قصة مقاتل عراقي – عبدالهادي البابي

قصة مقاتل عراقي – عبدالهادي البابي

 

حدثني أحد شباب الحشد ..قال : بعد معركة تحرير تكريت تحركت قواتنا إلى منطقة جبال مكحول ..وهي منطقة صعبة مكتظة بمواضع الدواعش التي كان منتشرة في الكهوف والوديان والسفوح ..وفي نفس الليلة التي وصلنا فيها إلى هناك حدث إختراق خطير لمواضعنا الجديدة من قبل مجموعات كثيرة من الدواعش ..فتراجعت أغلب القوة إلى الخلف بعد أن أعطينا شهداء وجرحى ..وبقينا نحن مجموعة من 6 مقاتلين محاصرين في منطقة حادة لانستطيع الحركة بسبب سيطرة القناصين الدواعش على كل المنطقة المحيطة من حولنا ..! بقينا محاصرين هكذا ثلاثة أيام دون طعام أو ماء ..وكلما تقدمت قوة من جماعتنا لتفك الحصار عنّا لم تنجح بذلك .. وأعطينا المزيد من الشهداء والضحايا ..! كنا نستتر خلف الصخور الكبيرة المحيطة بالموضع ..ولم يستطع الدواعش التقدم إلينا أو أسرنا ..وحتى أنهم طلبوا منا الإستسلام ..فرفضنا ذلك ورمينا عليهم فقتلنا منهم حتى تراجعوا عنا ..ولكن الجوع والعطش بدأ ينهكنا ..وأغمي على بعضنا من شدة ذلك ..! وفي الليلة الرابعة قام شاب من مدينة الصدر إسمه تحسين ..وقال سأذهب وآتيكم بالماء مهما كان الأمر ..وراح يزحف صوب مناطق التسلل التي فيها جماعتنا وكانت تبعد عنا نحو 400 مترتقريباً ..وكنا نسمع رمي الدواعش عليه وهو يزحف ويزحف بقوة ..حتى غاب عن أنظارنا .. وفي لحظات الفجر الأولى عاد تحسين وهو يحمل على صدره دبة ماء كبيرة (جلكان بلاستك أزرق) وعندما إقترب من منطقة القنص الخطيرة نزع درعه ولف به جلكان الماء ..وجعل يركض إلى الوراء بإتجاه موضعنا المحاصر وهو يتقى رصاص الدواعش وقناصتهم بظهره حتى لايصل الرصاص إلى الماء …سقط تحسين أكثر من مرة على الأرض ولكنه في كل مرة يعود وينهض ويركض مسرعاً نحونا وهو يصيح ..يالله ..يالله …!! وكنا نشاغل الدواعش بالرمي ولكنهم تكاثروا علينا ..وفي مكان قريب يبعد بضعة أمتار سقط تحسين على الأرض ..ولوّح لنا بيده قائلاً بصوت فيه حشرجة الموت : خويه تعالوا أخذوا الماء من عندي ..أنا أعذروني بعد ماأكدر ..! هرعنا إليه ونحن نرمي بإتجاه الدواعش بكثافة لنستتر بالرمي ..وصلنا إلى تحسين ..وجدناه ينزف من كل مكان من جسمه…غارقاً بدمائه منحنياً على دبة الماء وقد ملأ الرصاص ظهره وبعض أخترق صدره .. سحبناه بسرعة مع الجلكان الذي كان قد ربطه على بطنه وحماه بدرعه ..حتى وصلنا الى الموضع الدفاعي ..كان تحسين قد فارق الحياة شهيداً سعيداً ..وأما نحن أعطينا الماء للذين أغمي عليهم من العطش وشربنا حتى أرتوينا وأستعدنا قوتنا ..وفي اليوم التالي وصلت قوة كبيرة من الشرطة الإتحادية وفكت الحصارعنّا ..وهكذا عشنا حياة أخرى وعمراً آخر بفضل الله وفضل الشهيد تحسين الذي أنقذنا من الموت عطشاً ..! ماأشبه قصص أولادنا الأبطال في الحشد الشعبي بقصص أبطال واقعة عاشوراء ..ولكن أعذرني سيدي العباس ..فتحسين أوصل الماء لإخوته المحاصرين ..ولكنك لم تستطع أن تصل بالماء الى بنات رسول الله …لإنك فقدت عينك ويديك الكريميتين …ثم أراقوا ماء القربة بسهم لعين ..فخجلت من العودة ..وفضّلت الشهادة ..!! فالسلام عليك يا أبا الفضل في يوم شهادتك ..والسلام على الشهيد تحسين الذي سار على نهجك وخطاك !

كربلاء