديقي والحوت ـ حسن النوّاب
تحمل مواقع التواصل الإجتماعي مفاجآت لم تكن بالحسبان ولا تخطر على البال ، ومنها موقع فيس بوك الذي يساعدك بالعثور على اصدقاء فارقتهم منذ سنوات بعيدة وضاعت اخبارهم في اتون الحروب والإضطهاد السياسي ومشاغل الحياة ، وقبل أيام قدّم اليّ هذا الموقع الإجتماعي الذي اصبح عدد المشتركين فيه بأرقام فلكية ؟ احد الأصدقاء الذين فارقتهم منذ ثلاثين سنة ، وكان آخر خبر سمعته في ذلك الوقت عن صديقي المغامر ، انه تمكن من الهروب الى دولة تركيا لما كانت الحرب العراقية الإيرانية في سنتها الثانية تشتعل بضراوة على جميع الجبهات ، وتبقى لقصص الهروب اثارة عند الآخرين مهما كانت دوافعها واسبابها ، مثلما يتذكر عشّاق الأدب رواية الفراشة للروائي الفرنسي هنري شاريير وهي قصة حقيقية لمؤلفها في السجون على مدى ثلاثة عشر عاما ومحاولاته المثيرة للهروب منها، تلك الرواية التي تحولت الى فليم يحمل نفس الإسم جسّده ببراعة الفنان ستيف ماكوين مع زميله الممثل داستن هوفمان، وفي مطلع التسعينيات وقع بين يدي كتاب شيّق بعنوان الهروب الى الحرية ، وثّق فيه الشاعر مرشد الزبيدي شهادات جنود عادوا من الأسر يتحدثون عن محاولات الهروب لأقرانهم من السجون الإيرانية ، واحد منهم فقط نجح بالوصول الى الوطن عن طريق اذربيجان بينما رفاقه كانت نهاياتهم مفجعة ، وقد اتيحت اليّ فرصة رؤية هذا الأسير النحيف كبردية في مبنى الإتحاد عندما جاء ليأخذ نسخة من الكتاب الذي تحدّث عن قصة هروبه التي تتقطع معها الأنفاس وانت تواصل قراءتك لتجربته المريرة بالهروب ؟ غير ان صديقي الذي عثرت عليه بعد ثلاثين سنة له فاصل مثير اشبه بالمعجزة في احدى مراحل قصة هروبه من العراق ، اذ حدثني قائلا بعد ان سارعت الى مهاتفته تلفونيا والإطمئنان ان الذي اسمع صوته هو صديقي علي طفاّر الذي عشت معه جنون الحياة الجامعية في المعهد الزراعي كُميت ، قال لي ونغمة صوته الناعمة ولوعتها لم تتغير برغم تراكم السنين ، ان الباخرة التي حملته من اليونان الى ايطاليا عن طريق مهرّب دون معرفة طاقمها بأمره ، بعد ابحارها بساعات عثر عليه احد الملاّحين بينما كان مختبئا في احد اركانها المهملة ، ولم يكن امام صديقي سوى الإشتباك مع الملاّح وتمكّن الإفلات من قبضته ثم القى بجسده الى البحر لكنهم اطلقوا عليه الرصاص فأصيب بثلاث اطلاقات واحدة اعلى يمين الصدر والأخرى بفخذه والثالثة بساقه ، ولكم ان تتخيلوا هذا الجسد النازف بالدماء كيف وصل الى الشواطىء الإيطالية ؟ بعد ان افاق في احدى مشافي ايطاليا سأله المترجم العراقي عن علاقته بترويض الحيتان ؟ فلم يد جوابا ، ثم عاد يسأله هل ان الحوت من ضمن عصابة التهريب التي يعمل معها ؟وظل صديقي مندهشا وقد غابت الأجوبة عن ذهنه ؟ وفجأة قال له المترجم انظر الى آثار اسنان الحوت التي مازالت شاخصة على صدرك ؟ ولماّ نظر اليها هطلت دموعه وطلب الغفران من الله معتقداً ان حوتاً حاول التهام جسده ؟ ثم التمسَ من المترجم ان يوضّح له ماهي القصة فقد التبس عليه الأمر، فأجابه المترجم العراقي ان جنود خفر السواحل الإيطالية لفت نظرهم سباحة حوت بأقصى سرعته متجهاً الى الشاطىء وبين فمه كتلة لم يتبينوا جنسها حتى القى بها الحوت على الشاطىء ثم اختفى في لجة البحر ، ولما هرعوا نحو الشيء الذي القاه الحوت وجدوك انت ؟؟ ، اجل حوت في عرض البحر انقذ صديقي من موت اكيد سبحان الله ، غير ان محنتة لم تنته اذ سرعان ماتم ترحيله الى العراق وجراحه لم تبرأ بعد ، وتركته الإستخبارات العسكرية في مشفى الرشيد تحت حراسة مشددة حتى يشفى من جراحه ثم التحقيق معه ، لكن يد الله الرحمية كانت معه ايضا ، اذ تعاطفت مع قصته ممرضة تنحدر من مدينته في الحمزة الشرقي ، ورسمت خطتها بالهروب معه الى الشمال بواسطة اسعاف وتحقق لهما النجاح ومنها ذهب الى ايران وظل هناك متعبّداً شاكرا الله لنعمة بقائه على قيد الحياة ، ثم عاد بعد سقوط الصنم الى اهله في الحمزة الشرقي ، وهو يزاول وظيفته بنجاح في مديرية زراعة الديوانية بالوقت الحاضر . لقد عدتُ الى غوغل بحثا عن قصة حوت انقذ كائنا ما وعثرت على فليم مصوّر لحوت ينقذ كلباً في وسط البحر ويعود به الى السفينة ، بل حتى يتبادل معه القبلات فرحا بسلامة وصوله ، وهو فليم حقيقي وليس مفبركا ، ويبدو ان عين الله مع عيون خفر السواحل الإيطالية من كانت تراقب ذلك الحوت الحنون الذي انقذ صديقي وتركه بأمان عند الشاطىء الإيطالي ، اجل ايها القراء الأعزاء كانت امي تقول لي عندما احمل حقيبتي عائدا الى جبهة الحرب الملتهبة بالجحيم وبعد ان تطش الماء خلفي اسمع صوتها يردد كما اسمعه الآن يمّه حسّوني الحي ميكتله كاتل ، وصدقت امي مثلما صدق صديقي المغامر علي طفّار ، نلقاكم بخير .
AZP20
HSNO























