قراءة في مذكرات الطبيب البارع فرحان باقر
آراء منصفة في حكّام العراق الذين شخّص عللهم
شكيب كاظم
الاستاذ الطبيب فرحان باقر، علم من أعلام الطب الباطني في العراق، لعل الجيل الجديد من الاطباء والناس، يعرفون القليل عن اخلاصه وعلميته، فقد بَعُدَ العهد بينه وبينهم، ولعل اساتذتهم ينقلون الى اطباء اليوم من الشداة، شيئاً من أخبار هذا العلم الشامخ، اخلاصاً وعلماً وخُلقاً قويماً ونزيهاً، وتمسكاً بأهداب الفضائل، اذ غادر فرحان باقر النطاسي اللوذعي البارع، بلده العراق مرغما اوائل الثمانينات، بعد ان أحيل الى التقاعد وكوكبة رائعة من اساطين الطب في العراق، لاسباب مزاجية، ليس بينها وبين العلم والاخلاص لمهنة الطب اية علاقة او وشيجة، فيما عرفت على مستوى العالم بمجزرة مدينة الطب، حتى انها تناولتها المجلة الدوائية البريطانية الرصينة hospital medicine منهم: سالم فاروق الدملوجي، وخالد ناجي، وخالد عبد العزيز القصاب، ولمعان امين زكي، ومردان علي الذي كان رئيسا لمؤسسة مدينة الطب، وزهير رؤوف البحراني، وعز الدين شكارة، ومهدي مرتضى وغيرهم.
بعد ان تخرج فرحان باقر، المولود في مدينة الكاظمية سنة 1926، في الكلية الطبية الملكية العراقية، التي كان فضل تأسيسها يعود لمؤسس الدولة العراقية الحديثة، الملك فيصل الاول بن الحسين الهاشمي، وتولى انشاءها، الطبيب البريطاني سندر سن باشا، طبيب العائلة الملكية، فانه توجه الى المملكة المتحدة لزيادة محصوله العلمي فحصل على شهادة زميل كلية الطب الملكية البريطانية المعروفة اختصاراً بـ(M.R.C.P) ثم ذهب الى الولايات المتحدة لزيادة كفاءته الطبية، وعلى الرغم من المغريات المادية والمعنوية التي عُرضت عليه للبقاء والعمل في نيويورك، الا انه آثر العودة الى ارض الوطن لخدمة ابنائه، ولرد بعض الدين الذي في عنقه لبلده، لكن هذا العلم يضطر لمغادرة العراق سنة 1981، متوجهاً الى الولايات المتحدة، ولكن بعد نحو ربع قرن! يقول: كانت المغريات كثيرة ومكثفة اثناء وجودي هناك، تتبعها الجنسية التي يصبو اليها الكثيرون، ولكن حب الوطن والتعلق العائلي غلبا على كل المغريات، لذلك رجعت الى بلدي الحبيب يوم 16/أيلول/ 1956.
طبيب هذا شأنه وهذه علميته، وهذا اخلاصه، لاشك سيكون محط انظار المسؤولين والحكام في العراق، فلا غَرْوَ ان يستدعيه وزير الصحة اللواء الطبيب محمد عبد الملك الشواف على عَجَلِ للحضور الى مستشفى دار السلام بمنطقة العلوية في بغداد، التي نقل اليها رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم، بعد محاولة الاغتيال الفاشلة مساء الاربعاء السابع من تشرين الاول 1959، للاسهام في علاجه، وبعد فحصه، وجد ان صدره غير مصاب، وان الرأتين سالمتان، ولم تتأثرا بالاطلاق الناري، ولايوجد استرواح صدري، اي وجود هواء في الصندوق الصدري، لتكون هذه المعالجة، بداية علاقة طيبة مع عائلة الزعيم عبد الكريم، اذ تولى علاج شقيقته ام رعد وزوجها اللواء الركن عبد الجبار جواد، فضلاً على زوجة شقيقه حامد قاسم وبقية افراد الاسرة،
يحدثنا فرحان باقر عن احدى زياراته العلاجية لوزارة الدفاع حيث المكتب الرسمي للزعيم، عن طعامه البسيط بـ(السفر طاس) الذي يجلب له من دار شقيقه حامد قاسم، وفي بعض الاحيان من دار شقيقته التي كانت تسكن منطقة الوشاش الشعبية، لكن لم تكن له علاقة طبية مع عبد السلام عارف، على الرغم من العلاقة الطبية الوثيقة مع شقيقه اللواء عبد الرحمن عارف، يذكر الطبيب فرحان باقر، ان السبب يعود الى نصيحة القاها في مسامعه احد زملائه.
فرحان باقر لعلو اخلاقه ودماثتها، وصف (وشاية) زميله لدى عارف بانها نصيحة، وعلى الرغم من معرفته السبب، ومعرفتي انا السبب-كذلك- فانه يقول وكنت اجهل سبب استبعادي من الفريق الطبي المعالج له، وارى ان السبب طائفي.
كان اللواء المتقاعد احمد حسن البكر، من الذين يراجعونه لغرض المعالجة، ولقد تأكد من اخلاصه وعلميته، حتى اذ تولى السلطة سنة 1968، جعله طبيب القصر الجمهوري الخاص الى جانب كوكبة طيبة من اطباء العراق: ابراهيم الحيالي للقلبية وعبد الحميد السعدي ومحمود الهاشمي للعيون، وهادي السباك للعظام والكسور، وجلبرت توما وعزيز الموسوي للانف والاذن والحنجرة، علي كمال وآرتين قنطرجيان للاعصاب وزهير البحراني للجراحة.
لغة الطبيب فرحان باقر في كتابه هذا الذي وسمه بـ(حكيم الحكام من قاسم الى صدام) والصادرة طبعته الاولى عن دار المدى سنة 2008، لغته مكثفة مركزة، فضلا على سمو تعبيري ولغوي، فهو يعفُ عن الاساءة الى من اساء اليه، لغته رقيقة، رقة هذا الانسان الذي راجعته طبياً في الاول من شباط سنة 1966، لالم مزمن في معدتي، رافقني طوال عمري فحرمني لذائذ الطعام، لكن المؤسف ان الكثير من هؤلاء الاعلام تشغلهم صروف الايام والعمل عن تدوين مذكراتهم وذكرياتهم آنياً، حتى اذا تفرغوا بعض تفرغ، قعدوا لكتابة المذكرات، لذا رأيت فيها بعض الهنات الهينات مثل تأرخته لمحاولة اغتيال الزعيم يوم 16/ اكتوبر/ تشرين الاول/1959. تراجع الصفحة 45، والصحيح كما اسلفت يوم الاربعاء 7/تشرين الاول/1959، كما يؤرخ لحركة 18/تشرين الثاني/ 1963 وانهاء عبد السلام لحكم البعث، بقوله على الصفحة 54 (وجاءت حركة تشرين يوم 4/11/1963 التي انهت الحكم المباشر لحزب البعث لمصلحة العناصر العسكرية).
الطبيب النطاسي البارع فرحان باقر، الذي كان بسبب علميته العالية ودقته واخلاصه قريبا من الحكام، طبيبا معالجا، دوَّن ملاحظاته وانطباعته عن الحكام الذين عالجهم ومما يزيد في دقة هذه الملاحظات والثقة بها، انها صادرة عن رجل يتسم بالحياد والبعد عن عالم السياسة، لذا فانه يصف الزعيم قاسم: انه كان حاد الذكاء وله المام واسع بالمجتمع العراقي، لم يطمح بمال ولا مكسب، ولم يستفد من منصبه اقاربه وذووه وظيفيا او ماليا، وكانت معيشته في وزارة الدفاع بمنتهى البساطة والتواضع، لم يكن شيوعياً، ولم يكن ضد القومية العربية، كان بعيداً عن الطائفية.. تراجع الصفحة 50.
في حين يبدي رأيه بالرئيس عبد الرحمن عارف، قائلاً: كان الفريق عبد الرحمن عارف، ابو قيس رجلاً متوازناً هادئ الطبع، بسيطاً متواضعاً دمث الاخلاق ليصبح الاول والوحيد من بين حكام العراق الذي لم يواجه نهاية مأساوية. تراجع ص55.
اما انطباعته عن البكر، الذي كان طبيبه سنوات طويلة، وحتى قبل تسنمه منصب الرئاسة فيوجزه بقوله: وهنا لابد لي ان اتطرق الى صفات السيد البكر من خلال ملازمتي الطويلة له. كان رجلاً هادئاً ومتزناً بصورة عامة، ولكنه سريع الغضب عندما يصل الى علمه شيء مهم لايعجبه. كان متواضعاً ولديه نية صادقة لخدمة بلاده – حسب اعتقادي- يحترم الاطباء والعلماء، ومولعاً بالطب الى الحد الذي كان يهيء نجله الصغير محمد لان يكون طبيباً، ولم تتحقق هذه الفكرة للاسف. كان حبه للاطباء خالصاً ومطلقاً ويحاول رفع الكلفة بينه وبينهم، وكان يصر على مرافقتي الى باب البيت واحيانا الى سيارتي حين اخرج من عنده، وفي احد الايام ابديت اعجابي برائحة الشاي الذي شربته لديه، فاخبرني بانه متأت من اوراق العطر التي اضيفت اليه، وعند انصرافي اصر ان يحمل (النبتة) بيديه وبنفسه ليضعها في سيارتي، ولم تنفع معارضتي القوية له في منعه من ذلك تراجع ص103. ويضيف: واعتقد ان السلبية الكبيرة للرئيس البكر هي ايمانه المطلق واعتماده الكامل على نائبه/ ص109.
ان كتاب (حكيم الحكام من قاسم الى صدام) لمؤلفه الطبيب الحاذق فرحان باقر، اسهامة طيبة في الكتابة الانطباعية المستوحاة من الذاكرة، التي مازالت وقادة تسعفه في التذكر والتدوين عن مرحلة من الحياة العراقية زادت على النصف قرن، ليضاف الى قائمة الاطباء الذين حذقوا فن الكتابة الى جانب حذقهم لمهنة الطب وفنها وفي الذاكرة جهود الطبيب اديب توفيق الفكيكي في كتابه الموسوعي الضخم الذي صدر في ثلاثة اجزاء والموسوم بـ (تأريخ اعلام الطب العراقي الحديث) فضلا على مذكرات الطبيب الحاذق كمال السامرائي التي اصدرها باجزاء عدة عنونها بـ(حديث الثمانين. سيرة وذكريات) وكذلك مؤلفات طبيب النفس علي كمال الذي وان كان فلسطيني الجنسية، الا انه عمل في العراق طويلاً، وفي الذاكرة كتابه المهم (النفس: انفعالاتها وامراضها وعلاجها) الصادرة طبعته الثالثة الجديدة والموسعة سنة 1983، عن الدار العربية ببغداد، فضلا على مذكرات الجراح البارع الطبيب وليد شوكت الخيال، الصادرة سنة 2009 بكتاب حمل عنوان (ذكريات العمر).























