عنوان المدينة مرة أخرى – طالب سعدون

نبض القلم

عنوان المدينة مرة أخرى – طالب سعدون

 

أعود لهذا العنوان مرة اخرى ، فلم أجد فرقا – يستوجب التغيير – بين مدخل بغداد من جانبها الجنوبي المؤدي الى محافظات الفرات الاوسط من جهة ( الدورة ) ،  الذي تناولته سابقا بالعنوان نفسه ، ومدخلها الجنوبي الاخر المؤدي الى المحافظات الجنوبية من جهة ( جسر ديالى ) …فهما تؤامان  لا يختلفان في وضعهما الذي لا يسر ولا يليق ببغداد ..

يمكن أن تكون سلامة الطريق ، ونظافة الشارع و( تأثيثه ) بشكل مناسب من بين ( المقدمات )  المهمة التي يستدل بها ( المراقب )  لمعرفة  مستوى تقدم البلد وتأخره ،  ودرجة التنمية فيه  ، ومعدل الفقر ، وأرقام موازناته العامة ، قبل  التوغل في المعالم  ، والتفاصيل  الحياتية والعمرانية  والاقتصادية الاخرى من الداخل ،  أو الرجوع الى المصادر والبيانات والاحصاءات التفصيلية …

فهل  تنطبق هذه ( الدلالة ) على شوارعنا الداخلية ، وطرقنا الخارجية لتعطي صورة  أولية عن بلادنا ..؟.. وهل هي بغداد التي قرأ عنها ( الزائر ) في التاريخ ، عندما كانت مقياسا للتحضر والتمدن  والحضارة ، حتى صارت مضربا للامثال في الدول على رغيد العيش ، ورقة الجمال ،  وعنج الدلال ، ولذلك ألهمت  الشعراء صورا شعرية بديعة للتشبيه والمقارنة ورهافة الحس والحسن اللطيف ..

فهل ستلهم الشاعر العراقي الكبير كريم العراقي مثلا ،  وهي في حالها اليوم ، برائعة أخرى يحلق بها مع الفنان العراقي كاظم الساهر في الخيال وعالم الجمال واجواء الابداع كما أبدعا في قصيدة ( تتبغدد علينه واحنه من بغداد ) ..؟..

كانت بغداد  ملكة الجمال ، ومعيار التحضر بكل مقاييسه ، وكانت أمنية الانسان ليس في أن يراها  فقط ، وإنما أن يعـــــيش فيها ، وتكون وطنه كذلك …؟.

 وفي هذا المعنى قال الامام الشافعي ( ما دخلت بلدا قط الا عددته سفرا ، إلا بغداد فإني حين دخلتها عددتها وطنا …)..

ومداخل المدن مهمة في اعطاء صورة اولية عن المدينة ، وتعد  في نظر المراقب ( عنوان المدينة ) ، ولذلك تهتم  بها الدول ، وتدخل في التصميم الاساسي للمدن ، وتخصص لها إدارات خدمية خاصة ، وتعتني بها من حيث التشجيروالانارة و( تأثيثها ) بما يلزم من علامات تعريفية ومرورية  وارشادية للمناطق ، واختيار العناصر المناسبة للتعامل الحضاري مع الزائر ، لتظهر بأرقى حلة ، وأجمل صورة أمام  الوافدين  ..

فاين طرقنا الخارجية ، وشوارعنا ومداخل مدننا ، وبالذات عاصمتنا الحبيبة بغداد من هذه المعايير الجمالية والحضارية الراقية ..؟..

 ربما أصبح الحديث عنها في نظر البعض  نوعا من الترف ، ومضيعة الوقت ، كما هو الحديث عن النظافة .. في حين هي لا تحتاج الى أموال طائلة بقدر ما تحتاج  في بعضها الى تنظيم المرور ، وبذل جهود أكثر واستغلال ما هو متاح من امكانات مادية وبشرية لتظهر بصورة مقبولة ، وان كانت لا تناسب الطموح …

فمنع رمي الانقاض والنفايات على جانبي الطريق في مداخل بغداد  مثلا لا يحتاج  الى أموال كبيرة بقدر ما يحتاج الى رقابة واشراف  وحرص وتعليمات صارمة ، وتخصيص أماكن بعيدة عن المدينة لتكون مكبات لرمي الانقاض بشكل نظامي ، وليس في مداخلها ( سبق أن تناولته في مقال سابق بالعنوان اعلاه ، عن مدخل بغداد المؤدي الى محافظات الفرات الاوسط )…

ويوم الاثنين الماضي كنت في ( سفرة ) سريعة الى مدينة الكوت لتقديم واجب العزاء الى صديق العمرالدكتور عبد الرزاق أحمد النصيري رئيس جامعة واسط  وإسرته بوفاة شقيقته ، وعشت ساعات قصيرة معاناة من يسلك هذا الطريق ، وكان الله في عونه ، لكثرة الحفروالمطبات والتخسفات ، وتحولت في اجزاء كثيرة منه الى أخاديد ومنعرجات ، يمكن ان تسبب حوادث لا سمح الله خاصة ، ونحن على أبواب الشتاء وموسم الامطار ..

وأما مدخل بغداد من جهتها  فلم يكن  باحسن حالا من مدخل الدورة الجنوبي ، من حيث رداءة الشارع  والمطبات  والحفر والفوضى المرورية وحالة الزحام ، ابتداء من جسرديالى  الى جسر المشتل  المؤدي  الى طريق  الدورة السريع ..

صورة لا تستحقها مدينة تاريخية ، قيل فيها هي ( حاضرة الدنيا وما عداها بادية ) ، ومضرب المثل في العلم  والادب والحضارة  والجمال والدلال..

– نتمنى أن  يلفت المعنيون لها …

                      كلام مفيد :

 كي لا تموت مرتين لا تعد لمن خذلك ( انيس منصور ) .