أول الزمان.. مذكرات صبي
كتاب في حب مدينة الديوانية
باسم عبد الحميد حمودي
اسم الكتاب الكامل :(أول الزمان – مذكرات صبي من مدينة عراقية )ومؤلفه عالم في اللغويات واستاذ في اكثر من جامعة عراقية وعربية وكاتب وروائي ومترجم ممتاز وحسبه أنه أول من ترجم لنا في ستينات القرن الماضي كتاب كافن ماكسويل عن أهوار العراق ( قصبة في مهب الريح ).
الكتاب تتداخل فصوله وتتكامل لتقدم صورة روائية جميلة للغاية كما يقول الناقد باقر جاسم محمد في مقدمته,وياتي رأي الناقد رضا الطيار في مقدمة اخرى لطبعة الكتاب الثانية ليحلل بنية الذكريات التي جمعها كتاب الاستاذ التميمي عن مدينته ليجد( عالما متكاملا لابناء مدينة تعج بالحيوية والحياة, متعددة الاهتمامات فكريا وسياسيا واجتماعيا ….. وقد يجد ابناء المدن العراقية الاخرى صورة لهم وربما ابناء مدن شتى في الوطن العربي صورة لهم وصدى لذكرياتهم الشخصية ) صادق التميمي وضع مقدمتين لكتابه , كل مقدمة لطبعة ,وكانت الطبعة الاولى عام 2009 والثانية عام 2011 , ولكل مقدمة مذاق وسبب , ففي الاولى يتحدث المؤلف عن ظروف التأليف ومكانه البعيد ,وفي الثانية يتحدث عن حفاوة الديوانييين بالكتاب وعن احتفالات التكريم له في المحافل الثقافية الاردنية وفي الجامعة المستنصرية . (أول الزمان) للتميمي كتاب في استذكار طفولة وتجوال في منعطفات مدينة وفي عاداتها وتقاليدها ومعتقداتها الشعبية , وهو كتاب في البلدانيات ايضا وفي كل تفاصيل العشق الواله لمدينة احبها كل من عاش فيها ومنهم المتحدث , فكيف بابنها التميمي في طفولته وصباه ؟ يتوزع الكتاب على عدة فصول هي : شط الديوانية – الديوانية مقر الجيش- جسر الديوانية- القطار القادم من بغداد- ابن الكاظم-وللعيد يوم-حتى بلغ عدد الفصول ست وعشرون فصلا قصيرا توزعت فيها الاحاديث عن الاماكن والاحداث والذكريات المحتشدة التي تسجل جوانب من الحياة الاجتماعية في الخمسينيات من القرن الماضي لمدينة عاش اهلها متحابين متآلفين مهما دار الزمان انها لؤلؤة الشط الذي هو ( جاري فاطمة الزهراء) الذي يقسم المدينة الى صوبين و حيث يكون الصوب الصغير مقرا لدوائر الدولة, لكن الصوب الكبير ضم مقر الفرقة العسكرية الاولى للجيش العراقي ,وبسبب وجودها زاد مجيء اهل الوسط والشمال والجنوب لها ضباطا وجنودا مكلفين وضباط صف متعاقدين مع وزارة الدفاع , حيث اختلطوا باهلها وعاشوا زمنامعهم وبعضهم فضل البقاء فيها. في الشط ينتشل الكاتب فتاتين من الغرق وينقذ الناس شقيقه والشط عنده -رغم جماله – لايرحم. والمؤلف يصف تأثيرات وجود الفرقة الاولى في الديوانية وصفا اجتماعيا حيث تتلاقح المشارب والطوائف ويشارك العسكر اهل المدينة في فعالياتهم الاجتماعية والرياضية, و يصف جسر الديوانية الخشبي القديم وصفا دقيقا, يجد التميمي في الجسر الخشبي ملاذا وفضاء سرديا لحكايات لا تنتهي عن الجسر ومجتمعه : القرداتي الذي يصحب قرده قرب الجسر ليؤدي حركاته الطريفة , والجسر حين ينفتح بواسطة عملاقان يديران بكراته من الصوبين وهما يتصايحان ليرتفع جزء من الجسر في الفضاء لينفتح النهر امام السفن ذهابا وايابا ومتى ما اكتمل المرور عاد العملاقان لينزلا قطعتي الجسر المرفوعتين ليعود الجسر الى الحياةويمر المشاة من الصوبين عليه وليجلس منتصفه رجل اعمى نظيف الثياب والعمامة ليقرأ القران الكريم والناس تمنحه ما تمنح , والصبي التميمي يجلس قريبا منه ليستمع اليه وقد جلس عكس جلسته ومد ساقيه الى النهر متلذذا بلمس الماء والتحديق في فضاء النهر وهو يستمع الى المرتل الرخيم الصوت , حتى يكل الصبي وهو يحلم أن تكون له عضلات قوية مثل واحد من عملاقي الجسر قادرة على رفع بكرات الجسر ورفع جزء منه كما يفعلان …. اليست صورة قصصية بارعة ؟ هي كذلك , ولكن تتبعها حكايات اخرى عن مدينته الطيبة . في فصل القطارتجد صورة اخرى ومعلومات طريفة وفي الفصل الخاص ب( ابن الكاظم ) تجد مادة اخرى عن السيد المهاب التي كانت قبته قديما خارج الديوانية بعدة كيلو مترات , ثم امتد الى ضريحه العمران فاحاط به حاليا . ولا يأخذ التميمي من تاريخ ( ابن الكاظم ) الكثير بل يصف وصول الناس اليه ايام الاعياد والاتراح ووصول الزائرين له من اقطار الدنيا تبركا .ولابد لي من القول اني شهدت الناس في الديوانية منذ 1960 وقبلها تأخذ عروسيها الى ابي الفضل ابن الكاظم ليزورا قبيل الزفاف , وأن مقبرة كانت قريبة منه للاطفال ومنهم شقيقة التميمي رحمها الله , ولابد من القول أن ابن الكاظم هذا هو زيد النار الاخ الشقيق للامام موسى الرضا وقد ثار بالبصرة ضد المأمون العباسي فقبض عليه الحسن بن سهل وزير المأمون الذي كاد أن يأمر بقتله لولا أن تشفع له شقيقه الامام الرضا (ع) فاطلق المامون سراحه ,فانتفل الى وسط العراق وكان دفين الديوانية ( قبل أن تنشأ عليهاالدور ) سنة 199 للهجرة , وهناك من الاخبار من يقول انه مات مسموما,وهناك من يؤكد وفاته قرب مرو , وأن ابن الكاظم الموجود في الديوانية هو أحد أحفاد الامام موسى الكاظم (ع) , وحسبنا انا اخذنا الجانب الاستذكاري لا التاريخي في سعينا هذا. وتمر الفصول الاخرى حية بهيجة حيث فصل العيد واستذكاراته وفصل وصول القرويين الصباحي الى المدينة وبيعهم ومشترياتهم, ولا يقتصر وصف التميمي للقرويين والبدو القادمين الى المدينة للبيع والشراء بل يصف علاقاتهم داخل المدينة , باعة الاعشاب الطبية من البدو ومتابعة نساء الريف والبداوة لفتاحي الفال وقارئات الفنجان بحثا عن زوج او حلا لمشكلة , انها لخبرات فولكلورية متبادلة حيث يبحث التائق الى المجهول عما يساعده من الريف او المدينة ,حيث لم يعد الامر بيعا وشراء بل حياة متصلة .ونتابع الفصول الاخرى بمحبة , حيث فصل الختان المخيف على يد الزعرتي فريد وفصل الدراسة عند الملا وفصل دخول الابتدائية ,وفي كل فصل حيوات وذكريات حتى كان الانتقال الى بغداد عام 1953 للدراسة في دار المعلمين فكانت الدنيا غير الدنيا والمدينة الصغيرة غير العاصمة حيث التظاهرات والادب وما حولهما و لكن المؤلف يعود الى مدينته الاثيرة دوما ويستذكر اساتذته واصدقائه وجيرانه حتى انقطع به الزمان عنها وعاد اليها كهلا بعد طول فراق وكان ذلك عام 1995 , حيث بات النهر مأسورا بالابنية وتغيرت الدنيا ولا شاب يعرف ( كاع سيد عباس ) الواسعة التي كانوا يدرسون ويتحابون فيها . تغيرت الدنيا يا تميمي بك وبالديوانية ومقهى اللواء وبنا , وماعادت الدنيا كسابق عهدها ولعل البراءة والطيبة هما سمتا اهل الديوانية ومن عاش فيها .
(اول الزمان ) كتاب في الحب والاستذكار والخير والبوح بالمشرق المفيد وهو رسالة عشق للديوانية منذ أن كانت حتى يومنا هذا
تأليف : صادق التميمي























