قامات عراقية خالدة – صلاح عبد الرزاق

قامات عراقية خالدة – صلاح عبد الرزاق

الحسني مؤرخ الدولة والسياسة في الزمن الحديث

عبد الرزاق الحسني (1903- 1997) مؤرخ وموسوعي قدم تاريخ الوزارات العراقية وتاريخ العراق السياسي الحديث وتاريخ ثورة العشرين. اعتمد في دراساته على الوثائق والبيانات والتقارير الرسمية وما نشر في الصحف العراقية والأجنبية مما يهم القضايا والوقائع العراقية طوال نصف قرن من الإنتاج المعرفي والتاريخي. فقد كتب التاريخ السري للدولة العراقية الحديثة منذ ولادتها عام 1920 وحتى عام 1958 بسقوط الملكية وقيام الجمهورية. بقيت كتبه أرصن وأوسع مصادر عن التاريخ العراقي الحديث.

  الأسرة والنشأة

ولد عبد الرزاق مهدي صادق هادي آل عيسى في بغداد عام 1903 لأسرة شيعية ، وكات والده يعمل تاجراً متوسطاً في سوق العطارين. وقد ورث مهنته عن عائلته التي مارست العطارة منذ وقت طويل فسميت بآل العطار. كان من عائلة اشتهرت بقرض الشعر وتعاطي الأدب إلى جانب توارثها مهنة العطارة.

 تعلم مبادئ القراءة والكتابة في جامع الخفافين الذي بنته زمرد خاتون أم الخليف العباسي الناصر لدين الله. وكانت هناك مدرسة دينية سميت مدرسة جامع الصاغة ، أو مدرسة جامع الخفافين. وقد ضمن مكتبة عامرة بالمخطوطات القيمة. فكان ذلك أول احتكاك مباشر للحسني بهكذا مكتبة عامة في حياته.

دخل الحسني مدرسة (مكتب الترقي الجعفري العثماني) والتي أسسها الزعيم الوطني جعفر أبو التمن عام 1908. وتعلم الحسني فيها مبادئ اللغتين التركية والفرنسية إلي جانب اللغة العربية. بسبب الحرب العالمية الأولى عام 1914 تعثرت الدراسة في معظم المدارس الحكومية والأهلية بسبب التحاق أساتذتها بالجندية ، وطبيعيا تعثرت الدراسة في مدرسته فانتقل بهم احد الأساتذة من بناية المدرسة في سوق الغزل الى جامع الحاج داود في محلة الهيتاويين . ولما احتل الجيش البريطاني بغداد في فجر 15 جمادي الاول 1335 هــ (11اذار 1917 ) انتظمت الدراسة من جديد وأبدل اسم مدرسته الى اسم (المدرسة الجعفرية ) وجيء لهم بأساتذة أفاضل تخلوا عن الجيش العثماني المنسحب ومنهم الحاج كمال والد الضابط صبيح الحاج كمال ، وعبد الستار الشيخلي والد الوزير السابق عبد الكريم الشيخلي ، وعلي مظلوم والد المهندس مدحت علي مظلوم ، إضافة الى الأساتذة زكي الخياط وجعفر حمندي ومحمد حسن كبة وعبد المجيد لاوي وعباس مهدي وعلي البازركان وغيرهم..

 وقد تخرج من هذه المدرسة العديد من الساسة والمفكرين العراقيين أحمد فياض المفرجي (1936- 1996) ، أحمد زكي الخياط (1897- 1974) ، جعفر الخياط (1910- 1973) ، جعفر حمندي (1894- 1952) ، جليل شعبان الحميري (1937- 2021) ، رؤوف البحراني (1897- 1963) ، صادق البصام (1897- 1960) ، صالح جبر (1896- 1957) ، صالح جبر (1896- 1957) ، عبد الرزاق الأزري ، عبد الأمير علاوي (1912- 1998) ، علي الحيدري (1936- 2018) ، مصطفى جواد (1904- 1969) ، مصطفى جواد (1904- 1969) ، خيري العمري (1926- 2003) ، كامل حسن البصير (1933- 1987) ، خالد الرحال (1926- 1986) و الفنان طه سالم  (1930- 2018).

في عام 1920 انتقل الحسني إلى مدينة النجف الأشرف مع عائلته ، بعد أن اضطر والده إلى مغادرة بغداد بسبب ظروف خاصة ، يوضحها الحسني بقوله:

(كان الوالد المرحوم يسكن في الشورجة سوق العطارين ، وقد اشترى ذات يوم داراً من أحد تجار المحلة ، ما زلت أتذكر أنه أقام فيها عشرة أيام مجلساً حسينياً تبركاً بهذا التملك ، ثم ظهر للبائع أنه كان مغبوناً في عملية البع هذه ، فاسترد ما باعه بطرق غير مشرفة. ولما كان والدي معروفاً بوداعته ومسالمته ، ضجر من البقاء في بغداد ، واتخذ من دار في محلة العمارة بالنجف الأشرف سكناً جديداً له ، وسافر اليها بعياله وأولاده وأثاث بيته).

وتشاء الصدف أن يُعيّن في ذلك الوقت علي مظلوم قائممقاماً لقضاء النجف الأشرف ، وكان أحد أساتذة الحسني في المدرسة الجعفرية. التقاه الحسني في الصحن الحيدري ، فقم بتعيينه معلماً في المدرسة الأميرية التي افتتحت فور تسلم القائممقام وظيفته الجديدة. باشر الحسني بتعليم التلاميذ اللغة الإنكليزية. وكان معه أساتذة آخرون منهم الكاتب جعفر الخليلي والشيخ حسن الجواهري ، ومديرها مهدي الهلالي.

مشاركته في ثورة العشرين

وعندما اندلعت ثورة العشرين فقد تحمس لها الشاب الحسني ، فشارك في التظاهرات والتجمعات التي شهدتها النجف الأشرف. كان يوزع المنشورات ، ويلصقها على الجدران وأبواب المساجد. وتنامى دوره ليصبح واحداً من رجال إعلام الثورة القلائل ، بعد اشتراكه مع محمد عبد الحسين الكاظمي في اصدار جريدة (الاستقلال) التي شغلت موقعاً هاماً ، خاصة بعد توقف صحيفة (الفرات) صحيفة الثورة الأولى في 15 أيلول 1920 ، وكانت قد صدر العدد الأول في 1 تشرين الأول 1920. كان محمد عبد الحسين الكاظمي هو المدير السياسي ورئيس التحرير ، وعبد الرزاق الحسني الذي ورد اسمه عبد الرزاق البغدادي مديراً لشؤونها. وتسمى أسرة الحسني في النجف بـ (آل البغدادي) ، ولا يزال عدد غير قليل من أقربائه يعيشون في هذه المدينة .  كانت مهمة الحسني في الجريدة تنظيم أوراقها والرسائل التي تصلها ، والتعليق عليها ، وتوجيه العمل بالشكل الذي أسهم في تسهيل طبعها وتوزيعها. وقد تحمس الحسني لمهنته الجديدة ، إذ وجد فيها ضالته المنشودة ، لترسم له بداية طريق جديدة . فبسرعة (تعلم صبر القلم الثائر ، وكتب أولى حروف هويته في هذه الثورة ، وأولى دموعه وآلامه وأفراحه). بعد انتهاء ثورة العشرين عاد الحسني إلى بغداد.

التوجه نحو الصحافة

دخل الحسني طالباً في الصف الثاني بمدرسة دار المعلمين العالية التي كانت تجاور مدرسة الخاتون في محلة الفضل القريبة من الميدان ، وعرفت فيما بعد بدار المعلمات. بعد اجتيازه امتحاناً لطالبي الدخول إلى الدار بنجاح أهّله للقبول في ذلك الصف مباشرة.

وأثناء دراسته في دار المعلمين عام 1922 كتب الحسني أول كتاب له بعنوان (المعلومات المدنية لطلاب المدارس الابتدائية ). قام بطبعه له مدرّسه بمطبعة (الفلاح) على نفقته الخاصة ، بعد أن هيأ الحسني الورق اللازم لطبعه ، تلطفاً منه وتشجيعاً . جاء الكتاب في (56) صفحة من القطع المتوسط ، وهو كتيب مدرسي كتبه الحسني بالاستعانة بالكتب المدرسية الأخرى وفقاً لمنهج وزارة المعارف آنذاك. وكانت موضوعاته أشبه بموضوعات مادة التربية الوطنية والاجتماعية المتداولة في المدارس العراقية. في مطلع عام 1923 وأثناء دراسته في دار المعلمين اتخذ الحسني لنفسه لقب (الحسني) ، بعدما شاع استعمال الألقاب بين الناس بين عامي 1922 و1923 ، وذلك بوصفه من سلالة الامام الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) ، فصار يُعرف به ويشتهر. وأخذ يوقع به مقالاته المنشورة في جريدة (المفيد) لصاحبها إبراهيم حلمي العمر ( 1890- 1942). ونظراً لإعجابه بمقالاته ولخبرته السابقة في العمل الصحفي في جريدة (الاستقلال) ، عيّنه العمر بعد تخرجه من الدار محرراً لإدارة الجريدة ومندوباً متجولاً لها عام 1924 ، يقوم بجباية بدلات الاشتراك من المشتركين ، ويوافي الجريدة برسائل مملوءة بالأخبار والحوادث.

كانت (المفيد) من الصحف الوطنية البارزة والتي انتقدت سياسة الانتداب البريطاني وطالبت بإلغائه ، وطالبت باستقلال العراق. لذلك تعرضت إلي مضايقات الإدارة البريطانية الحاكمة التي قررت تعطيلها لمدد متفاوتة أملاً في إسكاتها عن خطها الوطني . ولم تنفع تلك التدابير مع العمر فقررت سحب امتيازها بشكل نهائي في 24 كانون الثاني 1926 بحجة أن صاحبها لم يكن من حملة الشهادات العالية. وهو شرط وضعته السلطة على الصحفيين السياسيين آنذاك.

من خلال تجربته وعمله في جريدتي (الاستقلال) و (المفيد) أدرك الحسني أن من أهم متطلبات العمل في ميدان الصحافة ، وما تتعرض له الصحف من التوقيف ، وسوق أصحابها إلى المحاكم ، وتعرضه هو شخصياً عام 1924 . كل ذلك جعل الحسني يفكر في إصدار جريدة لا تتناول الأمور السياسية بشكل مباشر ، كي يتفادى ما تعرضت له صحيفة (المفيد) ، وانصب تفكيره في صحيفة تعنى بالتاريخ والأدب.  في أيلول 1925 أصدر الحسني في بغداد العدد الأول من جريدة (الفضيلة) ، وجاء في العدد الأول أنها (جريدة أسبوعية أدبية انتقادية.

 تاريخية أرّخت بالتقويمين الهجري والميلادي ، أراد منها الحسني أن تكون منبراً عاماً يحارب الرذيلة ، وينتقد مظاهر الفساد في المجتمع ، ويسعى إلى الحث على الأخذ بأسباب الفضيلة ، ولهذا سماها بهذا الاسم.

استمرت (الفضيلة) بالصدور حتى مطلع عام 1927 ، عندما أوقف الحسني إصدارها بعد أن تهيأت له الفرصة لإصدار جريدة أدبية في مدينة الحلة في عهد متصرفها آنذاك عبد العزيز المظفر الذي سعى لتوفير مستلزمات النهوض الحضاري في مدينته ، ومنها الصحافة.

يبدو أن تلك الفرصة قد تفاعلت مع رغبة قديمة في نفس الحسني كانت تحدوه لإصدار مثل هذه الجريدة في ربوع الفرات ، حيث كتب في العدد الأول من جريدة (الفيحاء) : (لقد كانت لنا أمنية ، وهي إصدار جريدة في ربوع الفرات تكون حافلة بالمواضيع الراقية).

اشترى الحسني مطبعة خاصة به من المال الذي تركه له والده الذي توفي عام 1926 ، فأصدر (الفيحاء) مرتين في الأسبوع ، تهتم بالأدب العربي والتاريخ .

لم يفد الحسني ابتعاده عن السياسة في تفادي المشاكل والعراقيل. إذ كتب مقالاً عن علماء الحلة ودورهم في عام 656 هـ عندما احتل هولاكو بغداد ، استفتى علماء المدرسة المستنصرية في بغداد وسألهم: أيهما

أفضل المسلم الظالم أم الكافر العادل؟ فأحجم الفقهاء عن إجابته لأنه فخ. وكان السيد العابد الزاهد رضي الدين علي بن طاووس الحلي حاضراً ، فانبرى بالجواب: الكافر العادل أفضل من المسلم الظالم!!!

أثار المقال وخصوصاً تلك الفقرة الحقد في نفوس البعض في مديرية المطبوعات ، وزعمت أن يتضمن إثارة العواطف ويوقظ الأفكار. قرر مدير المطبوعات طه صالح الفضيل الراوي (1890 – 1946) سحب امتياز الجريدة ومصادرة المطبعة. في هذه الأزمة بادر الحسني بزيارة رئيس الوزراء جعفر العسكري ، فأمر بإعادة المطبعة ، والايعاز إلى وزير ماليته ياسين الهاشمي ، الذي كان الحسني على علاقة به منذ أيام عمله في جريدة (المفيد) ، وأسهم في توطيدها إبراهيم حلمي العمر ، صاحب الجريدة وصديق الهاشمي ، بإيجاد وظيفة للحسني في ديوان وزارته. وهكذا عيّن الحسني عام 1927 معاونا لمحاسب وزارة المالية ، وبراتب مقداره (140) روبية.

الحسني والمس بيل

يقول الحسني:

(كنت أصدر جريدة أدبية اجتماعية باسم (الفضيلة) ، وكانت في الكاظمية مشكلة انتخاب السيد جعفر عطيفة ، أو أح أفراد آل الجلبي للتنافس على منصب رئيس بلدية الكاظمية. انتهز السيد محمد عبد الحسين علاقتي معه عام 1920 يوم كنا في النجف. وجاء إلى مقر جريدتي ، فاتخذ منها منبراً للتشهير بآل الجلبي تأييداً للسيد جعفر عطيفة. وكاد هذا التشهير يؤدي بي إلى السجن بوصفي مديراً مسؤولاً للجريدة. استغل السيد عطيفة علاقته بالمندوب السامي ، فأخذني إلى المس بيل فكتبتْ كتاباً إلى حاكم جزاء بغداد وهو يومئذٍ السيد شهاب الدين الكيلاني ، فلما أفرج عني ، ميّز القائمون ضدي الحكم إلى محكمة الجزاء الكبرى التي يرأسها حاكم بريطاني ، فأيدت محكمة الجزاء الكبرى قرار الافراج وانتهت المشكلة بسلام. كما انتهت الانتخابات في الكاظمية بفوز السيد جعفر عطيفة ، لأن مطلوب (مدعوم) من الانكليز. ومن ذلك الحين أخذت علاقتي بالمس بيل تذكو وتنتشر بحيث حيكت حولها روايات لا صحة لها ، وهي أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة).

الحسني مراسل لجريدة الأهرام

يقول الحسني عن قصة ترشيحه ليكون مراسلاً لجريدة الأهرام المصرية في العراق:

(كان عثمان قاسم السوري الجنسية يعمل مراسلاً لجريدة الأهرام في العراق . فجأة ترك العراق ، فتلقى ياسين الهاشمي رسالة من أسعد داغر المحرر في جريدة الأهرام ، يذكر فيها انقطاع عثمان قاسم عن مراسلة الأهرام ، وضرورة الاعتماد على شخص آخر ، وكنت المرشح).

مارس الحسني عمله مراسلاً للأهرام عام 1929 ، تعرف من خلاله على شخصية أخرى هي شخصية الملك علي (1879-1935) شقيق الملك فيصل ، الذي أبدى رغبته الذي أبدى رغبته في الاستفادة من صفة الحسني الصحفية لنشر ما يلائم سياسته الخاصة تجاه السعوديين الذين غصبوا ملكه وأبعدوه عنه. فأخذ الحسني يتردد عليه مستفيداً من ثقافته الواسعة ، فقد كان الملك علي شديد الورع ، ميالاً إلى الكتب ، وعارفاً بأمور الشريعة والدين.

بقي الحسني مراسلاً لجريدة الأهرام حتى أوائل عام 1933 ، حيث ترك هذه الوظيفة بسبب ما تعرض له من مضايقات نوري السعيد الذي يبد ارتياحاً لتردد الحسني على ياسين الهاشمي ورشيد عالي الكيلاني اللذين كانا من أقطاب المعارضة السياسية لسياسة نوري السعيد ، وهكذا انتهت علاقة الحسني بجريدة الأهرام. وبذلك انتهت علاقة الحسني بالعمل الصحفي الذي أسهم كثيراً في تكوينه الفكري وصقل ثقافته وقلمه.

الحسني والمجالس العلمية والأدبية

مجلس الكرملي

كان الحسني يتردد على المجالس العلمية والأدبية منذ شبابه لما يجده من شخصيات ومواضيع علمية وأدبية. وأشهر تلك المجالس آنذاك مجلس الأب أنستاس ماري الكرملي (1866- 1947) ، وكان يعقد المجلس في ضحى كل يوم جمعة  الساعة التاسعة صباحاً وحتى الساعة الثانية عشرة ظهراً. يرتاده العلماء والأدباء والباحثون والمؤرخون ، وفيهم الطبيب والصحفي والشاعر والقاص والفيلسوف ، من مختلف الأعمار والثقافات. وكان بينهم المسلم والمسيحي واليهودي ، ومن ملل ونحل مختلفة. بدأ (مجلس الجمعة) بالانعقاد عام 1922 في غرفة خاصة من غرف دير الآباء الكرمليين قرب محلة سوق الغزل ببغداد. وكانوا يستفيدون مكتبة الكرملي العامرة بالكتب المخطوطة والمطبوعة النادرة والمراجع العديدة في حواراتهم ومناقشاتهم.

كما فتح الكرملي مجلته المشهورة (لغة العرب) أمام الحسني لينشر فيها مقالاته عن المدن والقصبات العراقية التي نالت إعجاب وتقدير الكرملي. وكان الحسني يتناول في كل عدد لواء (محافظة اليوم) من الألوية وقد جمع الحسني تلك المقالات في كتاب أسماه (رحلة في العراق أو خاطرات الحسني) . وقد أهداه إلى الشيخ عداي الجريان نائب لواء الحلة ثم عضو مجلس الأعيان. وقد طيع الكتاب عدة طبعات ، وتضمن معلومات وافية عن المحافظات العراقية ومدنها الشهيرة ،وهي معلومات جغرافية وتاريخية وإدارية واجتماعية وأحوال العشائر والطرق والسيارات والسكك الجديد ووسائط النقل البرية والنهرية ، وكذلك الأوضاع السياسية والاقتصادية والزراعية والعلمية ، فكان بمثابة موسوعة عراقية رائدة.

مجلس الملك علي

لم يكن مجلس الجمعة المجلس الوحيد الذي ارتاده الحسني ، بل كان الحسني يرتاد مجالس أخرى ، منها مجلس الملك علي أكبر أولاد الشريف حسين شريف مكة ، وكان قد دعاه الملك فيصل الأول قد دعاه للإقامة في العراق. يصف الحسني مجلس الملك علي:

(وكان مجلسه في قصر عبد الأحد في كرادة مريم بجانب الكرخ ، مجلس أدب ورقة. وكان نجله الوحيد عبد الإله يحضر المجلس ، ولكنه يجلس في مؤخر الديوان قرب أحذية الزوار الذين ينتزعون أحذيتهم احتراماً وإجلالاً لصاحب المقام… كنت أحضر في هذا المجلس مرتين أو أكثر في الأسبوع ، >كنت إذا تأخرت أوعز الملك علي إلى من يتصل بي ويعاتبني على الانقطاع).

مجالس ثقافية في بغداد

كان مجلس العلامة محمود شكري الآلوسي (1857- 1924) يعقد في محلة العاقولية ببغداد ، وقد تعاقب على صدارته أولاده وأحفاده.  وكان يحضره رواد العلم وأصحاب الفضل وطلاب المعرفة والأدباء والشعراء والوزراء.

وتردد الحسني أيضاً على مجلس فهمي المدرس (1873- 1944) في محلة البارودية ببغداد ، الذي كان يؤمه عدد غير قليل من العلماء والأدباء ورجال السياسة. وكان لهذا المجلس تأثيره على فكر الحسني الذي يقول عنه:

(كنت أتردد على مجلس السياسي والأديب والاكاديمي فهمي المدرس للاستفادة من كتابات صاحبه ، وما كان يدور في مجلسه من نقاش في المواضيع التي كانت تدخل في صميم عملي).

وتردد الحسني على مجلس السياسي والوزير والنائب السيد عبد المهدي المنتفجي (1890- 1972) في في الكرادة ببغداد ، مستفيداً من توجهات صاحب المجلس العامة له حيناً ، وتصويباته لآرائه حيناً آخر.

وتردد الحسني على مجلس المؤرخ والكاتب يعقوب سركيس (1875- 1959) في محلة المربعة ببغداد الذي كان يختلف إليه العلماء والأدباء والكتاب والصحفيين والمشتغلين في حقول التأليف . وكان لصاحب المجلس مكتبة حافلة بمراجع العلم والأدب وأمهات الكتب والمخطوطات.

الوظيفة الحكومية ومتاعبها

كانت تلك الوظيفة أول وظيفة حكومية شغلها الحسني في حياته ، وفتحت له آفاقاً للنضج والكتابة والتخصص. كما أتاحت له العمل والتعرف على مناطق مختلفة من العراق. وبسبب ماضيه السياسي والصحفي والفكري فقد صار تحت مراقبة أجهزة الأمن ، العائدة لوزارة الداخلية ، التي تابعت تحركاته واتصالاته. وكانت تكتب عنه تقارير سرية مضمونها أن (هذا الموظف يتدخل بالسياسة ، وذلك خلافاً للنظام الذي يمنع موظفي الحكومة من الاشتغال بالسياسة). وعندما تصل هذه التقارير إلى وزارة المالية تقوم بفتح تحقيق للتأكد من صحة المعلومات ، واذا لم تكن ذات أهمية ، فهناك وعد بتنبيه الحسني بالامتناع عن مثل هذا السلوك مستقبلاً.

وكان الحسني قد قام فعلاً بنشاط واسع في منطقة الفرات الأوسط تأييداً للمعارضة أثناء التي تفجرت في عهد الوزارة السعدونية الثالثة في مطلع عام 1928 بعد حل مجلس النواب ، ومحاكمة الشيخ ضاري والحكم عليه بالسجن المؤبد ، ثم وفاته المفاجئة بعد يومين من ايداعه السجن. الأمر الذي أثار الغضب وخرجت مظاهرة صاخبة.

لقد تعرض الحسني للسجن بسبب كتاباته أو مشاركته في تظاهرة. ففي أواسط نيسان 1931 تم احتجازه في الحلة بسبب المظاهرة التي شهدتها المدينة أثناء زيارة الملك فيصل الأول للمدينة. وفي 29 أيلول 1931 احتجز في بغداد لمدة أسبوع عندما علمت الأجهزة المختصة بنية تنظيم مظاهرة جماهيرية ضد وزارة نوري السعيد. وفي مرة تمت محاكمته في النجف الأشرف لكن القاضي نوري القاضي تعاطف مه فحكم عليه بغرامة قدرها (30) روبية. وكان مولود مخلص متصرف كربلاء ، وصالح حمام مدير الشرطة يناصبان الحسني العداء لكثرة انتقاداته. فقاما بتمييز الحكم لكن رئيس المحكمة ألغى التهمة وأبقى الغرامة.

بقي الحسني في وظيفة معاون محاسب بوزارة المالية حتى أواخر كانون الأول 1931 ، عندما عُيّ مديراً لخزينة لواء بغداد ، وبعد مدة نقل إلى مدير خزينة لواء ديالى ، وبقي فيه لمدة عام. ثم نقل إلى الحلة ، وبقي بهذا المنصب حتى عام 1938 ، ثم عُيّ مديراً لحسابات مديرية البريد والبرق العامة في بغداد ، وبقي في هذا المنصب حتى عام 1941 حيث فُصل من الخدمة بسبب أحداث انقلاب مايس 1941 ، بسبب علاقة الحسني بقادة الانقلاب وخصوصا رشيد عالي الكيلاني. وكان الكيلاني في وزارته الأولى (20 آذار – 9 أيلول 1933) قد اعتمد على الحسني في تمشية قسم أعمال مكتبه كالرد على بعض الكتب السياسية والأدبية التي كانت ترد إليه من جهات مختلفة ، وتكليفه بقضاء بعض شؤونه العامة الأخرى.

مهمة سياسية

بعد الانقلاب انقطع الحسني عن التردد على الكيلاني ، فأرسل عليه وعتبه على الانقطاع ، ثم كلفه بالتجوال في ألوية العراق الجنوبية ثم الشمالية وإلى بلاد الشام لشرح أسباب وأهداف الانقلاب لحسن منطقه وإقناعه للآخرين. قام الحسني بالاتصال بكبار مسؤولي الإدارة في المدن والأقضية والنواحي التي يزورها لتشجيعهم على دعم الانقلاب.

وقام الحسني برحلة إلى بلاد الشام ، فزار دمشق وبيروت ، والتقى عدداً من الشخصيات الإعلامية والفكرية منهم الصحفي عفيف الطيبي ، والكاتب يوسف إبراهيم بك ، والشيخ أحمد عارف الزين صاحب مجلة (العرفان) ، والشيخ سليمان الظاهر ، والشيخ أحمد رضا وهما من علماء النبطية جنوب لبنان.

أثارت زيارة الحسيني السلطات البريطانية ، واستجوبته السلطات الفرنسية أكثر من مرة أثناء مكوثه في الشام. وأجبر على العودة من بيروت إلى العراق عن طريق طرابلس وحمص وحماه وحلب ، ومنها إلى الموصل فبغداد ، حيث وصلها بعد القضاء على الانقلاب. ألقي القبض عليه بموجب مرسوم (صيانة الأمن وسلامة الدولة رقم 56 لسنة 1940).

معتقل الفاو والعمارة

بعد اعتقاله تم تسفير الحسني في 29 تشرين الأول 1941 إلى معتقل الفاو برفقة وجبة تضم (41) معتقلاً. وبعد مدة نقل منه إلى معتقل العمارة ، بشروط صحية صعبة . بقي الحسني ثلاث سنوات في المعتقل ، حتى إطلاق سراحه في 20 مايس 1944.

خلال فترة الاعتقال تعرف الحسني على الكثير من السياسيين المعتقلين ، وتداول معهم شؤون سياسية وفكرية ألهمته في بعض المؤلفات القادمة. فكتب في السجن كتاب (تاريخ العراق السياسي) بثلاثة أجزاء. يقول عبد الرزاق الحسني في مقدمة الكتاب:

(كانت ظروف الحرب العالمية الثانية قد أوجبت اعتقال عدد من الأعيان والنواب والوزراء ، والعلماء والساسة والأدباء ، والمدرسين والمحامين والأطباء ، وغيرهم. وكنت في عداد من أمضى سنوات هذه الحرب مع هؤلاء الرجال ، فدرست خلالها معظم ما كُتب عن (الدولة العراقية الحديثة) ، وقارنته بما جمعته من معلومات ومستندات في ربع قرن ، وانتهيت إلي وضع هذا المؤلف في ثلاثة أجزاء.

وقد أسعدني الحظ بأن تعرفت بالأستاذ الجليل محمد صديق شنشل في (معتقل العمارة) ، وكان قد وضع أطروحة في (سيادة الدولة العراقية) أيام دراسته في باريس ثم ساقه القدر إلى ما ساقني إليه قبل أن يتم طبعها. فكنا نقضي الساعات الطوال في استعراض فصول هذا الكتاب وتوجيهها توجيهاً علمياً قومياً. وكثيراً ما اضطرنا هذا التوجيه إلي كتابة بعض الفصول مجدداً .

ومن المهم أن أذكر هنا أنني كنت شرعت في نشر فصول هذا الكتاب في بعض المجلات العراقية والسورية والمصرية منذ خرجت من معتقل العمارة في منتصف شهر أيار من سنة 1945 ، لأستفيد من مطالعات القراء وإرشاداتهم ، فكان ما استفدته بهذه الوسيلة ، أموراً لا تنكر فوائدها).

وقد نال الحسني جائزة المجمع العلمي العراقي لعام 1949 على كتابه (تاريخ العراق السياسي الحديث).

الجدير بالذكر أن سياسة الحكومة مع المعتقلين كانت متسامحة ومرنة ، ومسؤولو السجن يلبون حاجاتهم ، يصف الحسني هذا التعامل فيقول:

(للحق أقول إن سياسة الحكومة مع المعتقلين ، فيما يتعلق بالقراءة والكتابة ، كانت سياسة سمحة منطوية على المساعدة . فكان المعتقلون يجلبون الكتب والمراجع بواسطة البريد الحكومي تحت سمع الحكومة وبصرها).

العودة إلى الوظيفة

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 بانتصار الحلفاء ، شعر الموالون لبريطانيا داخل العراق بالقوة ، فلم يترددوا في إعادة الموظفين المفصولين بتهمة موالاة الانقلاب. فقد أعيد الحسني إلى وظيفته في 17 حزيران 1946 بوظيفة ملاحظ في شعبة الأمور الذاتية في مديرية البريد والبرق العام. ثم تم ترفيعه إلى منصب مدير هذه الشعبة في 6 تموز 1946.

في أوائل عام 1949 نُقل الحسني إلى ديوان مجلس الوزراء بمبادرة شخصية من رئيس الوزراء آنذاك توري السعيد. عمل في مجلس الوزراء العراقي مع الكثير من الوزراء والمسؤولين وعاملوه جميعاً معاملة حسنة، وهو يعد تلك الفترة من أجمل أيام حياته، وقد ذكر ذلك في مذكراتهِ قائلاً: (في شباط عام 1949 استدعاني الباشا نوري سعيد وقال لي: (بلغني أنك تنفق قسماً من راتبك في إفساد ضمائر بعض الموظفين بغية الحصول على بعض الوثائق لكتبك التي تؤلفها، وعليه قررت نقلك إلى ديوان مجلس الوزراء لتبحث عما تريد!! ثم أمر بان توضع تحت تصرفي أوراق القضية الفلسطينية، لكنه أسر إلى رئيس الديوان نوري القاضي أن يمكنني من الاطلاع على ما أريد من الكتب والوثائق، وهكذا منذ شباط عام 1949 عهد إليّ تنظيم سجلات خاصة بتاريخ الدولة العراقية على نمط المؤسسة العثمانية (وقائع نويس ، تعني المؤرخ العثماني المعين رسمياً)  وقد قضيت في هذا الديوان 14 سنة استفدت خلالها فوائد تاريخية جليلة وكانت من أسعد أيام حياتي في الوظائف الحكومية فتعاقب على رئاسة الوزراء في بحر هذه السنوات السادة: نوري سعيد، مزاحم الباجه جي، علي جودت الأيوبي، توفيق السويدي، مصطفى العمري، نور الدين محمود، جميل المدفعي، فاضل الجمالي، أرشد العمري، عبد الوهاب مرجان، أحمد مختار بابان، عبد الكريم قاسم، وأحمد حسن البكر. فلم يتدخل أحد منهم في عملي ولم يمسسني سوء من واحد منهم حتى أحلت نفسي على التقاعد في أواخر عام 1964).

وقد أعجبته هذه الوظيفة، التي قضى فيها 14 سنة، لأنه أفاد منها كثيرا في الحصول على المصادر الأولية لمواد كتابه (تاريخ الوزارات العراقية). وفي أثناء عمله فيها حصل على وسام الرافدين من الدرجة الثالثة ومن النوع المدني لمناسبة تتويج الملك فيصل الثاني سنة 1952. وفي سنة 1964 نقلت خدماته إلى وزارة التربية، ولمّا لم يكن شغوفا بالتعليم فقد جمّد عمله وأحال نفسه على التقاعد لشعوره بعدم تقدير لمكانته وخدماته. ربما أراد عبد السلام عارف رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه طاهر يحيى إبعاده عن الوثائق والمراسلات السرية في تلك الفترة.

الانصراف للتأليف والكتابة

بعد تقاعده من الوظيفة انصرف الحسني إلى التوجه نحو التأليف والكتاب في شتى الميادين السياسية والتاريخية والعقائد وأدب الرحلات وغيرها. فزار سوريا ولبنان وتركيا وايران.

في 10 أيلول 1978 تعرض الحسني لحادث دهس في وسط بغداد . وقد كان لهذا الحادث تأثيراً على جسده وكان يبلغ من العمر آنذاك (75) عاماً ، وبقي يعاني من المرض وعدم القدرة على المشي. وأصبح رهينة جدران بيته ، يستقبل زواره من طلاب علم وباحثين وكتّاب ورجال فكر وصحافة وإعلام ، يحاورونه ويسألونه عن الأحداث التي عاصرها من تاريخ العراق الحديث ، فكان يجيبهم ، يوضح لها مما تسعفه به ذاكرته.

كان التاريخ هو الحقل المعرفي الذي عشقه الحسني مبكرا وأبدع فيه أيما إبداع مفضلا الخوض في عصوره الحديثة، ومنشغلا بتاريخ العراق الراهن عمّا سواه، ولعل عودة إلى أهم الكتب التي ألّفها مؤرخنا الكبير تؤكد إخلاصه وعشقه هذا، فقد فضّل الحسني التاريخ الحديث والمعاصر على غيره، ووجد ضالته فيه من خلال الاهتمام بالتاريخ العراقي الحديث الذي أشبعه تنظيرا وتحليلا، فشكّل حيّزا واضحا في عموم نشاطه البحثي ومنجزِه الفكري.

كان الحسني المؤرخ يملك حسّاً فكرياً تفاضلياً ، ولعلّ ما شجّعه على ذلك هو كون حركيّة التناول المنهجي للتاريخ الحديث عند أغلب المؤرخين العرب – بمن فيهم الحسني نفسه – هي حركيّة تابعة لديناميّة العصر الحديث ذاته، من حيث كونها ديناميّة ناتجة عن تفاعل المؤرّخ مع واقع الحياة السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة الذي شهد فورانا طاغيا في الوعي وفي الإحساس بالهوية وبالقيمة الحضارية للأمة عند عموم المثقفين العرب على اختلاف مشاربهم ولا سيّما خلال فترة الصدام مع المحتل الأجنبي.

كان – إذن- تفضيل الحسني لتاريخ العراق الحديث ما هو إلّا محاولة لإدراك أهمية هذا الحيّز الزماني الذي عاشه الإنسان العراقي المعاصر، ولإمكانية التعلّم والفهم الحقيقي للواقع العراقي الملتبس ولأحداثه الحساسة من خلال اختيار المادة المنتقاة للدرس وللفحص والتعليل التاريخي، خصوصا إذا كانت مادة كثيفة كثافة رمال البحر، ومتشابكة تشابك أغصان الشجر، وهو ما ينطبق على الظاهرة التاريخيّة العراقيّة المعاصرة التي حاول الحسني المؤرخ النزيه – رغم المآخذ التي سجلها عيه البعض في كونه مؤرّخ سلطة – أن يسجل بكل إنصاف حراك جماعاتها الوطنيّة المختلفة من أجل الوصول إلى حاضر حي، وإلى مستقبل مشرق تتآزر تحت أفيائه كل هذه الجماعات وتلتحم فيما بينها؛ وهي تصوغ مصيرها ووجودها وقوتها في ظل مراكز قوى دولية (استعمارية) متعددة سياسية واقتصادية واجتماعية لا تدع مجالا بينها لكل ضعيف ممزّق، ولذا كانت كتب الحسني تدور في هذه الحلقة التي لم تكن يوما بالنسبة إليه وإلى قارئه الفطن بالمفرغة أو الخاوية، بل هي حلقة تنتقي الحدث الحي، والممارسة السياسية والثقافية الدالة، والحركة الموّارة المنبثقة من صميم الروح الوطني الذي علّم الحسني الشيء الكثير كما يصرح في مقدمة كتابه عن (الثورة العراقية الكبرى) التي أسيء فهمها وتأويلها، وكان لزاما على المؤرخ الحقيقي أن يضطلع بتزويد المتعطشين بالقراءة الواعية المتأنية، وهذا ما أخذه الحسني على عاتقه في مجموعة من الكتب الفريدة والاستثنائية التي تأمل فيها تاريخنا الوطني المعاصر عبر نظرة موضوعية حيادية منصفة، كما هو واضح في مؤلفه المهم (تاريخ الوزارات العراقية بعشرة أجزاء) وكتابه المعروف بـ(تاريخ العراق السياسي بثلاثة أجزاء) وكتابه المعنون (العراق بين دوري الاحتلال والانتداب) وكتابه المهم (الثورة العراقية الكبرى) وكتابه (العراق في ظل المعاهدات) وكتابه (الجبهة الوطنية في العراق.. جذورها التاريخية وتطورها) وكتابه الموسوم (تاريخ الأحزاب السياسية في العراق).

أهم مؤلفات الحسني

 كتب الحسني في مختلف ميادين الأدب والتاريخ والعقائد والمعرفة الإنسانية ، من تلك الآثار:

أولاً : تاريخ الوزارات العراقية

أشهر مؤلفاته وأكثرها رصانة ودقة ووثائقية ، وأكبر مرجع عراقي يؤرخ لتاريخ الحكومات العراقية في العهد الملكي 1920-1958 للدولة العراقية الحديثة. إنها موسوعة سياسية حكومية برلمانية عراقية لا يستغني عنها كل باحث في التاريخ السياسي المعاصر للعراق.

قصة الكتاب

تبدأ قصة الكتاب عام 1926 حينما قام عبد المحسن السعدون بترشيح حكمت سليمان لرئاسة مجلس النواب الذي لم يفز أمام مرشح المعارضة رشيد عالي الكيلاني الذي فاز واستقالت وزارة السعدون من الحكم. ولما كُلّف السعدون بتشكيل الوزارة مرة أخرى أبى إلا أن يحل مجلس النواب الذي خذله ، لكن الملك رفض حل البرلمان.

تلك الفكرة ألهبت خيال الحسيني ، وكان يميل إلى الكيلاني الذي أصبح وزيراً للداخلية ، فجاءه إلى الوزارة ، وأسرّه بتأليف هذا الكتاب ، فعانقه الكيلاني. في عام 1927 تساءل الحسني أمام نفسه: أي اسم؟ أي عنوان يوائم كتابي: تاريخ الدولة العراقية ؟ لا .. أعمال الوزارات العراقية ؟ لا .. فلم يعثر على عنوان فتركه للمستقبل ، ولربما سيجده في أحد ملفات البحث.

ذهب الحسني إلى المحاكم يسأل القضاة ، وذهب إلى البرلمان باحثاً بضوابطه ، وهو بين هذه وتلك يقوم بجمع أعمدة الصحف ، ويصنفها في أرشيفه الخاص. هذه خزانة البلاغات ، وهذه خزانة المستندات .. وصار لديه (ألف ورقة) يقلب فيها يمنة ويسرة عن أمله ، بل صار القريبون منه يعرفون غاية الحسني في جمع بذور الدولة العراقية ، فأمدوه بما لديهم من هذه البذور .. ثم هذا وزير صديق له يمنحه سراً في وزارة ، وذلك طبيب ملكي يلقي إليه بوصف اجتماع ملوكيين ، ولما انتشر خبر الحسني في أوساط حفاظ الأسرار ، أهدى إليه صديقه صبيح ممتاز الدفتري مجموعة مثالية من (مقررات مجلس الوزراء) العراقي. وقد طبعت بكراسات دورية (لكل ثلاثة أشهر مستقلة). فلما قرأها الحسني اكتشف عنوانه: (تكوين الوزارات العراقية) الذي هو عنوان كتابه ، ومارس التجربة فيه ، بعث إلى مجلة (العرفان) في بيروت عام 1930 أول فصل من هذا العنوان ، فنشرته المجلة حافلاً بسجل الوزارة العراقية: المعاهدات ، الاتفاقيات ، المقررات ، ورأى القراء لوناً جديداً فيه ، فشجعوا الحسني ، وأرسلوا إليه رسائلهم.

وبينما هو يوثق رسائله ، اندفع إلى ميدانه الكبير ، يتصل بالسياسيين والقادة ومكتب الصحافة ، يجمع ويشذب .. ويقارن بين آراء هؤلاء وبين ما نشره في (العرفان) ويعثر ، هذه المرة ، على عنوانه الثابت: (تاريخ الوزارات العراقية) بعد ثلاث سنوات من نشره الفصل الأول ، ويصدر به الجزء الأول في عام 1934. وفي عام 1935 أصدر الجزء الثاني من هذا الكتاب ، وإذا المعارضون لفكرته جاءوه بالأصول الثمينة التي يحتفظون بها من أسرار الدولة ، ويضعون في يديه (معوناتهم) المعنوية. فكان ممن قدم له معلومات ووثائق : ياسين الهاشمي ، جعفر العسكري ، رشيد عالي الكيلاني ، ناجي السويدي ، توفيق السويدي ، محمد رضا الشبيبي ، وأخرين ممن وجدوا في كتاب (تاريخ الوزارات العراقية) مرآة عصرهم. وتتابعت أجزاء الكتاب حتى بلغت الأربعة في عام 1940.

حرص عبد الرزاق الحسني على تضمن كتابه صور رؤساء وزراء كل حكومة مع وزرائهم ، إضافة إلى بعض الشخصيات العسكرية كالسير برسي كوكس والمدنية كالمس بيل والملك فيصل الأول ، وبعض الأحدث مثل صورة مؤتمر القاهرة في آذار 1921 برئاسة ونستون تشرتشل وزير المستعمرات البريطانية. كما نشر صورة تتويج الملك فيصل الأول في 23 آب 1921.

توقف إجباري لتأليف الكتاب

تابع الحسني جهده الوثائقي حتى أصدر أربعة أجزاء حتى عام 1940 فتوقف لأسباب قاهرة ، يصف الحسني معاناته في تأليف الكتاب فيقول:

(في منتصف 1941 جرى اعتقالي ، في جملة من اعتقل بعد الحركة التحررية التي قامت في العراق ، وحُبست عني المراجع الضرورية للبحث والتأليف ، وأُحرق كل ما عندي من مجلدات هذا الكتاب، وقد دام هذا الاعتقال أربع سنوات كاملات ، وضعت كتاباً آخر هو (تاريخ العراق السياسي الحديث). فلما فرّج الله عن العالم كربته ، وعادت مياه السلام إلى مجاريها الطبيعية ، وانتشر الوعي في البلاد انتشاراً واسعاً ، شعرتُ برغبة ملحّة لدى القراء الكرام في اقتناء (تاريخ الوزارات) فأعدت النظر فيما صدر من مجلداته ، ودققتُ في أصوله ومواده من جديد ، واستعنتُ بما استجد لدي من معلومات واتصالات ووثائق ومستندات حتى إذا انتهيتُ من هذا كله ، وجدتُ أن (تاريخ الوزارات العراقية) لم يبق منه غير الاسم ، فإن مواده تبدلت تبدلاً جوهرياً ، وقوبلت وثائقه مع أصولها مقابلة دقيقة إمعاناً في التأكد من سلامة النقل ، واكتشفتُ آفاقاً جديدة لم يكن من الميسور اكتشافها من قبل. وهكذا خرج (تاريخ الوزارات العراقية) في طبعته الثانية بحلة قشيبة ، وأصول جديدة ، ونقول دقيقة ، ومعلومات طريفة ، وأجزاء متسلسلة بلغت العشرة. فكان هذا الكتاب مرجعاً كاملاً وسِفراً مفيداً جامعاً لكل من يود أن يكتب عن تاريخ العراق السياسية في المستقبل القريب أو البعيد).

في أجزائه العشرة يتابع الحسني تطورات العراق الحديث ومتابعة تشكيل الوزارات وأعضاء الكابينة وأهم الأحداث التي شهدتها ، وتاريخ استقالتها. وهو أمر كان متعارفاً في النظام الديمقراطي في العهد الملكي ، ولم يتكرر بعد ذلك ، وحتى في النظام الديمقراطي الذي تأسس في 2003 بعد سقوط النظام البعثي الدكتاتوري ، فلم يشهد استقالة رئيس وزارة عدا حالة نادرة هي استقالة السيد عادل عبد المهدي بفعل تظاهرات تشرين 2019 .

أحصى الحسني في هذا الكتاب (59) وزارة تشكلت خلال المدة ما بين 25 تشرين الأول 1920 وهو تاريخ تشكيل الحكومة المؤقتة ، و14 تموز 1958 وهو تاريخ انتهاء (المملكة العراقية) وقيام (الجمهورية العراقية). بعد قيام الجمهورية طلب منه عبد الكريم قاسم أن يؤرخ لوزارته فرفض الحسني ، ولم يكتب عن العهد الجمهوري.

وقد تتابع ثلاثة ملوك ووصي على التاج العراقي خلال تلك الفترة. ترأس الحكومات الملكية (23) رئيس وزراء ، فيما توزعت كراسي المسؤولية فيها على (175) وزيراً. ولذلك ينسجم عنوان الكتاب مع مضمونه ، ويمكن أن يكون له عنواناً آخر هو (موجز تاريخ العهد الملكي في العراق) أو (موجز تاريخ العراق في العهد الملكي). وتزداد أهمية الكتاب أيضاً ، إذا ما أحصينا نصوص المعاهدات والاتفاقيات والبروتوكولات التي ضمتها صفحاته ، والتي بلغ مجموعة (48) معاهدة واتفاقية وبروتوكولاً عقدها العراق مع أطراف عديدة خلال ذلك العهد.

ويسلط (تاريخ الوزارات العراقية) الضوء على جانب مهم من جوانب الحياة البرلمانية في العراق ، عندما يذكر أن مجلس النواب عقد (16 ) دورة انتخابية خلال العهد الملكي ، ويورد أسماء النواب.

ويسلط الضوء أيضاً على الحياة الحزبية في العراق ، عندما يتناول مناهج ونشاطات ومواقف عشرين حزباً وتنظيماً سياسياً علنياً من التنظيمات السياسية العلنية التي عرفها العراق خلال ذلك العهد.

ثانياً: تاريخ العراق السياسي الحديث

وقد سبق القول أن هذا الكتاب قد ألفه الحسني في معتقل العمارة للفترة من 29 تشرين الأول 1941

حتى إطلاق سراحه في 20 مايس 1944. طبع الكتاب لأول مرة في مطبعة (العرفان) بصيدا في ثلاثة أجزاء سنة 1948 ، وطبعة ثانية عام 1957 . وأعيد طبعه بالأوفست في بيروت عام 1975 ، ومرة أخرى عام 1980. وفي عام 1982 أعيد طبعه طبعة خامسة وموسعة في مطبعة دار الكتب في بيروت ، ثم طبعة سادسة لنفس الدار عام 1984.

عبد الرزاق الحسني ومنهجه في كتابة التاريخ .. كتاب تاريخ العراق السياسي الحديث نموذجا

ميزات منهج الحسني

أولاً: الاكاديمية

 والرجوع إلى المصادر الرصينة العربية والإنكليزية ، مقررات مجلس الوزراء العراقي ، تقارير دار الاعتماد البريطانية المرفوعة إلى عصبة الأمم في جنيف ، تقرير دار الاعتماد عن تقدم العراق خلال عشر سنوات 1921-1931 ، مذكرات المجلس التأسيسي (الأعيان) ، محاضر مجلس الأعيان ، محاضر مجلس النواب.

ثانياً : الموسوعية

والبحث والكتابة في مجالات عديدة كالتاريخ والمعاهدات الدولية والوزارات العراقية والأحزاب السياسية.  وفي العقائد والأديان عن الصابئة واليزيديين والبهائيين والشيعة والخوارج والبابيين. وكتب في تاريخ الصحافة ، الأغاني الشعبية ، في أدب الرحلات ، ثورات العشرين والنجف وكربلاء . وكتب في المراقد المقدسة في العراق.

ثالثاً: الوثائقية

حيث يحرص على الحصول على الوثائق كالرسائل والمذكرات والاتفاقيات ومذكرات التفاهم ونصوص المعاهدات الدولية. مما يعزز وجهة نظره ويقوي البحوث التي يكتبها.

في المقدمة

-يتحدث عن اعتقاله في سجن العمارة ولقائه بمحمد صديق شنشل

– حرصه على الاستفادة من ملاحظات وإرشادات القراء والإشادة بهم

– يروي أن الملك علي شقيق الملك فيصل الأول أعطاه مذكرة كتبها فيصل. وهي وثيقة تاريخية رصينة تعالج مشاكل المجتمع العراقي.

– حصوله على جائزة المجمع العلمي العراقي لعام 1949 عن كتابه (تاريخ العراق السياسي الحديث)

– نال جائزة تقديرية من السوربون عام 1957 عن نفس الكتاب

في الفصل الأول

 يتناول تاريخ العراق والحضارات القديمة فيقول عن الشعب الشومري وليس السومري وأنهم ليسوا من الساميين ولا صلة لهم بالقبائل السامية.

– كما تناول الأكديين والعيلاميين والعموريين ثم الأشوريين فالكلدانيون والفرس واليونانيون ، ثم الفرس الساسانييون.

– ويتناول بروز الإسلام من الخلافة الراشدة ثم الدولة الأموية والعباسية والايلخانية والجلائرية ثم السلاجقة فالصفويون والعثمانيون ودخول سلاطينهم بغداد والمعارك التي دارت حولها.

– ويتناول ثورة العشرين التي خصص لها كتاب مفرد، ثم تشكيل الحكومة المؤقتة برئاسة الكيلاني ، وحكومة الانتداب البريطاني حتى تحقق الاستقلال ودخول عصبة الأمم المتحدة في 3 تشرين الأول 1932.

 الفصل الثاني

 تحدث الحسني عن المصالح البريطانية في العراق ومقارنتها بمصالحها في الهند.

– يبدي فهماً عالياً في متابعة الاستراتيجية البريطانية وصراعها مع فرنسا وغيرها في الشرق الأوسط.

-يستعين الحسني بمصادر يوردها في هامش الصفحة من الكتب الصادرة آنذاك (الشرق الإسلامي في العصر الحديث) للكاتب حسين مؤنس ، (على طريق الهند) ، ملوك العرب ) لأمين الريحاني ، (تاريخ الكويت) لعبد العزيزي الرشيد، (تكوين العراق الحديث) لهنري فوستر ، (العراق في أربعة قرون) للونكريك ، إضافة إلى مصادر إنكليزية مثل كتاب فيليب إيرلاند وفوستر وكوك

– يستعين بمحاضر مجلس اللوردات البريطاني لسنة 1903

– يستعين بنصوص المعاهدات البريطانية مع شيخ الكويت عام 1898

– تناول تأسيس شركة الهند الشرقية البريطانية ودورها في منطقة الخليج العربي.

– كما يسلط الضوء على المقيمية البريطانية في بغداد وقناصلها في البصرة والموصل

الفصل الثالث:

 يتناول احتلال العراق وتقاطع المصالح الأجنبية وخاصة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وتركيا وروسيا.

سأتناول أربعة محاور ، كما يأتي:

1-انبثاق الوعي العربي

–              ينتقد الحسني الدولة العثمانية (ص 58 ) نقداً رصيناً فيقول:

–              أخذ الترك الإسلام عن العرب لكنهم عجزوا عن احتمال عبء ترك الحضارة العربية.

–              ففي الوقت الذي هضم العرب كل ما وجدوه من حضارات بعد الفتح ، وأوجدوا حضارة خاصة بهم ازدهرت لقرون طويلة ، بينما بقي الترك قوماً محاربين ولم يهضموا الحضارة العربية ولا الحضارات الأخرى لتكوين حضارة جديدة قائمة بنفسها.

–              هذا ما جعل الشباب العربي ينطلق ليرتشف من المدارس العصرية ثقافتها حتى تحرك في نفوسهم النشاط ، وفي عروقهم الدم العربي.

–              ومع التعليم الحديث ولدت فكرة البعث العربي. وزادهم نشاطاً بعض الحركات الثورية في صفوف العرب ضد الإمبراطورية العثمانية كحركة محمد علي باشا في مصر الذي أراد التخلص من الهيمنة العثمانية وولاتها.

–              وكحركة الوهابيين التي قام بها فريق من العرب ضد الترك للتخلص منهم!!؟؟ فهي وإن كانت دينية مذهبية إلا أنها مهدت بصورة غير مقصودة الطريق للبعث العربي الحديث. وكحركة الامام يحيى في اليمن.

–              ثم يستنتج الحسني : فالوعي العربي سابق للفكرة التركية الطورانية. وقد استغلت الدول الأوربية الوعي القومي العربي ، وخاصة فرنسا . وصار الترك ينظرون للعرب أساتذتهم في الدين والثقافة كأتباع. ومهد التطرف العنصري التركي إلى إضعاف العلاقة الدينية التي كانت تربط العرب بهم. فكان ذلك سلاحاً ماضياً في تقطيع أوصال الإمبراطورية . وبذلك انفتح لمفكري العرب التعاون مع الدول الأوربية في سبيل التحرر من النير التركي. إذ لم يعد السلطان خليفة المسلمين بل كان حاكماً تركياً يستعبد العرب، (ص 59)

2-مدرستا الهند والقاهرة

يتناول الحسني السياسة البريطانية في الشرق الأوسط والتي كانت تركز على مركزين رئيسين هما الهند والقاهرة. وقد اصطلح على الأول المدرسة البريطانية الهندية ، والثاني المدرسة البريطانية العربية.

يرى أصحاب المدرسة الهندية أن التوغل البريطاني في البلاد العربية يجب أن يبدآ من عدن والخليج العربي وينتهي إلى بغداد. وينقل الحسني خطاب اللورد كرزن أمام مجلس اللوردات البريطاني عام 1912 الذي يؤكد فيه على أهمية بغداد الاستراتيجية. وكان على بريطانيا كسب ابن سعود الوهابي لما له من نفوذ في الجزيرة العربية وأطرافها.

أما أصحاب المدرسة العربية فهم يرون أنه على بريطانيا السيطرة أولاً على مصر وثم سوريا ، لحمل عرب الشام على مقاومة النفوذ الفرنسي ومنع من التوسع. وبذلك تحفظ الطريق بين الهند والجزر البريطانية، وتستحوذ على المدن الإسلامية المقدسة مكة والمدينة والقدس ، فتجعل العرب يدينون لها بالولاء. ولما كان لشريف مكة الحسين بن علي مقام ديني وسمعة واسعة في تلك الأنحاء ، كان من مصلحة إنكلترا أن تصطفيه وتزّعمه على العرب.

ثم يحلل الحسني الفرق بين المدرستين انطلاقاً من فكره القومي فيقول:

الفارق الرئيس بين المدرسيتين هو أن المدرسة العربية أدركت بعض الادراك الشعور العربي القومي ، وطموح العرب في التحرر والاستقلال، فأيقنت أنه من المستحيل أن توجه المصالح البريطانية في الوطن العربي بالقوة ، لأنها تكون مهددة تهديداً مستمراً بسخط العرب وثوراتهم. وهذا يكلف الحكومة البريطانية من الجهد والنفقة والتضحية قدراً يفوق ما تربحه عادة لتأمين هذه المصالح. كل ذلك جعل بريطانيا لانتهاج سياسة الاسترضاء ، بمنح العرب بعض الحقوق، وإقناعهم بأن ذلك يرضي مطامحهم. وبهذا تضمن بريطانيا لنفسها إيجاد أنصار من العرب، ولو كانوا قليلي العدد ، يعملون على حماية المصالح البريطانية في الوطن العربي بأقل جهد ونفقة وتضحية.

أما أصحاب المدرسة الهندية فهم متأثرون بالفكرة الاستعمارية في الهند، ولا يفكرون بغير توسيع الإمبراطورية. وقد كشفت الأحداث خطل سياستهم في الهند نفسها حيث واجهت بريطانيا مشكلة الهند الكبرى.

كما أن آرنولد ويلسون الحاكم المدني في العراق وممثل هذه المدرسة قد خاب خيبة فظيعة في تنفيذ نظريتها في بلاد الرافدين. وكان لسياسته فضل مشهود في انطلاق ثورة العشرين عام 1920. وسجل الثوار العرب مقاومة دامية ضد الاستعمار الذي كانت تدعو إليه المدرسة الهندية.

لقد توالت الثورات حتى اضطر ويلسون إلى تغيير مواقفه عندما دخل عضواً في لجنة ألفها مجلس العموم البريطاني إثر ثورة القسام عام 1936 في فلسطين. فصار ويلسون يرسل إلى جريدة التايمس اللندنية ردوداً على كل من يستهين بحق العرب في الحرية ، ويطالب حكومته البريطانية بترك سياسة التعسف في صلاتها بالعرب ، وتتخلى عن مشروع الوطن الصهيوني في فلسطين، مستشهداً في كتاباته هذه بممارسته الحكم المباشر في العراق وخيبته فيه ، وقناعته بضرورة إنصاف العرب.

أثناء الحرب العالمية الأولى بدأت سيطرة بريطانيا على العراق وفلسطين والخليج ، وفرنسا على سوريا ولبنان يعترف الحسني بأن المدرسة الهندية قد انتصرت على العربية ، ولكن ما أصاب الانكليز من خيبة بعد معركة الكوت عام 1916 ، وهزيمة الانكليز في الدردنيل في شبه جزيرة غاليبولي التركية عام 1915 التي كانت تهدف إلى غزو إسطنبول من قبل قوات الحلفاء (بريطانيا وفرنسا مقابل تركيا وألمانيا والنمسا).

بعد هاتين الهزيمتين رجحت كفة فريق القاهرة ، وساعد على رجحان كفته عجز ابن سعود عن دعم الحملة البريطانية على العراق ، وتقلص نفوذه في الجزيرة ، إضافة إلى أن ما أفنقته بريطانيا على ابن سعود أضعاف ما طلبه الشريف حسين أو قبضه من بريطانيا . الأمر الذي جعل إنكلترا تتجه في مفاوضاتها مع شريف مكة عام 1915.

وقد ساعد فريق القاهرة بروز نجوم المس بيل ولورنس العرب اللذين جذبا نظر الرأي العام الإنكليزي. مما حمل السياسيين الإنكليزي على قبول وجهة نظرهما.

لم تنتظر بريطانيا تنفيذ مقترحات المس بيل وتوماس لورنس قبل احتلال العراق خاصة عندما شعر الانكليز أن الجيش الروسي قد يتقدم نحو بغداد ويحتلها، فصار القرار الاسراع باحتلال العراق لأسباب عسكرية وسياسية. أرسلت بريطانيا الجنرال مود ليعالج هزيمة الكوت فتمكن من مهاجمة الجيش التركي في 9 كانون الثاني  1917 فانسحب الجيش التركي نحو بغداد ، فلاحقته القوات البريطانية حتى وصلت سلمان باك في 28 شباط 1917  ، فاضطر الترك إلى إخلاء بغداد والانسحاب نحو الشمال باتجاه الموصل. وبعد أسبوعين احتلت القوات البريطانية بغداد في 11 آذار 1917. وبذلك أصبحت القضية العراقية برمتها بأيد بريطانيا عسكريا وسياسيا.

3- أسباب احتلال العراق

يؤيد الحسني آراء كثير من الكتّاب والباحثين المحققين بأن الأسباب الحقيقية هي:

1-وضع العراق الجغرافي الذي يتوسط المنطقة بين البحار والدول وطرق التجارة العالمية.

2- وقوع العراق في عقدة الخطوط الجوية التي بدأ استخدامها للنقل والتجارة ينمو باضطراد. وكذلك نقل الجنود والأليات العسكرية والعتاد والذخائر وغيرها.

3- نفط العراق الذي ازدادت أهميته قبل الحرب عندما تم تموين الجيش البريطاني من الوقود الذي ينتجه مصفى عبادان. وكانت الاكتشافات قد أكدت وجوده في العراق. كما أن استخدام النفط أصبح هاماً في تسيير وسائل النقل كالطائرات والبواخر والسيارات والصناعات.

4- خصوبة أرض العراق وثرواته الزراعية والمياه الغزيرة مما يجعل العراق بلداً زراعياً يصدر منتوجاته لبريطانيا وبقية دول العالم. كما أنه يشكل سوقاً جيدة للصادرات البريطانية كالأقمشة القطنية والصوفية والمكائن والعدد الزراعية.

4- ثورة العشرين القومية!!

يخصص الحسني فصلاً لثورة العشرين التي يصفها بعنوان (مرحلة من مراحل الكفاح القومي العربي) ، وهو وصف يعبر عن نظرة ضيقة لثورة العشرين الوطنية الإسلامية. فقد قادتها المرجعية الشيعية وأصدرت فتاوى دينية بالجهاد الدفاعي. كما التزم أبناء العشائر بالفتاوى وواجهوا القوات البريطانية ايماناً منهم بالجهاد والشهادة وهي قيم إسلامية وليست قومية. ورفض أبناء العراق الاحتلال الأجنبي لوطنهم العراق وخضوعهم للمستعمر الذي يهيمن على بلادهم وثرواتهم ومصيرهم ومستقبلهم.

يحاول الحسني الدفاع عن الإسلام باعتباره انجازاً عربياً ، فالقرآن نزل بلغة العرب ، وهو دستور العرب الحي الذي يحفظ لغتهم ويصون عقيدتهم ، ويحرس حقهم بالاعتزاز بماضيهم. وأن النبي هو الزعيم العربي الخالد محمد بن عبد الله (ص).

وينبري الحسني في تعزيز نظرته القومية عن ثورة العشرين فيقول (إن الثورة العربية ليست إلا صورة من صور الكفاح القومي. فقد احتفظ العرب بالجهاد فيما احتفظوا به من مميزات حياتهم.

يقول الحسني : لقد جاهد العرب مع الترك الحاكمين لدفع الاستعمار الأجنبي حتى إذا تبين لهم التواء الترك ، وعجزهم عن الاستمرار في الكفاح ، انفردوا بالجهاد لتخليص بلادهم من شرور الطامعين. ص 111

وهذا يخالف الحقائق التي تقول أن العثمانيين كانوا يعتمدون الأساس الإسلامي في حروبهم ويتبنون مفاهيم الجهاد والشهادة. وكان يرافق الجيوش قاض وفقيه يفتون للجيش في المسائل التي يواجهها المقاتلون ، وكان يسمى (قاضي عسكر) . وكان يرافق السلطان وقادة الجيش في فتوحاتهم.

وكانت الدولة العثمانية مقسمة إلى ثلاث مناطق عسكرية قضائية:

1-قضاء عسكر الروملي (أوربا)

2- قضاء عسكر الاناضول ، وقضاء عسكر العرب (العراق والشام وفلسطين ولبنان)

3- قضاء عسكر مصر (وشمال أفريقيا)

الحسني وحركة الجهاد 1914

من الغريب أن الحسني يتحدث عن اعلان الجهاد من قبل العلماء الترك ، وأن عرب العراق قد التزموا بهذه الفريضة. ويضيف (لاسيما بعد أن أيد هذا الإعلان علماء الدين على اختلاف درجاتهم ، وتباين نزعاتهم) ، وهذا غير صحيح إطلاقاً.

ففي العراق لم يصدر أي فقيه سني في بغداد أي إعلان تأييد أو إصدار فتوى ضد الاحتلال البريطاني عام 1914 . أذكر منهم كبار العلماء:

1-عبد الرحمن الكيلاني ، نقيب الاشراف

2- محمد درويش الآلوسي ، عضو مجلس إدارة بغداد

3- نجم الدين الواعظ ، قاضي بغداد

4- أمجد الزهاوي ، كبير علماء بغداد

5- محمد سعيد النقشبندي أحد علماء بغداد

6- محمد شكري الآلوسي أحد علماء بغداد ثم صار وزيراً للعدل في حكومة الاحتلال

7- علي الآلوسي من اتحاد الولاية (أنجمن ولاية)

8- قاسم القيسي مفتي الجزيرة في الموصل

9- عثمان الدواجي عضو مجلس الأوقاف في الموصل.

10- كما لم يشارك في حركة الجهاد (1914-1915) السياسيون العراقيون وأعضاء البرلمان العثماني مثل: يوسف السويدي والد ناجي وشوكت ، مصطفى الواعظ ، رافع السنوي ، عبد المحسن السعدون ، عبد المجيد الشاوي ، مراد بيك سليمان أخو رئيس الوزراء حكمت سليمان، محي الدين الكيلاني ابن عبد الرحمن النقيب.

وللأمانة العلمية وجدتُ قاضياً سنياً واحداً اتخذ موقفاً ايجابياً من إعلان الجهاد العثماني. فقد أصدر محمد أديب الجراح القاضي في محكمة الاستئناف في الموصل فتوى بالجهاد ضد البريطانيين بعنوان (رسالة الجهاد على فتوى خليفتنا الأعظم السلطان غازي محمد رشاد) وقد صدرت في مطبعة نينوى بالموصل عام 1914.

من الغريب أن يتجاهل عبد الرزاق الحسني فتاوى الجهاد التي أصدرتها المرجعية الشيعية بزعامة المرجع الأعلى السيد كاظم اليزدي وبقية العلماء بعد نزول القوات البريطانية الفاو في تشرين الثاني 1914 واحتلال البصرة. وشارك العلماء الشيعة في ميادين القتال وذهبوا إلى ساحات المعارك أمثال السيد محسن الحكيم وعبد المحسن الكاظمي والسيد محمد مهدي الحيدري والسيد هبة الدين الشهرستاني وعشرات الفقهاء والعلماء وفضلاء الحوزات العلمية في الكاظمية والنجف وكربلاء. وقد كرستُ كتابي (المرجعية والاحتلال الأجنبي) الذي يتناول الغزو البريطاني للعراق عام 1914 و حركة الجهاد العراقية التي ابتدأت بفتوى المرجع الأعلى السيد كاظم اليزدي بإعلان الجهاد الدفاعي. وقد دعمت وأيدت وتطوعت العشائر العراقية. وحدثت معارك يوردها علماء الدين وزعماء العشائر ، لكنها لم تستطع التفوق على الآلة العسكرية البريطانية.

ثالثاً: الصابئون والإيزيدون

طائفتا الصابئة والايزيدية من الديانات القديمة ، اتسمت بالغموض والانكفاء والكتمان . وهذا كان مدعاة لاختلاف العلماء والمؤرخين في حقيقة الديانتين.

بالنسبة للصابئة المندائية يعتقد بعض المؤرخين وأصحاب كتل الملل والنحل أنها تعود للديانات البابلية والآشورية ، وآخرون نسبوها إلى المسيحية أو المجوس . وهذا غير صحيح فهم ديانة مستقلة لها أنبياؤها وعقائدها وتاريخها. وكل الذي كتبوا فيها كانوا من خارجها ، لا يعرفون لغتها ، وغير مطلعين على كتابهم المقدس (الكنزاربا) ، بل يأخذون معلوماتهم من الأقاويل والإشاعات والمصادر المعادية لها.

يقول الحسني في مقدمة الطبعة الثامنة (موسعة ومزيدة) الصادرة عام 1983 :

(في عام 1931 صدرت رسالتنا (الصابئة قديماً وحديثاً) في القاهرة ، وأعقبناها بمقالة مطولة نشرناها في مجلة (الهلال ، عدد أيار 1932). فتلقينا من ضجيج الصابئة وإنكارهم ما جرّنا إلي مرافعات ومحاكمات طال أمدها ، ولكنها انتهت لفشل المدّعين ، لعدم وجود مأخذ على ما كتبنا ونشرنا.

ومنذ ذلك الحين ونحن نتابع دراسة هذا الموضوع ، ونتصل برؤساء الصابئة وببعض شيوخهم البارزين ، ونحضر حفلاتهم وأتراحهم ، ونشاهد طقوسهم وآدابهم ، وندقق في كتبهم المقدسة ، وفيما كتب عنهم في بعض اللغات الأجنبية الحية ، حتى انتهى بنا الأمر إلى هذه الدراسة المستفيضة).

وكان الحسني قد تعرض إلى المحاكمة إثر دعوى رفعها عليه الشيخ دخيل بن الشيخ عيدان الرئيس الروحاني لطائفة المندائيين عندما أصدر كتابه (الصابئة في حاضرهم وماضيهم) سنة 1931، متهما إياه بأنه تقوّل عليهم بما ليس حقيقة، ووصفهم بما ليس له أيّ أصل أو ثوابت في ديانتهم العريقة، ومن ذلك أنهم، كما جاء في الكتاب، أنهم (عبدة أجرام وكواكب ونجوم وشهب)، وهذا غير صحيح . فحكمت المحكمة ضده استناداً إلى نصوص من كتاب المندائيين المقدس (الكنزا ربا) التي تؤكد أنهم (موحدون يعبدون الحي الأزلي). وقد صحح الحسني معلوماته في كتابه اللاحق (الصابئون قديما وحاضرا) الذي صدرت طبعته سنة  1955.

وصدرت الطبعة الأولى في مطبعة (العرفان) عام 1955 ، والطبعة الثاني عام 1959 ، والطبعة الثالثة عام 1963 ، والطبعة الرابعة عام 1970 ، والخامسة في بيروت عام 1978 ، والسادسة في بيروت عام 1980 ، والسابعة عام 1982 ، والثامنة أصدرها مركز الأبجدية في بيروت عام 1983.

في بداية الخمسينيات من القرن الماضي ، أصدر الحسني كتابه (اليزيديون في حاضرهم وماضيهم ، دراسة عميق تستند إلى مشاهدات عيانية وتتبعات تاريخية) . طبع الكتاب ثلاث طبعات في مطبعة (العرفان) بصيدا ، الأولى عام 1951 ، والثانية عام 1953 ، والثالثة عام 1961 ، والرابعة عام 1964 باسم (اليزيديون) ، والخامسة طبعت في (المطبعة العصرية) لصيدا عام 1968 بام (اليزيديون في حاضرهم وماضيهم) ، والسادسة بي بيروت عام 1975 ، وصدرت الطبعة السابعة والثامنة في بيروت. وصدرت في عام 1982 الطبعة التاسعة في مطبعة دار الكتب ببيروت، وتلتها طبعتان هما العاشرة والحادية عشرة. في عام 1988 صدرت الطبعة الثانية من قبل مكتبة اليقظة العربية.

حديث السيدة أحلام الحسني

في 1 كانون الأول 2023 أقام المركز الثقافي العراقي ندوة لتكريم السيد عبد الرزاق الحسني حضرته ابنته أحلام عبد الرزاق الحسني التي تحدثت عن ذكرياتها مع والدها وتعامله كأب مع عائلته، فقالت:

ولد الحسني في الشورجة عام 1903 وكان والده يعمل بالتجارة، ودخل الكتاب لتعلم القراءة والكتابة. وفي سن الخامسة عام 1908 دخل المدرسة الجعفرية . ثم انتقل والده إلى النجف الأشرف بعد نكول صاحب البيت الذي اشتراه والده ، فاضطر لمغادرة البيت والسفر إلى النجف للاستقرار هناك. وكان في شبابه يميل للعمل الصحفي وكان متواجداً في النجف وعمره 17 عاماً أثناء اندلاع ثورة العشرين، وكان يوزع منشورات الثورة. وصار يكتب في الصحف وهو في تلك السن المبكرة. عاد إلى بغداد وحصل على وظيفة في رئاسة الوزراء من قبل نوري السعيد وبقي في منصبه منذ الأربعينيات وحتى عام 1964 في عهد عبد السلام عارف حيث تم تعيينه مفتشاً في وزارة التربية ، فرفض إبعاده عن الوثائق وأوراق التاريخ التي كان ينتقي منها في كتابه الشهير (تاريخ الوزارات العراقية)، وطلب إحالته على التقاعد ليتفرغ للتأليف والكتابة.

 في انقلاب مايس 1941 الذي قاده رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة وفشل الانقلاب تعرض الحسني للسجن في العمارة وكان معه صديقه محمد صديق شنشل وبقي لمدة أربع سنوات.

رزق الحسني بتسعة أبناء وابنة واحدة هي السيدة أحلام، خمسة منهم توفوا في حياة أبيهم ، أحدهم كان صغيراً في السابعة من عمره ، والآخر عمره 17 عاماً مات غرقاً في الكرادة الشرقية حيث كان منزل العائلة. ومات بعده اثنان ، وبقي منهم سليم وآخر ، والسيدة أحلام.

كان الحسني يملك مكتبة تضم (17) ألف كتاب ، تم نقلها إلى المكتبة الوطنية ، لكنها تعرضت للنهب بعد سقوط نظام صدام عام 2003 . وبقي منها (2000) كتاب فقط ، تبرعت بها السيدة أحلام إلى مكتبة ابن نما في مدينة الحلة. وهي مشغولة لإعادة طباعة كتب والدها . تمكنت من طباعة عشرة كتب على رأسها كتاب (تاريخ الوزارات العراقية) في أحد عشر مجلداً. وفي النية إهداء بعض كتبه ومقتنياته إلى المركز الثقافي البغدادي.

في الختام قام الدكتور صلاح عبد الرزاق بتكريم السيدة أحلام الحسني بشهادة تقديرية لمشاركتها الكريمة في ذكرى والدها شيخ المؤرخين السيد عبد الرزاق الحسني.

آثار الحسني المطبوعة :

صدر لشيخ المؤرخين عبد الرزاق الحسني (29) مؤلفا في التاريخ والسياسة وأطياف الشعب العراقي والصحافة والأغاني والرواية، وهي :

-(تاريخ الوزارات العراقية) / عشرة أجزاء صدر عام 1933- 1939 و 1953- 1961 و 1965- 1969 و 1974 و 1987 و 1982 و 1988 .

– (الأصول الرسمية لتاريخ الوزارات العراقية) عام 1969

– (تاريخ العراق السياسي) ، ثلاثة أجزاء ، عام 1948 و 1949 و 1957 و 1975 و 1980 و 1982 و 1984.

– (الثورة العراقية الكبرى) عام 1952 و 1965 و 1972 و 1978 و 1982

– (العراق بين دوري الاحتلال والانتداب) عام 1935

– (الأسرار الخفية في حركة السنة 1941 التحررية) عام 1958 و 1964 و 1971 و 1977 و 1982

– العراق في ظل المعاهدات عام 1948 و 1958 و 1975 ، 1980 ، و1982 ، و1984

– العراق قديما وحديثاً عام 1947 و 1952 و 1958 و 1971 و 1980 و 1983 .

– ( الثورة العراقية الكبرى لعام 1920 ) صدر عام 1935 و 1936

– (الإيزيديون في حاضرهم وماضيهم) عام 1951 و 1953 و 1961 و 1964 و 1968 و 1975 و 1982 و 1988

– (البابيون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم) عام 1957 و 1962 و1969 و 1983.

– (الصابئة في حاضرهم وماضيهم) عام 1955 و 1959 و 1963 و 1970 و 1980 و 1982 و 1983.

– (تاريخ الصحافة العراقية) صدر الجزء الأول عام 1935 و 1957 و 1971

– (الأغاني الشعبية) صدر عام 1929

– (الخوارج في الإسلام) طبعته مجلة العرفان عام 1929

– (الصابئة قديما وحديثا) طبعته (مطبعة الخانجي) بالقاهرة عام 1931

– (عبدة الشيطان في العراق) طبعته مطبعة العرفان عام 1931 كرسالة مستقلة

– (رحلة في العراق أو خاطرات الحسني) عام 1925 و 1926

– (البابيون في التاريخ) نشرته مجلة العرفان 1930

– (الجبهة الوطنية في العراق.. جذورها التاريخية وتطورها) عام 1978 و 1983

– (موجز تاريخ البلدان العراقية) عام 1930 و 1933

– (تسخير كربلاء في واقعة محمد نجيب في عام 1258 هـ 1842م)

– (المعلومات المدنية لطلاب المدارس العراقية) عام 1923

– (تحت ظل المشانق) ، ثلاثة أجزاء ، صدر عام 1924

– (ثورة النجف بعد مقتل حاكمها كابتن مارشال) عام 1972 و 1978 و 1980 و 1982 و 1983

– (أسرار الانقلاب بكر صدقي) صدر عام 1937

– (تاريخ الأحزاب السياسية في العراق) عام 1980 و1983

نهاية المطاف

وعن وفاته كتبت الصحفية الكردية  زكية نوري سليم المزوري (1969 -)  في الهزيع الاخير من ليلة الخميس الموافق لليوم الرابع والعشرين من شهر كانون الاول لعام 1997 م، توفي الى رحمة الله تعالى المؤرخ والصحفي الرائد السيد عبد الرزاق الحسني أثر مرض عضال لازمه لأكثر من عشرين عاما حصل (رحمه الله تعالى) على شهادة دكتوراه فخرية بالتاريخ من كلية الآداب بجامعة بغداد عام 1992م، كما حصل على الوسام الذهبي من الاتحاد العام للكتاب والمؤلفين في العراق عام 1996 م .

حفل موكب جنازة السيد عبد الرزاق الحسني بالوزراء وكبار الشخصيات الاعلامية والادبية ووجهاء الدولة، بينما لم يجد الحسني أحدهم يطرق بابه او يمد له يد العون حتى لحظة احتضاره الاخيرة، ولولا رعاية وعناية الله سبحانه وتعالى ورعاية ابنته احلام التي تكفلت بمعيشته وعلاجه وعلاج زوجته الفاقدة لبصرها لمات جوعا.

كان للحسني زوجة واحدة ، وكانت سيدة فاضلة من اصل ومقام رفيع ، تزوجها وكان عمره ستة وعشرين عاما ، بينما لم يزد عمرها عن ثمانية عشر عاما. احبها واحبته واحسن معاشرتها برغم التفافه حول كتبه وبحوثه وأدبه . ولمرض اصاب عينيها فقدت الزوجة بصرها وأمست لا ترى الا بنسبة واحد بالألف حسب ما أكده الاطباء، ورغم العمليات الجراحية الكثيرة التي اجريت لعينيها الا انها لم تأت بجدوى وتوقفت عن العلاج والمراجعة لضنك الحال التي كانت تعيشه العائلة. عودة النظر لعينيها كانت احدى امنياته التي لم تتحقق في حياته ولا بعدها . وامنية اخرى لطالما انتظر تحقيقها وهي نشر مخطوطتيه الضخمتين (اسرار عايشتها) و (الاسرار الخفية) اذ لم يكن بإمكانه نشرهما لعدم تمكنه ماديا فبقيا ضمن ما خلفه السيد الحسني لوارثيه علما ان المخطوطتين اصبحتا في غياهب الجب ولم يظهر لهما اثر حتى بادرت ابنته أحلام بطباعتها.

بعد بلوغ الحسني السنة الرابعة والثمانين من عمره ، اصابه الهزال وضعف العظام فلزم فراشه ، وكان بالكاد يتمكن من الخروج لنزهة قصيرة او زيارة الأقارب . بعدها اقعده المرض وداهمته الشيخوخة بوحشيتها وظلالها القاسية وحوطته بسلاسل وقيود سجنها المريع ، فسكن بين اربعة جدران لا يغادرها الا حين دخوله المستشفى للمعالجة او لقضاء حاجته، الا ان حالته الصحية تفاقمت وازدادت سوءا اذ تم تشخيص ما به من امراض حتى وصلت الى اكثر من سبعة امراض كتوقف احدى الكليتين وذات الرئة وتوقف الرئة اليمنى وارتفاع ضغط الدم وضعف القلب اضافة الى مضاعفات كثيرة نتجت عن توقف الكلى والرئة. على هذا قضى السيد الحسني ما يقرب الخمسة عشر عاما اسير حجلته الرباعية الاقدام والمصنوعة من ارخص المعادن وكانت تعاني هي الاخرى من اعوجاجات وكسور تم ترقيعها بالحبال، رافقته هذه الحجلة الوفية حتى اواخر ايامه، رغم حالته تلك كان مزدهيا بعلمه مواظبا على لقاء طلابه في داره فلم ييأس يوما ولم يعتذر عن مقابلة احد طرق بابه في سؤال، بل داوم على القراءة والكتابة واستطلاع اخبار العلم والعلماء والآداب والفنون والعلوم من كل من يقابله وكان يجلس بين ضيوفه وطلبته سعيدا يرد على اسئلتهم واستفساراتهم فيزيدهم تعلقا بالعلم ويحثهم على الاصرار في طلب العلم حتى اخر لحظة من الحياة، واذا ما تذمر فرد من عائلته من كثرة زواره وطلابه كان يرد غاضبا : العلم اثمن ما يمكن ان يمنحه المرء لغيره فجلوسي وجوابي عليهم لا يكلفني شيئا وابخل الناس من بخل بعلمه على الناس، على هذا احبت عائلته زواره ومريديه من طلاب وطالبات وصحفيين.

المصادر

-عبد الرزاق الحسني (تاريخ الوزارات العراقية) ، الطبعة الثانية ، مطبعة العرفان – صيدا: 1953

– عبد الرزاق الحسني (تاريخ العراق السياسي الحديث) ، الطبعة الخامسة ، مطبعة دار الكتب ، بيروت: 1982

– عبد الرزاق الحسني (الصابئون في حاضرهم وماضيهم) ، الطبعة الثامنة ، المكتب العربي لتوزيع المطبوعات ، بغداد: 1983

-فليح حسن علي (عبد الرزاق لحسني مؤرخاً) ، دار ومكتبة البصائر، بيروت: 2010

– صلاح عبد الرزاق (السردية البغدادية التراثية) (المدرسة الجعفرية رائدة التعليم الأهلي في العراق) ، ج 2 ، ص 315- 342 ، دار المحجة البيضاء ، بيروت : 2024

– حميد المطبعي (موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين) ، ج 3 ، ص 125- 199 ، دار الرافدين مكتبة عدنان ، الطبعة الأولى ، بغداد : 2014

– (عبد الرزاق الحسني) ،  موقع عراقبيديا https://ar.irakipedia.org/

– علي ياسين (عبد الرزاق الحسني .. عزفٌ على أوتار التاريخ الوطني) ،  موقع التآخي https://altaakhi.net/ ، في 18 شباط 2024