عبيد يحلل قصائد العّلاق
شاعران وناقدان يتحاوران حول الجمال والمخيلة
مؤيد داود البصام
صدر عن دار فضاءات للنشر في عمان، كتاب ( علي جعفر العلاق.. رسول الجمال والمخيلة ) للناقد والشاعر محمد صابر عبيد ، والكتاب رؤية نقدية في شعر الشاعر علي جعفر العلاق، وكذلك في رؤاه النقدية، وتأتي أهمية الكتاب كونه بقلم شاعر وناقد مهم في حركة النقد العربي والعراقي.،
والمفارقة أن المؤلف محمد صابر عبيد عرف ناقدا أكثر مما هو شاعر، بينما عرف المكتوب عنه علي جعفر العلاف شاعرا له فضاءه الشعري العراقي والعربي، أكثر مما هو ناقدا ً، على الرغم من كتاباته النقدية المهمة والمؤثرة في حركة الشعر العربي والعراقي، والتي يقول فيها الناقد محمد صابرعبيد، ” إن جميع كتبي في نقد الشعر فيها مقبوسات من نقده في الشعر، “ص147. وهذه المفارقة دلالة على القيم الجمالية والمخيلة التي ضمها الكتاب بين دفتيه، والتي وشحت عنوان المبحث.
الكتاب يقع في 169 صفحة ضم ثمانية فصول عن الشاعر والناقد علي جعفر العلاق ، والفصل التاسع ، الهوامش والإحالات، جاء الفصل الأول ( شاعر نوعي ) ليضع ما دعاه للكتابة بالقول ” علي جعفر العلاق شاعرٌ نوعيَ بالغُ الخصوصية، يجتهدُ كثيرا ً في أن لا يشبه أحدا ولا يشبهه أحد ” ص9، وبهذه الجملة الاستهلالية، حسم الباحث الأمر من البداية لصالح المنقود، كما سماه في عنوان البحث ( رسول الجمال والمخيلة ) ووضعه في المكانة التي سيبني عليها بحثه شعرا ً ونقدا ً، فيكتب في الفصل الثاني ( مائيات العلاق )، متناولا قصائد العلاق وعلاقتها بالماء،” الشعرُ لغة ٌ، واللغة ُ ماءٌ حر وصاف ومتدفق ينقل الفكرة والإحساس والحكمة والحقيقة والرؤية والتجربة من القائل / الكاتب إلى الآخر/ المتلقي “، فهو يجد في قصيدة العلاق تلك الرؤية التي تنبع من رؤية مائية لإدراكه الحقيقة الأصلية للغة الشعر، التي تتمتع فيها القصيدة الحديثة المشحونة بطاقة الماء، . ” مائيات العلاق لا تكتفي بهذه الكثافة الهائلة لورود دالَ الماء في قصائده بوصفها انعكاسا ً تكوينيا ً بيئيا ً وثقافيا ً فحسب، بل تتحول (المائية) إلى نوع من الحضور الشعري الذي يذهب باتجاه سيولة اللغة الشعرية وتقليم خشونتها، وضخ ما تيسر من الدينامية والأناقة فيها.” ص39. أما في الفصل الثالث (الديكور الشعري) والذي يحيل فيه بناء القصيدة إلى البناء الدرامي في المسرح وتطابق الإبداع بين الأنساق، وقدرة المبدع على هضم الفنون وإدخالها في بنية القصيدة لأهمية التفاعل بين الفنون بعضها مع البعض الآخر، فيعكس لغة تفصيل المسرح ومصطلحاته، إلى بنائية القصيدة دراميا ً، وتحرك الشاعر داخل بنية القصيدة من حيث وعيه وإدراكه للفنون الأخرى، ويشرح وجهة نظره بأنه ” يعكس ( الديكور الشعري) ثقافة شعرية استثنائية ذات طبيعة درامية تشكيلية.” ص44 ،
ويرد هذه الحالة في شعر العلاق كونه .” شاعرا مهموم بالتشكيل في معناه الواسع والعميق، إذا تبدو قصيدته وكأنها نتيجة لوعي تشكيلي إخراجي واضح، من حيث الاهتمام الكبير بالمفردة داخل بنيتها البصرية على بياض الورقة.” ص45. وهو ما يثير اهتمامه لتأكيد العلاقة البصرية بين بناء القصيدة اللغوية وتكوينها الهندسي المقارب لبناء الديكور في المسرح. وينتقل الباحث في الفصل الرابع، إلى استكمال رؤاه النقدية في شعر العلاق، من حيث ارتباطه بأنساق الفنون الأخرى، (الكاميرا الشعرية)، يرى أن الصورة الشعرية هي مادة القصيدة الأساس من حيث التشكيل البصري والمتخيل في منطقة التلقي، وهو تحويل الكلام من مساحة تشكله اللفظي إلى مساحة الشاشة المرئية، وذلك بالإلتقاطات البصرية من الطبيعة، وهي التقاطات استثنائية لمصور حاذق ومبدع، ” وهذه الاستثنائية في اللقطة الشعرية توحي بحساسية الجمال العفوي الذي تصنعه الطبيعة “، وهو من خلال هذه العلاقة يرى أن الشاعر ، ” علي جعفر العلاق شاعر مهموم بالتشكيل في منظوره الجمالي والثقافي على نحو عميق وأصيل وحيوي ٌ، ولعل من أبرز مظاهر هذا الهم عنده هو الاهتمام والعناية بالصورة وطريقة التقاطها ورسمها وبنائها المعماري. ” ص66. وفي الفصل الخامس، ( اللون الشعري) فالباحث يرى، ” أن اللون الشعري بتمظهراته المباشرة وغير المباشرة سيميائيا ً يؤدي دورا ً بالغ التأثير والخطورة في صوغ كيان القصيدة وبهاء تشكيلها ” . وهو ما يؤدي إلى اشتعال الروح العاطفية في داخل بنية القصيدة، وعطائها هذا الوهج العاطفي الخلاب، عندما يتمكن الشاعر من أستغلال الطاقة التشكيلية للون بمعطياتها الرمزية والسيميائية والجمالية، وبحساسية عالية، فإن بوسعه تحويل قصيدته إلى قصيدة ملونة، وهو ما يراه يتماهى في قصيدة العلاق، بدلالة الموصوف، ” تأتي الصورة اللونية أحيانا ً في شعر العلاق في سياق تشكيل سردي يقوم الراوي فيه ببناء الصورة الشعرية داخل رؤية سردية، وتكتسب الصورة طاقتها اللونية استنادا ً إلى طبيعة المقولة السردية التي يسعى الراوي الشعري إلى تشييدها ” ص90 . وفي الفصل السادس يرى الناقد محمد صابر عبيد، أن الحلم والوهم قطبان يمتلان سماء الشاعر وأرضه، ( من الحلم إلى الوهم )، إن تحولات الشاعر من الحالة الحلمية التي تتلبسه في رؤاه، عندما تضحى الحقائق من واقع مبهج إلى وحشة وفراغ وانكسار، لحظتها يقف الشاعر ما بين سمائه وأرضه فينتعش أفق الحلم، ويبتدى الوهم، ويضع قصائد العلاق ويحللها ضمن هذا الافق بين الحلم والوهم..” الشاعر علي جعفر العلاق مسكون بالحلم مثلما هو مسكون بالوهم، مسكون منذ البداية بالحلم المتفتح الواسع العميق، حلم الحياة والحرية والشعر.” ص97, وإذ ينتقل في الفصل السابع إلى عمق النص العلاقي وعلاقته بعناصر اللغة الشعرية، وكيف يتعامل نصيا مع الجسد بوصفه أداة لتحريك الحواس وعوالمها الداخلية، (قصيدة المرايا وسيمياء الجسد )، ” ينتصب ( الشاعر/ مكسوا ً/ بغيوم اللغة )في ديوان الشاعر علي جعفر العلاق ليشيد طرازه الشعري قريبا ً من الوهج والألق والتفتح والأسئلة، إذ عن طريق اللغة وحدها ” ص118. استطاع أن يقدم كل هذه المعطيات الزاخرة بالقيم الجمالية والصور الشعرية الإبداعية، ويختتم كتابه في الفصل الثامن، للبحث في مشروع العلاق النقدي ، (ثنائية الشاعر الناقد .. زواج الماء والنار )، في هذا الفصل يتناول الناقد محمد صابر عبيد، الشاعر علي جعفر العلاق، كونه ناقدا ً، ويرى أن الخبرة الثنائية للشاعر الناقد، مسالة تكررت في الثقافة العالمية والعربية، قديما ً وحديثا ً،
ومثالها الشاعر والناقد ت.س. البيوت وأدونيس وجبرا إبراهيم جبرا …الخ وعلى الرغم من أن العلاق يعتبر نفسه شاعرا ً أكثر مما هو ناقدا ً، ” غير أن طروحاته في هذا المجال من أغزر وأهم الطروحات ” . والجهد النقدي للعلاق واضح المعالم، فيما أصدره من دراسات وكتب، حظيت باهتمام النقاد والدارسين، وأصبحت مرجعا ً مهما في تراث النقد الشعري العراقي والعربي، ويقف الناقد محمد صابر عبيد ليضع سؤالا ً مهما ً ” السؤال الكبير الذي يمكن أن يوجه إلى الشاعر الناقد هو كيف يمكن تسخير المعرفة الشعرية وأسرارها وخفاياها في خدمة النقد ؟ ” ويجيب عن هذا التساؤل ” الشاعر علي جعفر العلاق يتوغل في هذه الثنائية ذات الطبيعة الإشكالية توغلا ًرحبا ً وهادئا ً وعارفا ً ومسؤولا ً وعلى قدر كبير- كما يبدو- من الحنكة والتخطيط والقصدية. ” ويوعز مردود ذلك إلى،” تحقق للشاعر الناقد علي جعفر العلاق عميقة بأسرار اللغة على الصعيدين (الرؤيوي) الخاص بالممارسة النقدية، و(الرؤياوي) الخاص بالعملية الشعرية الإبداعية، بحيث أشرف على فضاء اللغة وأحاط بها من طرفيها القصيين،
وهو ما منحه فرصة ثرية للتحكم بصياغة الخطاب على النحو الذي يريد.”ص144 ، ويأخذ كتاب ( من نص الأسطورة إلى أسطورة النص مثالا ً، الذي صدر للعلاق عام 2010 . في عمان .عن دار فضاءات للنشر. “
يعد كتاب (من نص الأسطورة إلى أسطورة النص)، بعد سلسلة كتب نقدية تعمل إجرائيا ً في هذا السياق، أكثر كتبه تماهيا ً بين حدود الشعر وحدود النقد،” ص149.
ولهذا يصعب التفريق بين مكانة الشاعر والناقد، لأنه حاز الطرفان بجدارة.























