قراءة خارج المتن عن تقريظ كتاب الغرفة‮ – ‬46


قراءة خارج المتن عن تقريظ كتاب الغرفة‮ – ‬46
عبد الحسين شعبان

اهتمام كبير قرأت ما كتبه أحمد عبد المجيد الصحافي‮ ‬القدير والحاذق،‮ ‬رئيس تحرير صحيفة الزمان‮ (‬طبعة العراق‮)‬،‮ ‬تقريظًا لكتابي‮ “‬الغرفة‮ – ‬46: سرديات الإرهاب‮ – ‬خفايا وخبايا‮”‬،‮ ‬دار الرافدين،‮ ‬بيروت‮ – ‬بغداد،‮ ‬2023? وهو أوّل تقريظ‮ ‬يصدر عن الكتاب‮. ‬وكنت قد أهديته له في‮ ‬زيارتي‮ ‬القصيرة إلى بغداد،‮ ‬حيث كان الكتاب في‮ ‬طريقه إلى المكتبات‮.‬
ومن دون مجاملة‮ ‬يمكنني‮ ‬القول أن التقريظ متميّز لسببين ؛ الأول‮ – ‬لأنه‮ ‬يصدر عن كاتب متميّز،‮ ‬وفي‮ ‬جريدة متميّزة؛ والثاني‮ – ‬لأنه‮ ‬يوسّع دائرة الاهتمام في‮ ‬موضوع خطير‮ ‬يعالجه الكتاب،‮ ‬وأعني‮ ‬به الإرهاب،‮ ‬والذي‮ ‬قدّمته بأسلوبين متداخلين‮ ‬يكمّلان بعضهما البعض؛ فهو سردية مفتوحة،‮ ‬أقرب إلى رواية درامية بفصول مختلفة على مدى‮ ‬يزيد عن ثلاثة عقود من الزمن من جهة؛ ومن جهة ثانية،‮ ‬دراسة فكرية حقوقية وقانونية موثّقة،‮ ‬تتّسم بالتفريق بين المقاومة والإرهاب،‮ ‬وقد ظلّ‮ ‬الكتاب حبيسًا في‮ ‬أدراج مكتبي‮ ‬لربع قرن من الزمن تقريبًا،‮ ‬لأسباب جئت على ذكرها في‮ ‬المقدمة‮.‬

لم أكتف بشهادة الغرفة‮ ‬46 التي‮ ‬دوّنتها عن عاطف أبو بكر،‮ ‬بل قلّبت كلّ‮ ‬ما ورد فيها تدقيقًا وتمحيصًا وتعميقًا وإضافةً‮ ‬واختلافًا،‮ ‬سواء ما بين السطور أو ما خلفها من القنوات السريّة المشكوك وغير المشكوك فيها،‮ ‬وذلك بهدف استكمالها بالتنقيب والحفر والتنبيش والتعقّب والملاحقة،‮ ‬لإظهار الحقيقة بجميع جوانبها،‮ ‬وقد جعلت من صاحبها محورًا تدور حوله الحكاية،‮ ‬مقارنةً‮ ‬ومقاربةً‮ ‬لما سبق،‮ ‬فضلًا عن مقابلات ودراسات وكتب وأبحاث تخصّ‮ ‬الموضوع،‮ ‬ناهيك عمّا اختزنته من رصيد معلوماتي‮ ‬على مدى زاد عن خمسة عقود ونصف العقد من الزمن،‮ ‬من علاقة بالمقاومة الفلسطينية وتياراتها واتجاهاتها‮.‬
قراءة مغايرة
جاء تقريظ أحمد عبد المجيد للكتاب من خارج محتواه أحيانًا،‮ ‬أو من خارج النص كما‮ ‬يُقال،‮ ‬بتقديم نص آخر أو رؤية أخرى،‮ ‬بعضها كان سائدًا،‮ ‬بمواصفات تلك المرحلة السريّة الشديدة الغموض والإبهام والالتباس‮.‬
وباشتباك ودّي‮ ‬أقول ثمّة معطيات كانت تسرّبها ماكينة إعلام بعض الجهات التي‮ ‬كان أبو نضال قريبًا منها أو تصدر أحيانًا عن بعض أعوانه أو من‮ ‬يتعاون معه،‮ ‬لإظهاره الأكثر‮ “‬ثورية‮” ‬في‮ ‬ممارسة‮ ” ‬العنف الثوري‮”‬،‮ ‬في‮ ‬حين أن الغالبية الساحقة من الأعمال التي‮ ‬قام بها تندرج في‮ ‬نطاق الإرهاب،‮ ‬وقسمها الأكبر ضدّ‮ ‬فلسطينيين أو معارضين‮ ‬لأنظمة حاكمة،‮ ‬وفي‮ ‬الكتاب أمثلة كثيرة على أساليب الابتزاز وعرض الخدمات على الفرقاء المتخاصمين حسبما تقتضي‮ ‬الحالة أو الحاجة‮. ‬
لا أدري‮ ‬كيف قفزت إلى ذهني‮ ‬عبارة كارل ماركس‮ ‬في‮ ‬الثامن عشر من برومير‮ “‬لويس بونابارت‮”‬،‮ ‬والتي‮ ‬يقول فيها‮: ‬عجبي‮ ‬على من‮ ‬يريد أن‮ ‬يمثّل دور البطل وهو متوسط المواهب ومحدود المعرفة‮.‬
وكما هو معروف عن سيرة‮ “‬الرجل‮” ‬أنه كان بسيطًا،‮ ‬لا تتعدّى ثقافته الأدبيات السياسية ذات‮ “‬الجمل الثورية‮” ‬و”العبارات الرنانة‮”‬،‮ ‬خصوصًا بعد زيارته للصين في‮ ‬مطلع السبعينيات،‮ ‬فقد بدأ حياته كعامل تمديدات كهربائية‮ ‬في‮ ‬السعودية وانتقل إلى الأردن،‮ ‬حيث افتتح مكتبًا اعتُبر محطة سريّة لفتح،‮ ‬التي‮ ‬كان عضوًا فيها،‮ ‬وهو ما كان‮ ‬يؤكده الراحل ناجي‮ ‬علوش،‮ ‬الذي‮ ‬كان أمينًا لسر التنظيم بعد فترة قصيرة شغلها منير شفيق‮ (‬أطال الله في‮ ‬عمره‮)‬،‮ ‬وكلاهما اختلف معه وحاول اغتيالهما،‮ ‬إضافة إلى ما ذكره من الراحل محمد داود عودة‮ (‬أبو داود‮) ‬الذي‮ ‬تعاون معه لفترة قصيرة،‮ ‬وقد حاول اغتياله أيضًا،‮ ‬وتفاصيل ذلك موجودة في‮ ‬الكتاب،‮ ‬فضلًا عن ذلك،‮ ‬لا‮ ‬يُعرف عنه أية اهتمامات تُذكر بالثقافة أو الفكر السياسي‮.‬
باتريك سيل
حين وصف باتريك سيل عاطف أبو بكر بأنه‮ “‬أمهر الرجال الذين قابلهم في‮ ‬الحركة الفلسطينية‮”‬،‮ ‬فذلك انطباع صحافي‮ ‬غربي،‮ ‬وهو ليس خفيفًا ليصدر حكمًا بهذا المعنى‮ ‬يجانب الحقيقة أو‮ ‬يُجامل فيها،‮ ‬فعاطف أبو بكر،‮ ‬وكما عرفته في‮ ‬بغداد في‮ ‬بدايات شبابه في‮ ‬العام‮ ‬1968 كان واعدًا،‮ ‬وهو في‮ ‬تنظيم فتح،‮ ‬وكان كادرًا طلابيًا مرموقًا،‮ ‬ثم انتقل إلى القاهرة في‮ ‬قيادة الاتحاد العام لطلبة فلسطين،‮ ‬ولكفاءاته اختير وهو شاب ليكون سفيرًا لمنظمة التحرير الفلسطينية،‮ ‬في‮ ‬أواخر سبعينيات القرن الماضي،‮ ‬حيث عمل سفيرًا في‮ ‬بلغراد وبودابست وبراغ،‮ ‬وتابعت مسيرته خلال تلك الفترة،‮ ‬التي‮ ‬سجّلت علاقات جيّدة مع الجاليات العربية في‮ ‬تلك البلدان،‮ ‬إضافة إلى علاقاته الإيجابية وصداقاته بالمضيفين‮.‬
‮ ‬وقد اهتمّ‮ ‬منذ شبابه بالأدب بشكل عام والشعر بشكل خاص،‮ ‬وله عدة مجموعات الشعرية،‮ ‬إضافة إلى ذلك كان‮ ‬يمتلك عقلًا منظمًا وذاكرة‮ ‬يقظة،‮ ‬ولغته العربية سليمة وجملته أنيقة،‮ ‬وله كاريزما وحضور جلي،‮ ‬ومثل تلك المواصفات تجعل من شخصية مثل باتريك سيل‮ ‬يُعجب به،‮ ‬بل إن شخصيته تثير الإعجاب فعلًا،‮ ‬وإن كان لديّ‮ ‬ملاحظاتي‮ ‬على خياره السياسي‮ ‬الأخير والخاطئ،‮ ‬سآتي‮ ‬على ذكرها‮.‬
لعلّ‮ ‬الحوارات التي‮ ‬أجراها عاطف والمقابلات التي‮ ‬أعطاها،‮ ‬تكشف مدى قيمته الحقيقية،‮ ‬ولا أقصد هنا الكتاب الذي‮ ‬نحن بصدده،‮ ‬والذي‮ ‬هو في‮ ‬جزء منه مراجعة نقدية لتجربته،‮ ‬بقدر ما فيه من تقييم لحركة المقاومة الفلسطينية،‮ ‬وفي‮ ‬جانب آخر ما له علاقة بحركة التحرّر الوطني،‮ ‬وبالعديد من البلدان التي‮ ‬عمل فيها‮. ‬وفي‮ ‬خريطة العلاقات تلك تنبجس الكثير من الأسرار والمعلومات التي‮ ‬ظلّت مستترة أو محجوبة أو ضائعة أو مضبّبة،‮ ‬وعلى الباحث التعامل معها من هذا الموقع،‮ ‬بحذر ومسؤولية في‮ ‬الآن،‮ ‬خصوصًا وهي‮ ‬تصدر عن صاحب رأي‮ ‬واجتهاد قد تتفق معه أو تختلف‮.‬
أعتقد أن القراءة الصحفية السريعة وراء مثل هذا الالتباس الذي‮ ‬حصل في‮ ‬التقريظ،‮ ‬فعاطف أبو بكر لم‮ ‬يكن مستفيدًا من الانشقاق الذي‮ ‬وقع بالحصول على امتيازات‮ ‬ياسر عرفات في‮ ‬أعقاب ذلك،‮ ‬حيث أوفد سفيرًا إلى دول شرقية عدّة،‮ ‬كما ذكر عبد المجيد،‮ ‬بل أنه ضحّى بالامتيازات والمناصب في‮ ‬خلافه مع عرفات،‮ ‬حيث التحق بحركة فتح الانتفاضة العام‮ ‬1983 في‮ ‬الشام‮ (‬ضدّ‮ ‬ياسر عرفات‮)‬،‮ ‬وبسبب عدم توافقه معها،‮ ‬عرض عليه أبو نضال الانضمام إليه ليكون الشخص الثاني‮ ‬فعليًا والمسؤول عن الإعلام والعلاقات والكيان التنظيمي‮ ‬بعد حرب المخيّمات الشهيرة في‮ ‬لبنان،‮ ‬التي‮ ‬كان له دورًا توفيقيًا تصالحيًا فيها،‮ ‬ووافق بشروط،‮ ‬على أن‮ ‬يتمّ‮ ‬تحويل الجزء الأساسي‮ ‬من التنظيم إلى العمل السياسي‮ ‬والإعلامي،‮ ‬ويبقى الجزء العسكري‮ ‬في‮ ‬مواجهة‮ “‬إسرائيل‮”‬،‮ ‬و”إسرائيل‮” ‬فقط‮. ‬
وقد‮ ‬يكون مثل ذلك العرض إغراءً‮ ‬لقبوله الموقع وانتقاله من ضفّة إلى أخرى‮. ‬فأبو نضال ظلّ‮ ‬يبحث عن أسماء لامعة،‮ ‬بل‮ ‬يحتاج إليها،‮ ‬خصوصًا وأن سمعة التنظيم‮ ‬يغلب عليها الطابع العنفي‮ ‬الإرهابي‮. ‬وإذا كان ثمة هدنة أو مراوحة لطمئنة أبو بكر،‮ ‬إلّا أنها سرعان ما شهدت تراجعًا مريعًا،‮ ‬فبدأت الخلافات بإخراج التنظيم من سوريا،‮ ‬بعد أن شعر أبو نضال أنه لم‮ ‬يعد بإمكانه السيطرة عليه والتحكّم به كليًّا،‮ ‬وذلك في‮ ‬العام‮ ‬1988? أي‮ ‬أن عاطف لم‮ ‬يعمل فعليًا فيه سوى ثلاث سنوات ونيّف‮ (‬من العام‮ ‬1985 وإلى العام‮ ‬1988)?حيث بدأت الخلافات والشكوك تكبر بين الطرفين،‮ ‬خصوصًا حين تكشّفت الكثير من الأوراق وأصبحت بيد عاطف،‮ ‬لاسيّما باختفاء بعض مساعدي‮ ‬أبو نضال بطريقة‮ ‬غامضة‮ ‬يرد تفصيلها في‮ ‬الكتاب‮.‬
‮ ‬وقد توجّس الشاعر مظفر النواب خيفة على حياة أبو بكر،‮ ‬لأنه‮ ‬يعرف أبو نضال جيدًا،‮ ‬وهو ما أسرّني‮ ‬به في‮ ‬حينها،‮ ‬وسعى كي‮ ‬لا‮ ‬يناله سوء مثلما حاول الليبيون ذلك،‮ ‬خشية من حدوث المحذور،‮ ‬فعاطف اسم علم التقى رؤساء وزعماء ومسؤولين عديدين،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬قد‮ ‬يثير اغتياله إحراجًا،‮ ‬لكنه في‮ ‬نهاية المطاف أدرك أن كلّ‮ ‬ذلك قد لا‮ ‬يحول دون تدبير أمر ما له،‮ ‬وقد‮ ‬يتّهم طرفًا ثالثًا،‮ ‬فاضطرّ‮ ‬إلى الهروب إلى أحد البلدان وظلّ‮ ‬مختفيًا عن الأنظار منذ‮ ‬35 عامًا إلى اليوم،‮ ‬وتوفيت زوجته الأولى أم فرح،‮ ‬وهو في‮ ‬محنته وفي‮ ‬وضع صحي‮ ‬ونفسي‮ ‬ومالي‮ ‬لا‮ ‬يُحسد عليه‮. ‬
ظلّ‮ ‬الهم الأكبر لعاطف هو كشف الحقيقة مهما كان الثمن كما قال،‮ ‬وبسبب ذلك تحمّل الاختفاء الطوعي‮ – ‬القسري،‮ ‬وهو الرجل الذي‮ ‬شهدت له المحافل الدبلوماسية والسياسية والإعلامية صولات وجولات‮.‬
أظنّ‮ ‬من الخطأ الكبير إسباغ‮ ‬صفة الشجاعة على من‮ ‬يقوم بأعمال القتل بدم بارد أو ارتكاب أعمال عنف منفلتة من عقلها أو بتفجير‮ ‬يلحق أذى بالسكان المدنيين الأبرياء العزّل،‮ ‬انتقامًا من رأي‮ ‬أو وجهة نظر أو موقف،‮ ‬فما بالك حين تكون الضحية فلسطينية أو عربية،‮ ‬بغضّ‮ ‬النظر عن خطئها أو صوابها،‮ ‬فالشجاعة صفة لصيقة بالخير وليست بالشر،‮ ‬والقاتل أو المجرم أو المرتكب أو الجلّاد لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون شجاعًا،‮ ‬حتى وإن انتصر على خصمه وحطّمه وأذلّه،‮ ‬فتلك انتصارات أشدّ‮ ‬عارًا من الهزيمة‮.‬
والثورة في‮ ‬نهاية المطاف ليست حمام دم،‮ ‬على حدّ‮ ‬تعبير روزا لوكسمبورغ‮ ‬في‮ ‬رسالتها الشهيرة إلى لينين،‮ ‬والعنف سيلوّث المبادئ الإنسانية‮. ‬
الشجاعة فضيلة من فضائل القلب الحرّ،‮ ‬أمّا العنف والقسوة وإرهاب الآخر،‮ ‬فتلك من صفات الشر،‮ ‬ولا علاقة لها بالشجاعة،‮ ‬والشر عمل جبان ومن‮ ‬يقوم به كذلك،‮ ‬ومن‮ ‬يمارس العنف لإرغام خصمه أو عدوّه على الإذعان،‮ ‬فإنه‮ ‬يمارسه بحقّ‮ ‬نفسه أيضًا،‮ ‬أي‮ ‬بانتزاع ما تبقّى من إنسانيته‮.‬
بالمحصلّة أستطيع القول،‮ ‬لم تقدّم تلك الأعمال الإرهابية أية خدمة للفلسطينيين،‮ ‬وحتى بعض الأعمال العنفية،‮ ‬مثل خطف الطائرات أو‮ ‬غيرها،‮ ‬التي‮ ‬التجأ إليها المناضل وديع حداد،‮ ‬فإنها كانت محدودة وليست ضدّ‮ ‬الفلسطينيين،‮ ‬وهدفها إلفات نظر العالم للقضية الفلسطينية بتعريض الرأي‮ ‬العام العالمي‮ ‬للصدمة،‮ ‬بعد خمول وطغيان القوّة،‮ ‬في‮ ‬ظرف عربي‮ ‬وإقليمي‮ ‬ودولي‮ ‬لم‮ ‬يكن مؤاتيًا حينها،‮ ‬ومع ذلك تخلّت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عن هذا الأسلوب،‮ ‬ولم تعد تلجأ إليه‮. ‬وبالطبع لا علاقة لتلك الأعمال بالعنف الثوري‮. ‬وتكرّست أعمال المنظمات الفلسطينية،‮ ‬فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية والقيادة العامة وجبهة النضال الشعبي‮ ‬وحماس والجهاد وغيرها،‮ ‬في‮ ‬الكفاح ضدّ‮ ‬العدو الصهيوني،‮ ‬باستخدام جميع أساليب النضال،‮ ‬من أبسطها حتى أرقاها ضمن إطار مشروع قانوني‮ ‬حقوقي‮.‬
المقاومة والإرهاب
لم‮ ‬يكن القصد من فتح ملف‮ “‬الإرهاب والإرهاب الدولي‮” ‬هو الإدانة وحسب،‮ ‬بل التفريق بين الإرهاب والمقاومة،‮ ‬وهو ما حرص الكاتب على إبرازه في‮ ‬فصل خاص ألحقه بالكتاب،‮ ‬ويتألف من‮ ‬45 صفحة،‮ ‬تحدّث فيه عن الإرهاب الفردي‮ ‬والإرهاب الجماعي‮ ‬ومافيا الفكر والإرهاب الإعلامي‮ ‬والمعاهد المتخصصة للدعاية والتضليل،‮ ‬حيث القاعدة في‮ ‬العدالة بالحق وليست بالقوّة في‮ ‬إطار مناظرات فقهيّة بينهما‮.‬
حين تتمكّن فكرة ما،‮ ‬حتى وإن كانت نبيلة،‮ ‬من عقل إنسان فتصيبه بالتعصّب،‮ ‬ووليده التطرف بالانتقال من التفكير إلى التنفيذ،‮ ‬وإذا ما صارت سلوكًا،‮ ‬سيتحوّل إلى عنف،‮ ‬وإذا ما ضرب عشوائيًا‮ ‬يصبح إرهابًا،‮ ‬وتلك الحالة تُعطي‮ ‬لصاحبها الحقّ‮ ‬في‮ ‬ممارسة كلّ‮ ‬ما هو محظور بزعم امتلاك الحقيقة وادّعاء الأفضليات،‮ ‬فحتى أكثر الأفكار إنسانيةً،‮ ‬بما فيها العقائد الدينية،‮ ‬فإنها لا تعصم من ارتكاب الجريمة،‮ ‬فما بالك حين‮ ‬يُصبح العنف والإرهاب نظرية عمل وليس وسيلة لتحقيق‮ ‬غاية،‮ ‬فالغاية الشريفة تحتاج إلى وسائل شريفة لتحقيقها،‮ ‬والوسيلة من شرف الغاية،‮ ‬مثل البذرة إلى الشجرة،‮ ‬حسب المهاتما‮ ‬غاندي‮.‬
لقد عيّر أبو نضال باتريك سيل بأصله اليهودي‮ ‬وفكره الصهيوني،‮ ‬علمًا بأن الرجل أسلم وتزوّج من الشاعرة السورية رنا قبّاني،‮ ‬لمجرّد أنه حاول تناول سيرته،‮ ‬وحاول حنّا مقبل،‮ ‬الأمين العام لاتحاد الصحفيين العرب،‮ ‬منذ العام‮ ‬1979 الاقتراب من تدوين سيرة جماعة أبو نضال،‮ ‬فلقى مصرعه في‮ ‬قبرص‮ (‬أيار‮ / ‬مايو‮ ‬1984) وكان ثمة شبهات حامت حول جماعة أبو نضال في‮ ‬مقتله‮. ‬
أما ميشيل النمري‮ ‬أحد مؤسسي‮ ‬رابطة الكتاب الأردنيين ورئيس تحرير مجلة الموقف العربي،‮ ‬وصاحب نشرة‮ “‬النشرة‮”‬،‮ ‬فقد قتل هو الآخر،‮ ‬لمجرد اقترابه من تناول الظاهرة الإرهابية‮.‬
‮ ‬مثلما اغتيل‮ ‬يوسف السباعي‮ ‬وزير الثقافة المصري‮ ‬الأسبق،‮ ‬وأمين عام منظمة التضامن الأفروآسيوي‮ ‬من ذات الجماعة،‮ ‬والمبرّرات متوفّرة وكثيرة،‮ ‬وكنت قد رويت ذلك في‮ ‬حواراتي‮ ‬المنشورة مع نوري‮ ‬عبد الرزاق في‮ ‬جريدة الزمان‮ (‬3 حلقات في‮ ‬30 و‮ ‬31 ديسمبر‮ / ‬كانون الأول‮ ‬2019 و‮ ‬2 كانون الثاني‮ / ‬يناير‮ ‬2020).
لا توجد عملية كبرى ضدّ‮ ‬العدو الصهيوني‮ ‬باستثناء محاولة اغتيال شلومو آرجون،‮ ‬السفير‮ “‬الإسرائيلي‮” ‬في‮ ‬لندن في‮ ‬حزيران‮ / ‬يونيو‮ ‬1982? التي‮ ‬اعتُبرت إحدى ذرائع العدوان‮ “‬الإسرائيلي‮” ‬لاجتياح لبنان،‮ ‬ومحاصرة العاصمة بيروت،‮ ‬وعدا ذلك فغالبية العمليات كانت ضدّ‮ ‬الخصوم الفلسطينيين والعرب،‮ ‬ولتصفية بعض الحسابات السياسية،‮ ‬بعضها لصالح الغير‮. ‬
مع عاطف أبو بكر‮: ‬في‮ ‬النقد والنقد الذاتي‮ ‬
حين عرفت أن عاطف أبو بكر جاء إلى الشام للالتحاق بفتح الانتفاضة،‮ ‬تاركًا موقعه كسفير في‮ ‬م.ت‮. ‬ف،‮ ‬قلت له وما الفرق بينهما،‮ ‬أليست بضعة شعارات؟ فحاول إظهار تبرّمه وضيقه من بعض الممارسات في‮ (‬فتح‮)‬،‮ ‬لكن العلاقة مع فتح الانتفاضة في‮ ‬سوريا لم تدم‮ ‬سوى بضعة أشهر‮. ‬
بعدها فاتحني‮ ‬بمشروعه الخاص،‮ ‬وأعني‮ ‬به بالالتحاق بأبي‮ ‬نضال في‮ ‬دمشق،‮ ‬ويبدو أنه كان قد قرّر ذلك،‮ ‬قلت له بطريقة لا تخلو من استفزاز صادم وبطريقة صداقية‮: ‬شاعر وإرهابي؟ لم‮ ‬يقبل منّي‮ ‬هذا الكلام،‮ ‬وكنت أقصد أن الصفة الغالبة على التنظيم هي‮ ‬كذلك،‮ ‬وهو سؤال أعدته عليه ضمن حواراتي‮ ‬معه في‮ ‬الكتاب،‮ ‬بل ذهبت أكثر من ذلك،‮ ‬حين قُلت له،‮ ‬كيف امتدح أبو نضال بقصيدة؟ قال‮: ‬هي‮ ‬قصيدة بعنوان‮ “‬النفي‮ ‬الفلسطيني‮”‬،‮ ‬وهي‮ ‬تتحدّث عن الثوابت،‮ ‬فقلت له‮: ‬وماذا تقصد بقصيدتك المهداة إلى وفاء نور الدين‮ “‬أتيتك والفؤاد‮ ‬يطير شوقًا‮”‬،‮ ‬وهي‮ ‬منشورة في‮ ‬ديوان‮ “‬الفتح نحن‮”. ‬
فهذا الفارس المقدام حزبي‮ … ‬وتحت لوائه اخترت انضوائي
فقال في‮ ‬الشعر رمزيات ووجدانيات عليك أن تحسبها لمن تريد‮. ‬ثم أشار إلى أنه أهدى دواوينه لإبنته‮ “‬فرح‮” ‬وللأطفال عمومًا،‮ ‬وإحدى القصائد أهديتها إلى ابنتي‮ ‬وابنته كطفلين،‮ ‬كما قال‮.‬
كنت أشعر أن وجوده مع‮ “‬الجماعة‮” ‬خيار خاطئ في‮ ‬الوقت الخاطئ،‮ ‬وهو خطأ استراتيجي‮ ‬صميمي‮ ‬بلا أدنى شك،‮ ‬وهو ما قدّم نقدًا ذاتيًا جريئًا بشأنه،‮ ‬وإنْ‮ ‬بدا واثقًا في‮ ‬أيامه الأولى،‮ ‬لكنه كان قلقًا ومهمومًا،‮ ‬بل أن الكدر تسرّب إليه قبل مغادرته الشام،‮ ‬فخياره جاء خارج السياق الذي‮ ‬اختطّه لنفسه،‮ ‬وقد حاولت مرّة فتح هذا الحديث معه أمام الرفيق عامر عبد الله،‮ ‬وفي‮ ‬منزل الأخير،‮ ‬وهو ما حاول تبريره بمساعيه تحويل الجماعة إلى تنظيم سياسي،‮ ‬فسأله حينها عامر عبد الله‮: ‬ولكن ماذا سيقول صاحبكم؟ لقد اعتاد على التخفّي‮ ‬والعمل السرّي،‮ ‬وهو مطلوب،‮ ‬وسيظلّ‮ ‬إلى آخر‮ ‬يوم في‮ ‬حياته كذلك‮.‬
شهية القارئ
أعود إلى ما كتبه أحمد عبد المجيد فإنه فتح شهية القارئ،‮ ‬وذلك هو عين ما أسعى إليه بهدف إماطة اللثام عن الخفايا والخبايا‮. ‬وحاولت تفكيك الظاهرة لدراستها دفاعًا عن المقاومة وما لحق بها من ترّهات استغلت تشويهها،‮ ‬وآن الأوان لنفصل الخيط الأبيض عن الخيط الأسود.أعتقد أن خروج عاطف من فتح والخلاف مع عرفات،‮ ‬ومن ثم الاحباط الذي‮ ‬أصابه مع فتح الانتفاضة،‮ ‬هو الذي‮ ‬دفعه وتحت ضغوط مختلفة للانضمام إلى‮ “‬الجماعة‮” ‬كما‮ ‬يسميها،‮ ‬وكنت قد سألته‮: ‬هل دفعك اليأس لتتحالف مع بندقية،‮ ‬أو تجمع الثقافة والشعر والديبلوماسية مع العنف؟ كان جوابه جريئًا كعهدي‮ ‬به‮: ‬تلك الفترة‮ ‬غير مدروسة بشكل كامل،‮ ‬فيها الكثير من التسرّع وعدم التمحيص،‮ ‬وضبابية الرؤية المستقبلية،‮ ‬وكان ذلك خطاً‮ ‬كبيرًا‮.‬
‮ ‬لقد أراد من خلال نقده الذاتي‮ ‬أن‮ ‬يطهّر ضميره،‮ ‬وتحمّل بسبب ذلك كلّ‮ ‬تلك العذابات،‮ ‬قانعًا بنصيبه من الحياة،‮ ‬ليس عابئًا بشيء سوى تشبّثه بالحقيقة‮.‬