عبد الناصر والجماهير العربية – حسن عاتي الطائي

 

47 عاماً على رحيله

عبد الناصر والجماهير العربية – حسن عاتي الطائي

 

في الساعة السادسة والربع من مساء يوم الاثنين الثامن والعشرين من ايلول عام 1970 انتقل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر الى رحاب ربه العظيم اثر ازمة قلبية حادة فاجأته في مطار القاهرة وهو يودع اخر الملوك والرؤساء العرب الذين جاءوا الى القاهرة تلبية لدعوته لحضور مؤتمر

القمة العربي لمعالجة الاحداث الدامية التي وقعت في الاردن بين الفدائيين الفلسطينيين والسلطة الاردنية.. وبحكمته وحنكته السياسية المشهودة تم التوصل الى وقف اطلاق النار بين الجانبين..وكان ذلك اخر عمل قومي كبير قام به عبد الناصر من اجل وحدة الامة العربية وحقن الدم العربي.. لقد كان اليوم الذي رحل فيه ناصر العرب يوما تاريخيا شديد السواد في التاريخ العربي المعاصر وكان يوم تشييعه يوما للحزن الجماعي على المستوى القومي العربي لم تشهد الامة العربية مثيلا  له في تاريخها الحديث من قبل ..كان عبد الناصر ومازال رمزا لنضال الجماهير من اجل حريتها ووحدتها وخلاصها وتقدمها فلقد جعل من مصر العروبة قاعدة للثورة والتحرير في الوطن العربي ومنطلقا لتحقيق الوحدة العربية والتغيير السياسي والاجتماعي واعادة صياغة وصناعة المستقبل الوطني والقومي ومطاردة الاستعمار بكافة اشكاله في كل مكان وارساء قيم العدالة والديمقراطية والمساواة وحقوق الانسان وخاض من اجل تحرير الامة العربية واستقلالها معارك متواصلة في طول الوطن العربي وعرضه حتى ارتبط اسمه بإسم القومية العربية وليكون بطلها التاريخي الذي التفت حوله الجماهير ومنحته ثقتها وحبها بصورة لم تعهد من قبل مع قائد عربي اخر منذ اكثر من الف عام.. وقد حقق عبد الناصر من المكتسبات والمنجزات السياسية والاجتماعية والثقافية في ثمانية عشر عاما مالايمكن انجازه في عشرات السنين ساهمت في دفع عجلة التقدم والتطور في جميع المجالات اشواطا طويلة الى الامام على الصعيدين الوطني والقومي.. لقد وجدت الجماهير العربية في شخصيته القومية الوحدوية العملاقة الاسرة تجسيدا لنزوعها وتطلعها الوحدوي فامنت بافكاره الثورية ومشروعه القومي النهضوي وسارت معه في موكب النضال والكفاح وانعقدت بينها وبينه علاقة استثنائية فريدة تخطت اية حدود سياسية وتجاوزت اية سلطات حاكمة في اي قطر عربي..علاقة متداخلة حية قائمة على الحوار والاقتناع والثقة المتبادلة كنتيجة طبيعية للحب الحقيقي الذي نشا طواعية دون فرض او اكراه بين القائد القومي والبطل التاريخي وجماهيره المحبة الوفية المخلصة التي وقفت معه تسنده وتدعمه في السراء والضراء وفي وقت الشدة ووقت الرخاء..لقد انهى عبد الناصر عصر النخبة السياسية واستغلال السياسيين العمل في الحقل السياسي وتفردهم به وجعل السياسة عملا شعبيا يوميا عاما تمارسه الجماهير في حياتها الخاصة والعامة اينما كانت وعلى مختلف الاصعدة والمستويات..ولهذا فلقد استجابت تلك الجماهير للنداءات الثورية التي كان يطلقها عبد الناصر في خطاباته وبياناته التي يدعوها فيه لمواصلة النضال ضد الاستعمار والصهيونية والرجعية لتخليص الامة من القيود التي تكبل حركتها التاريخية والقضاء على الانظمة الرجعية الفاسدة الموالية للاستعمار والتي ربطت مصيرها بوجوده اللاشرعي فوق الارض العربية.. ومنذ الايام الاولى لثورة 23 يوليو القومية الرائدة التي قادها في العام 1952 اطلق عبد الناصر شرارة التغيير والثورة من خلال رفعه شعاره الخالد(ارفع راسك يااخي فقد مضى عهد الاستعباد) ليحرك في قلوب  الجماهير العربية كل كوامن العزة والكرامة وليعطي الروح الوطنية والقومية حافزا سحريا دفعها الى الالتفاف المثير حول القائد الذي خاض بها ومن اجلها اكبر المعارك السياسية والاجتماعية والثقافية من اجل حريتها واستقلالها وتقدمها مثل معركة كسر احتكار السلاح والتصدي للاحلاف العدوانية وتاميم قناة السويس واقامة اول دولة وحدوية عربية في هذا العصر هي(الجمهورية العربية المتحدة) باعتبارها تجسيدا لحلم وهدف الوحدة العربية الذي تتطلع اليه امتنا لتسترد به حقيقتها الطبيعية الصافية يوم كان العرب في ظل دولتهم الواحدة وبدينهم الاسلامي العظيم قد صنعوا واقاموا اعظم امبراطورية في تاريخ العالم خلال اقل من قرن واحد..كان عبد الناصر اول قائد عربي يخاطب الجماهير العربية في كافة اقطارها بلغة ثورية معبرا عن مايدور في خاطرها وضميرها بإعتبارها تنتمي الى امة عربية ناهضة تريد ان تتحرر وتتقدم ويكون لها حضورها وموقعها المتميز على المسرح السياسي الدولي  وفي اغناء واثراء الحضارة الانسنية بمساهماتها وابداعها.. ولهذا فان الجماهير رات في عبد الناصر انه المتحدث الثوري بلسانها والمعبر عن اشواقها واهدافها ومثلها القومية باعتباره القائد القومي الوحيد الذي هزم الاستعمار في المعارك الكبرى وتعامل مع القوى العالمية من موقع الند للند والمناعة والصلابة وعدم الخضوع لمنطق القوة الغاشمة والعدوان على الحق اضافة الى انه كان زعيم اكبر دولة عربية لديها من الامكانات والقدرات المادية والمعنوية لحمل رسالة القومية العربية ومقارعة اعدائها..ورغم الهزيمة التي تعرض لها في نكسة الخامس من حزيران عام 1967 فإن الجماهير بقيت على وفائها وحبها له وثقتها به وايمانها بفكره الثوري القومي ولذلك فان الملايين قد خرجت في كل انحاء الوطن العربي تطالبه بالعدول عن استقالته التي قدمها لها في يوم الجمعة الحزينة التاسع من حزيران في ذلك العام المشؤوم اثر النكسة العسكرية مما دعاه الى الاستجابة قائلا:(ان امر الجماهير بالنسبة لي لايرد)..وعندما انتقل الى رحاب ربه العظيم في الثامن والعشرين من ايلول عام 1970 بكته كما لم تبك رجلاً من قبل وسارت في القاهرة اكبر جنازة في التاريخ البشري رددت خلالها الجماهير انشودة الوداع الحزين الشهيرة(الوادع ياحبيب الملايين)  رافعة صوره ومتمسكة بفكره الناصري تعبيرا عن ذلك الحب العظيم الذي منحه الشعب العربي لبطله القومي التاريخي الخالد جمال عبد الناصر التي يحيي ابناء امتنا العربية هذه الايام ذكرى رحيله السابعة والاربعين وهم يفتقدون جسارة مواقفه الاقتحامية الشجاعة في هذه اللحظات الفارقة التي يتكالب فيها الاعداء على هذه الامة المستضعفة الصابرة التي ترفض الارهاب والظلم والاستسلام لقوى الاستعمار والشر والظلام…