في انتظار الكارثة

فارس السردار

برنامج تلفازي امريكي يرصد مجاميع بشرية تتوقع وقوع كارثة.وكل من هذه المجاميع يتوقع نوع كارثة مختلف عن الاخر وفق وجهة نظره، فالبعض يتصور غزو فضائي، البعض الآخر يتوقع الكارثة مدا بحريا خاصة الذين يقطنون قرب سواحل البحار والمحيطات. كأن يكون طغيان مائي كالطوفان .البعض الآخر يتوقع تفجير ذري او نووي يلوث الجو لسنينعبر هجوم صواريخ تحمل رؤوس ذرية يقدم على اطلاقها رئيس دولة مجنون. او ان الكارثة تتحقق عبر انفجار بركاني هائل يحجب نور الشمس ويدخل الارض في عصر جليدي. البعض الاخر يتوقع انطلاق وباء جرثومي يستهدف البشر. وما الى ذلك من تصورات واخيلة اقتضى تشكلها عبر ما تبلور عند هذه المجاميع من تصورات جراء تفسيرها للدوافع التي هي اخفاق الانسان المتحضر حصرا بالتعامل مع الطبيعة ومع اخيه الانسان ووفق هذه المعاني تم اخذ هذه الاحتياطات. فتجد من يشتري ملجأ نووي كان معدا لتلقي ضربات نووية من ايام الحرب الباردة وتم اخراجه من الخدمة ويقوم باعادة تاهيله. ويمده بمنظومات تدوير للمياه ومستودع لخزن الغذاء المعلب، وكذلك مرشحات ومنقيات للهواء. وترى اخرون قد حوروا سراديب منازلهم واحكموا اغلاقها لتوقي مواجهة كائنات فضائية تقود غزوا للارض. وكل حسب ما تمليه عليه مخيلته من ردود افعال تتوازى وحجم الخطر المتصور  ونوعه. وأساليب ردعه او تجنبه.

مشاهدة هذا المسلسل لا تخلو من اثارة للانتباه، وتحسس للدهشة، وثمة تساؤل: لماذا يفكر هؤلاء الناس بهذا الشكل وما الذي يدعوهم لينحرفوا بحياتهم بهذا الاتجاه الذي اقتضى منهم ان يكرسوا كل مدخراتهم لجمع الماء والغذاء وتحصين انفسهم والمكوث حد الانحباس في صوامعهم ألأنهم قدروا ان الكارثة قادمة لا ريب فيها. وما قاموا به هو استباق للكارثة،فانكفؤوا مبتعدين. هذا الاستباق يبرره بعظهم بالقدرة على قراءة الاتي عبر معطيات الحاضر التي تترشح من خلال ثقافة عبأت بتفاصيل ومعاني ومعلومات تصب في ذات الاتجاه الذي يمثل الكارثة المتوقعة لكل منهم.

فيما بعد وجدنا انفسنا نحن ايضا نتحوط من الكارثة، التي بدات تشير اليها رسائل السياسيين كمثل / انتهوا قبل ان تنتهوا / و / قادمون يا بغداد / ووسائل الاعلام التي تجمع ردود الاقوال المتشنجة والمنفعلة دوما. حتى ايقن الجميع ان لا مفر وان الامر واقع.

لكن التساؤل المثير، ان كانت الطبيعة صماء لا ترحم وتندفع اذا ما فقدنا السيطرة عليها وواجهتنا بعنف لا رحمة فيه، وقتها كانت مواساتنا لانفسنا ان نقول ان زلزالا ضربنا. او اجتاحنا اعصار.. اما ان  يستطيع ملقي قنبلة هيروشيما العثور على الطمأنينة ما تبقى من حياته فهذا امر أشك فيه، خاصة عندما تتجدد ذكرى المجزرة البشرية التي لم تقبل اي امة بعد امريكا ان تلجئ الى فعل مثلها.

اكثر من مليونين ونصف انسان في نينوى فقط تعرضوا لاجتياح تسونامي بشري عبثت امواجه الرعناء بالقيم  والمفاهيم والحدود والقناعات والمشاعر والدروب والشوارع والاسواق والجوامع والمدارس والجامعات والسلوك  وفرض الاتاوات والازياء عبر فتاوي وتشريعات لفقهاء ليسوا هم الدين بل هم شارحين ومفسرينفي احسن الاحوال وما فقههم وشروحاتهم الا اجتهاد له اجر ان اخفق واجران ان اصاب. وهو غير ملزم لانه راي القصد منه التيسير والتخفيف. وفق ما مثله عصرهم من تحد استوجب منهم التصدى لمعضلاته. وبما ان الحياة في تجدد فالفقه يتجدد لانه يواكب الحياة ويلحق بها.

هكذا ما كان يجدي تخزين للماء ولا للغذاء، حتى جاعت الناس وماتت من الجوع. لم يبق زقاق الا وتم ثقبه للوصول الى المياه المعتقة والمخزونة منذ الاف السنين لان المدينة على صحبة مع نهرها منذ زمن الآشورين. لذلك كل المياه التي خرجت كانت عسرة وغير صالحة للشرب.

كل هذا في نهاية المطاف القصد منه ترجيح للارادات ولي للاذرع. حتى بات ثمن الحياة باهظا. ولكي نعيش لا بد ان تتلقى صدورنا الاف قنابر الهاون وصواريخ الكاتيوشا وصواريخ الكراد والمدفعية الذكية وقنابر قاصفات البي٥٢  والسيارات المفخخة، وحملة الاحزمة الناسفة. والذين لا يعرفون الله. جيوش من الريبة والتوجس والخوف تتجول في الازقة وفي طيات انفسنا لتحاكمنا على النوايا وما يستتر خلف النوايا ، لاننا مدانين اينما ولينا وجوههنا من قبل اهل الحسبة، او ممن لا يستطيع تقبل وجودنا عبر ما درج على رضاعته من  توجيه، مع اختلاف الاسلوب الا اننا بالنتيجة مستهدفين لاننا متهمين  بولاءاتنا وانتماءاتنا. وكأننا نتلقى عصف تفجير ذري  جديد يريد لنا ابادة او  لان الاقوى اراد ذلك. فمرحى لملقي القنابل الاكثر تدميرا والاكثر قدرة على التهجير بنوعيها الوحشي او الناعم.لانه بالنتيجة سيتراصف يوما مع الامريكي الذي تاججت ايامه ولياليه بوحشية ما فعلته قنابله الذرية بخلق الله في ناكازاكي وهوراشيما. والصومال وحلب وامريكا الاتينية وما يخطط له ليفعله غدا في الصين او الهند. فصبرا يا اهل الموصل ان موعدكم الجنة.