صنّاع الطمأنينة – مفيد بدر عبد الله

صنّاع الطمأنينة – مفيد بدر عبد الله

 

سببان هامان يجعلاني امنع أبنائي من السباحة في النهر القريب من منزلي، الاول : رداءة المياه وما قد تسببه من أمراض، فالتلوث والملوحة جعلا من المياه بعيدة جدا عن معايير السلامة التي نعرف، فالنقاء والعذوبة أضحيا شيئا من الماضي، السبب الثاني : خوفي عليهم من الغرق، فصور جثث الغرقى التي تنتشل هذه الايام من تحت الجسر المعلق وأماكن أخرى تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي وأضحت حديث الساعة . لكنني أمام إصرار أبنائي على الاستمتاع بالسباحة أجدني مضطرا لاصطحابهم بين حين وآخر الى مسبح نادي أبي الخصيب، واتحمل نفقات دخولهم، فالمياه هناك معقمة ونقية، أما خوفي عليهم من الغرق فيبدده وجود رقيبين يجلسان على جانبي الحوض على كرسيين مرتفعين ، يراقبان السباحين، هذان الرقيبان او المنقذان اجتازا دورات متطورة في كيفية التعامل مع الحالات الطارئة ، وإنقاذ من يتعرض للإجهاد أو شد عضلي، هذا ما يجعل السباحين وذويهم مطمئنين، يمضون أوقاتا جميلة واثقين من سلامتهم، ويعومون حتى في الاعماق الكبيرة، يتمتعون ويبتهجون . في كل مرة أصطحب أبنائي أمضي وقتا غير قليل في تأمل هذين المنقذين، فأرى أعينهم مثل عيني الصقر مصوبة نحو الحوض وتتابع جميع السباحين في آن واحد ولا تزيغ عنه لحظة، فالوقت حاسم والتأخر عن إنقاذ المتعثر  لثواني  قد تكون عواقبه كارثية، لا أكون من المبالغين أن قلت بأنهما أهم ما في المشروع، فلا متعة حقيقية ولا أحساس بالجمال دون الطمأنينة التي يصنعانها .

هاجس خوف الغرق لا يقتصر على قاعة السباحة ، فالمؤسسات والمدن والبلدان كلها قد تغرق، مالم يرعاها بصر وبصيرة راعيها، فالبلدان لا تعوم الا باقتصاد قوي وجيش قادر على حماية أرضها، وبرجال تؤتمن على أموالها، تبعث في نفوس أبنائها الطمأنينة، وتبدد مخاوفهم من الغرق في مستنقع الديون، فنجاح البلدان بقادتها والشواهد كثيرة في التاريخ القريب والبعيد، قادة محنكون جعلوا من بلدان شحيحة الموارد هامة ومؤثرة في الاقتصاد العالمي، زادوا من دخل الفرد في بلدانهم أضعافا، زرعوا الطمأنينة والثقة في نفوس شعوبهم، وبلدان أخرى فاشلة على الرغم من كل ما وهبها الله  من موارد، الا أن شعوبها تفتقد للطمأنينة، تغرق وعين الراعي منشغله عنها، أو لا يدرك مواضع القوة، راع فاقد للحكمة ، لا يضع الخطط الرصينة الآنية والمستقبلية، يفتقر للمهام الواضحة المحددة، والمتابعة الدقيقة، لا يضع الشخص المناسب في المكان المناسب، والاسوأ حين يغلب مصلحته على المصلحة العامة.

هاجس الغرق يجعل الطمأنينة حلماً بعيد المنال، فما أحوجنا اليوم لمنقذين صادقين فطنين، ليكونوا صناعا بارعين للطمأنينة .