
فخ البرزانيين وتنازلات ساسة العراق – عبد الأمير كاظم الجوراني
على مرّ العهود السابقة كان الكورد يطمحون بقيام دولة كردية كبيرة تلم شتاتهم المنتشر في الكثير من بقاع العالم, لا سيما الموجودين منهم في أربع دول هي العراق وسوريا وتركيا وإيران.. ليحذو من خلال ذلك حذو دولة إسرائيل اللقيطة التي لم يون لها وجود تاريخي على مرّ العصور, ولكنهم أقاموا دولتهم تلك على دماء أبناء الشعب العربي الفلسطيني وعلى حساب دولة فلسطين ذات التاريخ العتيد, بمباركة دول الاستعمار العالمي.
عهود منصرمة
ونستطيع أن نقول أنَّ الساسة الكرد في العراق قد حصلوا أكثر من أقرانهم في باقي الدول على نسبة لا بأس بها من الاستقلال والحكم الذاتي خلال العهود المنصرمة, منذ زمن الملكية وحتى عام 2003م, حيث كانت تلك الحكومات تحاول أن تتجنب التصادم العسكري معهم.. ولكن كان الغدر صفة ملازمة (للساسة الكورد), فما أنْ يأمنوا عقاب السلطات حتى يقوموا بحركات تمرد وعصيان لإيقاظ حلمهم القديم الجديد في إقامة دولتهم المزعومة, على حساب نقضهم للعهود والمواثيق والاتفاقات مع الحكومات العراقية المتعاقبة, وقد سالت من جرّاء ذلك الكثير من الدماء من أبناء الوطن الواحد من العرب والأكراد.. وكان يتصدر مشهد التمرد ذلك وفي كل مرة (عائلة البرزاني).. تلك العائلة التي سيطرت ومنذ عشرات السنين وبالقوة على مقدرات الشعب الكردي واحتكرت خيراته وثرواته وجعلت الحكم في كردستان وراثيا ينحصر بتلك العائلة, وكأنَّ نساء الكورد عجزت أن تلد غير هؤلاء البرزانيين النفعيين الانتهازيين الذين حاولوا ويحاولون في كل وقت وحين من أن يُنشئوا تلك الدولة المغتصبة المزعومة ليكونوا هم قادتها ولتتسمّى باسمهم لأجيال لاحقة.
أما ما حدث بعد عام 2003م, فقد حصل الكورد على استقلال شبه تام وكامل, لا بسواعدهم وكفاحهم, وإنما بسبب ساسة العراق الجدد, الذين لم يبيعوا كردستان فحسب, بل باعوا العراق بأسره لدول الجوار, مقابل الاستئثار بالمناصب الحكومية العليا والاستحواذ على المال العام ونقله إلى بنوك العالم الخارجي.. لدرجة وصول الغالبية العظمى من أبناء الشعب العراقي إلى حافة الفقر والبؤس, ناهيك عن انعدام أبسط الخدمات الصحية والخدمية.. فأصبح العراق الذي يطفو على بحيرات من النفط, يستجدي عطف البنوك العالمية من أجل اقراضه المال مقابل شروط تعجيزية مذلة ومهينة.
لقد حصل الكورد بعد عام 2003 على مكاسب وامتيازات لم يكونوا ليحلموا بها طوال عقود من صراعهم المرير ضد الحكومات العراقية المتعاقبة, هيّأت لإعلان قيام دولتهم مؤخراً..
وكانت أولى تلك المكاسب من خلال الدستور الذي أقرّ في عام 2005, والذي حمل في ثناياه ما كان يصبوا إليه الكورد من نهب لثروات العراق واقتطاع أراضيه لضمّها إلى دولتهم المزعومة.. ثم تلا ذلك العديد الاتفاقات السرية والعلنية والكثير التنازلات التي قدّمها لهم قادة بغداد خلال الفترات الانتخابية 2005 – 2010- 2014 من أجل استحواذ هذا الحزب أو ذاك على أغلب المغانم الانتخابية, وعلى رأس تلك المغانم (منصب رئاسة الوزراء)..
عظم الخطأ
ولا ندّعي أنَّ ساسة بغداد كانوا لا يدركون عُظُم الخطأ الذي كان يرتكبونه بحق العراق وشعب العراق من خلال تقديمهم تلك التنازلات الكبيرة.. ولكنَّ حب السلطة والمال أعمى بصر وبصيرة قادة العراق, وجعلهم ذلك يدخلون في الفخ الذي نصبه لهم (آل البرزاني) منذ عام 2003.. وقد دخلوه وهم راضون ومقتنعون وعالِمون بما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك, ولكن كما قلنا فإنَّ الحب الأعمى للمال والسلطة هو الذي أدّى بنا إلى ما نحن فيه الآن.
كشف الاقنعة
وفجأة وبعد كل هذه السنين, وبعد أن حان موعد كشف الأوراق والأقنعة, وبعد اكتمال الفخ والخطة المحكمة التي رسمها البرزانيون, والتي كان جزء منها التعاون مع القوى الخارجية على احتلال داعش لثلث العراق المجاور لكردستان العراق, وومن ثمَّ إعلان رغبتهم في إقامة استفتاء (شكلي) لغرض إعلان دولتهم المزعومة.. وإذا بنا نرى فجأة انتفاضة ساسة بغداد المتنازلين المتخاذلين سابقاً.. وهم يهددون ويتوعدون الكورد بالحديد والنار إنْ تجرّأوا وأعلنوا دولتهم!! فما حدا مما بدا!! وأين كنتم أيها السرّاق العملاء منذ عام 2003 وحتى الآن.. حينما كنتم طوال تلك السنين تقدّمون تنازلات ما كان ليحلم بها ولو مجرد حلم, ساسة الأكراد منذ انطلاق حركتهم أيام الملكية وإلى اليوم!! هل كنتم نياما أم مُخدَّرين يا ساسة العراق وسرّاقه وناهبي ثرواته وبائعي أراضيه؟؟ هل شعرتم الآن بخطر ما فعلتموه بالعراق وشعبه من أجل مناصبكم الزائفة ومصالحكم التافهه؟؟ فبسبب مغانمكم وأنانيتكم وعمالتكم لم تَضِع كردستان فقط.. بل ضاع العراق بأكمله من زاخو إلى الفاو.. فالمخابرات الأجنبية التابعة لدول الجوار وغيرها, ترتع في أرض العراق بكل راحة وحرية, وأنشأت لها عصابات وكانتونات تقوم بالقتل والنهب والسلب في وضح النهار.. وكل ذلك بسبب عمالتكم وتنازلاتكم المذلة من أجل المناصب والامتيازات الزائفة, التي اشتريتموها بدماء العراقيين الطاهرة والتي ما زالت تنزف حتى الآن.. واليوم جئتم تستعرضون عضلاتكم تحت قبة البرلمان وأمام شاشات التلفزيون. وفي الختام هذه دعوة خالصة إلى أبناء الشعب العراقي (عرباً وكورداً) أن لا ينجرفوا وينزلقوا خلف نيات ساستهم, الذين يريدون أن يوقظوا الفتنة بعد أن أطفأها الله..
فلو حدثت الحرب لا سمح الله فإنَّ الخاسر الوحيد هو الشعب العراقي بعربه وكورده.. أما أصحاب المغانم والمناصب من الساسة العرب والكورد, فسيكونون بمأمن من ذلك الخطر.. وسيعودون إلى مسلسل التفاوض والتنازل من جديد, وكأن شيئاً لم يكن؟.























