
عذراً لكم – عبد الزهرة خالد
أقدم لجلالكم اعتذاري لأنني سأكتب حديثاً قد لا يليق بمقامكم ومقام هذا الزمن النازف بالديمقراطية00
أبحث عن قلمي المختبئ في أحدى زوايا الجيب يرتعش خوفاً قبل أن أنزع رأسه المزمجر لاظهار حافته على سطح الحقيقة البيضاء ، يعتقد بأن كامل القلم مأجور لغير الضمير ومما زاد الطين بلة أن اليد المرتشية وقد رشاها التراب والهواء والسماء ووطن أسمه يشبه شكله0
عذراً أنا الخائن الذي أملك هذا القلم المأجور وحتى المداد الملوث بالفايروسات الوطنية0 خيانة الأنامل والكف ليس بالرشوة فحسب بل بالشرايين الممتدة على طول المسافة بين القلب والورق الأبيض ، هناك وسطاء وعملاء تسعى لتدمير كل شيء لأنه الجاسوس الذي يلعب على الحبلين.
لم يعد هذا القلم يكتب حروفاً غير أبجدية مستوحاة من حدود الوطن ولا يتجاوز درس الجغرافية ليغوص في بحر تأريخه تتلاطم على شطآنه أمواج الحوادث وتكسير صخور الصبر ويشعل فنارة الأمل مروراً بتضاريس المبادئ0
الأسرار تحتاج الى مكتشف وناقل وأنا إنسان عادي جداً أخشى قطاع الطرق والسيطرات 0 قد يتنكر لي الكثير ممن يعرفني أو لا يعرفني رغم تقديم هوياتي الأربع 0
فالاجتياز صعب جداً والعبور الى الضفة الأخرى مجازفة والبقاء على هذا التل حيرة بانتظار عيون اليمامة متى ترى ومتى تبوح ، الطامة الكبرى في علب السردين لا نجيد فتحها فهي مصممة للسكوت ، إذن السكوت غذاء الروح . في حين الوطن يشتهي علب البوح مقلي بزيت الولاء الذي لا يسمن ولا يغني من جوع بينما ثلوج الغربة كنيران بلادي في كلّ الفصول..
الأسطر تجبر قلمي على الخيانة لأنها في الخطوط البيانية أصبحت رأياً سائداً في الحوارات ومناضد النقاشات وقد يفوت منها حروف لا تقرأها العربية.
بالأمس كانوا محض نكتة تتناولها الألسن عند السمر وليالي الخمر واليوم هم من الأخيار والكبار ، كانوا شرذمة مشردين يقطنون الأرصفة تحت وفوق أغلفة السلع المباعة في محلات التأويل والتهديم هم اليوم أصحاب القرار هكذا يصرخ بوجهي بلا شعور يملأ طوله صوت الأنين كالثوب الأسود في موسم عاشوراء ويثقب دوي الاحتجاح مسمار اليأس ومطرقة الملل ..
قد أوقف تصريحي الأخير تحت الأقامة الجبرية لأن من ينادي التقسيم ربما يقيم دعوى جزائية ضد الحروف لذا قلمي ضعيف لا يميل نحو الحياد بل خائن هزيل أمام مافيات النهب ومطبات التسليب ، أخشى على أطفال قلمي سوف تنزف بطونهم أمام دور الأيتام والمشردين فالنفاق هو السيد في هذا العهد الجديد وليس عدلاً أن يتساوى المتفرع والأصيل بينما الفقير يريد أن يأكل كف الغني أمام الجمهور كي لا يفوته الكثير..
كلما أشجع القلم على البوح يتردد خشية الرصاصة المكتومة أو الشريط اللاصق الذي يكمم الضمير . لا أدري كيف يشرح المشهد الأخير حسبما الخبر العاجل في أسفل التعبير ، هناك من يحرر وهناك من يستولي وهناك من يبني جداراً للتقسيم والفراغ في الأقلام كاللحد الدائم يحيط لحاء التفكير وينثر على المقابر الغبار ..
إذن عندما يخون القلم يجف المداد من بحور القوافي والتطبيل ، أرى من الأفضل ظهور (القلم الباركر) في وقت لاحق بعدما يتضح الموقف كيلا يصادره أحد لأن القديم فريد وثمين خاصة أن تاريخا صنعه في أواخر الخمسينات من القرن المنصرم دعونا ننتظر كهولة القمر وأوردة الرّيح تعيد للقلم دورة الحياة..























