كتاب في آفاق النصّ القصصي عن فرج ياسين

عن دار تموز كتاب في آفاق النصّ القصصي عن فرج ياسين حسين سرمك حسن يستحق القاص المبدع فرج ياسين” أكثر من كتاب ودراسة لملاحقة منجزه القصصي الذي أعدّه قليلا نسبيا قياسا إلى عمره السردي الطويل . بدأ فرج ياسين شاعرا في أواخر الستينات ثم تحوّل إلى كتابة القصّة القصيرة التي وجدها الحقل المناسب لموهبته الأصيلة ولإمكاناته الإبداعية . أصدر فرج ياسين حتى الآن خمس مجموعات قصصية هي : حوار آخر (1981) ، عربة بطيئة (1986) ، واجهات برّأقة (1995) ، رماد الأقاويل (2006) ، وذهاب الجُعل إلى بيته (2010) . وقد تعرّفت إلى منجز فرج منذ سنوات طويلة حين قرأتُ قصّته “الحبل” الشهيرة التي تُرجمت إلى عدة لغات أجنبيّة ، وهي من وجهة نظري من عيون القص العراقي والعربي . ثم لاحقت نتاجه تفصيليا فتوفّرت على قناعة راسخة هي أن فرج ياسين استطاع أن يضع بصمته المميزة على جسد القصة العراقية والعربية ، محافظاً على سماتٍ أسلوبية فريدة في مسيرةٍ قصصيّة رصينة وهادئة ، لكنها شديدة الثراء ، وتتطلب الكثير من البحث والدراسة . وعن دار تموز بدمشق صدر مؤخرا كتاب عن تجربة فرج ياسين القصصية بعنوان (في آفاق النص القصصي : مقاربات في الهويّة والنص والتشكيل عند فرج ياسين) ضمّ دراسات لمجموعة من النقّأد قام بتحريرها وتقديمها والمشاركة فيها الدكتور فيصل غازي النعيمي . في مقدّمة الكتاب (فرج ياسين : شعريّة الكتابة ، فضاء التجربة) يحدّد الدكتور فيصل غازي الإطار العام للكتاب والمتمثّل في عدم إمكانية الفصل بين الإنسان ومنجزه الإبداعي ، وبين الواقع الذي يعيشه ويتأثر به والنتاج التخييلي الذي يصوغه ، فيبيّن أنّ هذا التساؤل شائك ويحيلنا إلى أسئلة الوجود ، والكينونة والهوية ، والمنابع الأولى ، وتأثيرات التجربة الحياتية في التجربة الإبداعية (ص 7) ، ويشير إلى : (إن إثارة هذا النوع من الإسئلة لا بدّ منه عند مقاربة المدوّنة السردية للقاص فرج ياسين ، ذلك لأن القاريء يتلمّس الخيوط الدقيقة المنعقدة ما بين السيري والقصصي لدى هذا المبدع . ومن هنا فإن من الضروري القول إن السيرة الإبداعية لفرج ياسين مرتبطة بدوائر ثلاث ، ولا يمكن بأي حال فهم دائرة من دون فهم الدائرتين الأخريين) (ص 7 و8) . وتتحدّد الدائرة الأولى بالبدايات الأولى للقاص ، والثانية بالجو العائلي مرورا بالبيئة المحلّية ووصولا إلى المزاج الثقافي العراقي العام، والثالثة بعالم الطفولة . ووفق هذه الدوائر المركزية جاء الكتاب في ثلاثة محاور : الأول حول الهويّة الذاتية وساهم فيه الاساتذة : هشام محمد عبد الله وسناء شعلان وفيصل غازي . أمّا الثاني فقد تناول فيه الباحثون الهويّة النصّية وانقسم إلى جانبين : الأول هو العتبات النصّية (كوثر محمد علي ، وعلي جواد) ، والثاني هو الهوية المكانية (صلاح جاسم ، وحميد عبد الوهاب) . أما المحور الثالث والأخير فقد اختص بموضوعة آليات التشكيل السردي (جاسم عاصي ، سالم محمد ذنون ، عصام محمد خضر ، وسوسن البياتي) . ولعل أشدّ ما يؤثّر في نفس المتلقّي هي تلك اللمسة الإنسانية التي ذكرها فيصل غازي في المقدّمة حيث قال : (هذا الكتاب ذو طابع احتفائي / تخصّصي فهو في المقام الأول رسالة محبّة لأديب عراقي نبيل وأصيل ومؤثر في المشهد الثقافي ، ومع هذه المحبة هناك رؤى نقدية واعية حاولت أن تقارب سرديات فرج ياسين بعين فاحصة ومتأكدة من أدواتها النقدية) (ص 12) . تُرى كم مبدع عراقي أصيل ونبيل رحل ولم يسمع رسالة محبة مثل هذه .. تحية إلى المساهمين في هذا المشروع .. وتحيّة للقاص المبدع فرج ياسين .